|
المسرح القطري في العمق الشكسبيري
الدوحة ـ ظافر جلود
ربما
لاول مرة سوف تستيقظ الدوحة المدينة المقبلة على واقع ثقافي رصين
وخطوات مدروسة بوعي استدراك واقع تجارب الغير والاستفادة من
المساحة الهائلة الممنوحة لحرية الرأي والتعبير والصدق الفني التي
باتت ملمحا واضحا لحياتها الفكرية والفنية على أصوات قرع الطبول في
قصور الملوك والنبلاء والأعيان وتلك الصور المتطايرة والتراكيب
الشعرية الشكسبيرية الساحرة والموغلة في عمق التاريخ الإنساني،
فقد حمل
الدكتور المسرحي صلاح القصب ماكبث معه في رحلة ثقافية صوب هذه
المدينة ليفتح سجلها الناصع البياض ويبدأ بمحترف تجريبي في واحدة
من أهم الأعمال الخالدة للكاتب الخالد وليم شكسبير ماكبث تلك
المنظومة الدرامية الغارقة بالسحر واللذة في تملك الاشياء انها
سطوة الرغبة والعبث بمصير الاخرين. رؤية تتجذر في الوعي المجهول
القاصر عند هذه الشخصيات الحبلى بالمفاجأة والقادمة الى زماننا بكل
تلك القوة والجذوة الى تخريب الذات فتدخل حلبة الصراع بين تقنية
المعلومة وتعدد الصور وإلغاء السرد وهدم المألوف وإلغاء التصور
المسبوق للتعامل مع الوقائع التي هي من أهم ملامح مسرح القصب
المعروفة بمسرح الصورة.
وربما
أن فرقة مسرح قطر المستضيفة والراعية لهذه الفكرة المتقدة والتي
تنبيء الى اكتشاف ابعاد جديدة في التعامل مع نصوص اكثر جرأة لكتاب
عالميين وتجارب خلاقة تدعم مسيرتها وتكسب اعضاءها مرانا مسرحيا
يطور من ملكات مواهبهم قد تلاقي بعض الصدود الجماهيري التي تعودت
بحدود معروفة للرؤية فان الفنان الرائد ابراهيم حسن ابراهيم رئيس
مجلس الادارة والمتحمس الأول للتجربة والتجريب يرى عكس ذلك..
فيقول: الجمهور المسرحي في قطر بات واحداً من المرتكزات الأساسية
التي تدفعنا للتحديث في التجربة المسرحية بعد ان شكل وعيه قفزة
فكرية تدعونا للتفكير بمران مسرحي يومي يدخل فيها عبر قراءة ناضجة
لكل الأحداث التي تجري حوله،
واعتقد
أن مسرح قطر قدم العديد من التجارب الناضجة للجمهور سواء في اختيار
النصوص الطليعية او المخرجين القادرين على استيعاب اللحظة المسرحية
فنحن قدمنا عروضا اثارت الانتباه سواء في قطر او في أقطار مجلس
التعاون او عبر المهرجانات المسرحية العربية واخرها المهرجان
المسرحي لفرق دول مجلس التعاون وكانت تجربة خلاقة بعد ان وفقت
بتقديم رؤية ناضجة لأحداث خاصة إنها جمعت نجوم المسرح الخليجي في
بوتقة فنية هدفت الى توحيد الكلمة من خلال المسرح باعتباره
المواجهة الأكثر تأثيرا بالوعي الجمعي وذلك بمسرحية بيان أول
للنهاية تآلف احمد هاتف واخراج الفنان سعد بورشيد.
ـ اذن
ماكبث تدخل ضمن هذا الانفتاح الجديد للمسرح في قطر؟ ـ انا أتكلم
بحدود فرقة قطر المسرحية ونحن منذ زمن ليس بالبعيد ننحو في هذا
المنهج الفكري والفني وماكبث كنص له من الخصوصية في التعامل معه
لانه يمثل الارث الحقيقي للمسرح العالمي وطالما نحن جزء من التجربة
الانسانية فعلينا ان نخوض في غمار تجربة بهرت العالم ولاتزال موضع
تأثير مباشر في اغلب مسارح المعمورة فنصوص شكسبير خالدة لأنها
متجددة مع تقادم الزمن باعتبارها تناقش مجمل العلاقات في منظومة
حركية تستوعب الحاضر وتقدم رؤيا بصرية وفكرية بنضوج تام للمتلقي،
انها تلغي الزمن
وتتداخل
مع الحاضر. واعتقد ان اختيار الفنان المسرحي العراقي د. صلاح القصب
للتصدي للنص اخراجيا جاء وفق قناعة تامة بإمكانيات هذا المخرج
بإقامة محترف ومختبر لفناني الفرقة هو بمثابة درس مسرحي مستمر
لأعضاء الفرقة كما ان التلاقح بالخبرات سوف يزيد من عمق الثراء
الذي نطمح اليه في تقديم رؤية مسرحية طاردة للخمول الفكري وموقدة
حسا فنيا عند المتلقي.
ـ لكن
مسرح القصب غالبا ما يذهب الى النخبة فهو يقدم رؤية بصرية بإلغاء
مجمل العلاقات السائدة بين الشخصيات وتغريب المكان وفصد النص؟
ـ سنقدم
ماكبث بكل التصور الذي جاء به القصب للمسرح القطري وسنوفر كل
الامكانيات المتاحة لتقديم عرض مسرحي فيه من المتعة الشيء الكثير
اضافة الى معاني التجربة التي ستقدم في الهواء الطلق وبرؤية بصرية
واعتقد ان الجمهور المسرحي سوف يهضم التجربة ويشبع رغبته في
الاكتشاف لان هذه النصوص تحكم بتلابيب المتلقي كما ان القصب سيزيد
بالمتعة البصرية فهو يقدم عرضا فيه من الغرابة والدهشة واستعمال
مفردات سينوغرافية عالية التقنية.
ـ ومتى
ستكون هذه الرؤية جاهزة للجمهور؟
ـ
التمارين اليومية تسير بشكل طبيعي والممثلون بدأوا في الدخول للجو
العام الذي يمليه المخرج القصب والشخصيات الشكسبيرية تحتاج الى
الوقت الكافي للتعمق حيث من المؤمل تقديمها نهاية مارس المقبل وضمن
الأيام الثقافية التي ستشهدها الدوحة وبحضور كثيف من المثقفين
الفنانين العرب وهي فرصة لتقديم المسرح القطري بأسلوب جديد.
مدير
انتاج الغرفة وأحد ممثليها المعروفين الفنان حمد عبدالرضا قال:
ربما سنحت لي الفرصة ان اشاهد اغلب اعمال الفنان د. صلاح القصب
التي كانت عبارة عن استوديو يستطيع فيه الممثل تنقية نفسه من
الشوائب.. لذلك فان دعوة القصب للاستفادة منه في تجربة المسرح
القطري لها الكثير من الفوائد لعل ابرزها ان يقدم رؤية تنويرية
وتفسيرية وتحليلية للنصوص الشكسبيرية وهو ما نحتاج اليه في تحقيق
رغبات الجمهور الواعي.
الفنان
الدكتور صلاح القصب قائد منظومة تشكيل العرض اخراجيا والمولع في
النصوص الشكسبيرية الخالدة هو المشاكس الذي يؤمن بالانزياح عن
الثابت والمستتب فيذهب الى تحليل النص لجزئيات كونية قابلة
الانشطار لتستوعب الذاكرة الحية المقتحمة لروح العصر بأدوات أداء
ممثل مفكر وشاعر بخيال جمالي متحسس هذه المجسات التي تأتي بإشارات
القصب الصورية.. ووسط هذا الصخب والمران التنفيذي لشخوص ماكبث حيث
يندهش الجميع باكتظاظ الصور الدرامية الخارجة عن التصور المسبق
للرواية..
سألناه
الا ترى انك تقحم الأحداث هذه في بيئة صعبة غير قابلة للتصديق خاصة
وانك تنحو بتجريد ماكبث من سقوطه التاريخي الى مأساة العصر برؤية
اقرب الى السينما من المسرح؟
ـ من
الصعب النظر الى تراجيديات شكسبير بعدسة واحدة لانك بذلك قد خذلت
قدرة هذه النصوص على الخلود فماكبث او هاملت وعطيل والملك لير
لماذا كتبها هذا الساحر الاخاذ أهي آدميات جامدة ساكنة خاضعة
لرقابة الزمن الماضي ام منشغلة بالبحث عن اسباب تعلقها بالوجود،
لماذا ترك شكسبير هذه الفضاء الا متنام لها أليس لنا نحن المحدثين
في ترتيب او صياغة اعادتها للحياة انها المسافة الوهمية الممتدة
بين الازمنة فانقلاب الكون والخروج من ركام الماضي وتهشيم ابواب
متاحف النصوص نحو الانفلات وتقديمها برؤية تمنح تدفق هذه اللغة
ابعادا جديدة وتقدم حدثا بتصور جديد اعتقد سيكون مفيدا اكثر
للمتلقي لان الولاء للنصوص الجامدة يجعل منها نصوصا ميتة.
لذلك
عمدت الى صياغة اهدافي في تعاملي مع مجمل النصوص التي قدمتها طوال
بحثي الدائم عن التصور المستقبلي لنصوص شكسبير وهذا ديدني منذ أن
ولدت على خشبة المسرح لأنني انتمي اليها جسديا فهي جزء من تكوني
البيولوجي ومن ثم ان الاجتهاد والمغامرة المحسوبة مطلوبة في المسرح
وألا فاننا ندور بعلبة جامدة غير قابلة للاختراق ذهنيا وتقنيا
وفنيا من قبل المتلقي.
أما
تجربتي التي انقلها لأصدقائي في المسرح القطري تنطلق ليس بدافع
تقديم عرض مسرحي بالدرجة الاولى بل انشاء استوديو مسرحي من خلال
فرقة قطر المسرحية الذي يشرف عليها الفنان الرائد المسرحي حسن
ابراهيم وعبر مقترحاته التي تنشد الى استوديو تجريبي ليس لقطر
وحدها بل الى جميع دول مجلس التعاون الخليجي اولا لكي ينطلق بعد
ذلك الى فضاء المسرح العربي بجغرافيته الممتدة وهذا المحترف الذي
سيكون ملتقى للتجارب الطليعية والافادة من الطاقات والمنظرين العرب
الذين يمتلكون الخبرة في تطوير المواهب سواء في التمثيل الذي يمثل
الجانب الأكثر اهتماما في التجربة او في التقنيات الاخرى التي تدفع
بالعرض المسرحي الى التوهج
وهناك
اسماء كبيرة قادرة على تحقيق هذه الفكرة والتي تتعلق أولا بالممثل
كما أشرت مثل قاسم محمد المخرج الذي شكلت تجاربه منطلقا تنظيرياً
وتطبيقيا لي عربيا بل عالميا كذلك عزيز خيون وفاضل الجعيبي وعوني
كرومي وعزالدين قنون والفنان المجتهد والمنظر فؤاد الشطي والمنصف
السويسي وهذه الأسماء التي تشكل خارطة مسرح عربي متقدم يستطيع
المعهد تطوير مهارات الممثل والابتعاد عن التقليدية التي تسود اداء
الممثل مع ان المسرح القطري تميز بتجارب مسرحية مهمة للفنان
عبدالرحمن المناعي هذا المخرج المفكر الذي يبحث في الاستمرار عن
فضاء جمالي وله ارث مسرحي ومنجز واضح. لكن تبقى التجربة بذات
خصوصية للقصب، اذن لماذا هذا الولع الذي يتسلى بفكرة اللعب بالإرث
والمنجز والقادر على تقديم نفسه بوضوح؟
ـ
التجربة كما أشرت هي ليست الوصول لعرض مسرحي يقدم هذه التفاصيل
المملة والمكررة لكن هي كيفية الوصول الى تطوير مهاراته ومخيلته
وكيف يستطيع التعامل مع المكان والمفردة. هذا العرض سينوغرافي لان
مسرح الصورة يعتمد على التشكيل البصري وعلى وعي الممثل المفكر لذلك
فان تجربة ماكبث للمسرح القطري هو البحث في فضاء الأداء وقراءة
الصورة والمكان قراءات جمالية التي تحدد فلسفة التجربة ومنطلقاتها
حيث انها ستقدم في الهواء بأبعاد فكرية وتقنيات جمالية لا تبتعد عن
الثيمة المركزية.
ـ
الشخصيات الماكبثية التي ستلون فضاء العرض السينوغرافي في هذا
التمري اليومي المكثف هم المسرحي المعروف القطري علي ميرزا
والفنانة العمانية فخرية خميس والفنان القطري ناصر عبدالله المؤمن
بالاضافة الى حشد كبير من الفنانين الذين سيدخلون هذا المحترف وحشد
آخر من الكومبارس الذين سيجسدون ملحمة ماكبث الصورية..
يقول
الفنان علي ميرزا كنت ومازلت انادي بالتجارب الطليعية التي تمنح
المسرح افقا في الرؤية والتفسير وبالنسبة لي فاني قاريء لجميع
التيارات والمذاهب المسرحية لكن على المستوى التطبيقي اعاني من فقر
تام وبالتالي ان هذه التجربة تثيرني وتستفزني واحاول ان استفيد
منها لقد رمى الدكتور القصب كل تلك التجارب والدراسة التي تعلمناها
الى الخلف وجعلني افكر وابحث عن شيء جديد في الأداء وتركيب
الشخصيات انها تجربة مثيرة حقا كنت اتمنى ان تتحقق قبل سنوات حيث
ان سنوات الدراسة والعمل اليومي بحاجة الى ومضات شكسبيرية بخبرة
صلاح القصب.
وعن
اداء شخصية ماكبث قال.. اي مسرحي في الكون يتمنى ان يمثل هذه
الشخصيات في المسرح ومع انني في اغلب اعمالي الاخيرة اضع نفسي بدل
الشخصية لكن هنا اختلاف كلي فالصراع ليس تقليديا بل صراع متكافيء
بين الشخصيات فهي تعيش ما بين الانشطار وتورم الذات وفي خط درامي
نفسي حاد باشارات وأدوات عصرية سينمائية. وهنا تكمن التفسيرات
والرؤى التي هي بحاجة الى اجتهاد وتمرين ذهني وجسدي.
الفنانة
فخرية خميس «الليدي ماكبث» قالت: ربما للمرة الاولى تتاح لي هذه
الفرصة في اللعب بدور واحد من الشخصيات التي كانت تراودني في
الأحلام الليدي ماكبث تلك المرأة الغارقة بالانانية وشهوة السلطة
هي الدافع المغذي لكل تلك الاحداث لكن يبقى السؤال أهي الشخصية
التقليدية التي عرفت في متن القصة اعتقد ان المخرج د. القصب قد جرد
الكثير من حوارها السردي واصبحت امرأة بصور متعددة انها الساحرة
والمغتصبة.
اعود
الى التجربة او المحترف انه بحق مران يومي لكل ممتلكاتي الابداعية
حيث اشعر قد اختصرت عشر سنوات من عمري في المسرح خاصة انني تواقة
لدور جديد الذي وجدته عند المخرج المفسر القصب.
الفنان ناصر عبدالله المؤمن قال: العمل مع د. صلاح القصب وماكبث ذو
متعة خيالية انها تجربة فريدة اخوضها بكل تفاصيلها والتي تمنحني
القدرة على تطويع القراءات المتعددة في النص وبالحقيقة لقد كنت
مترددا في البداية او خائفا لكن مع مرور الوقت اكتشفت عمق الإحساس
بالتجريب وهكذا تراني ابحث عن ماكبث في داخلي. |