|
نحو
تحليل دراماتورجي
للنص
الدرامي
تاليف
أحمد بلخيري
الإهداء
إلى الذين يزعجهم
اجتهاد غيرهم.
تقديم
توخيت من هذا الكتاب بسط أدوات رؤية منهجية، اعتمادا على مرجعية
غربية، لقراءة وتحليل النص الدرامي بالخصوص. لذلك فان المصطلحات
المشكلة لهذه الرؤية، لا تركز إلا على المصطلحات الدرامية المتعلقة
بالبنية الدرامية النصية. والسبب الداعي إلى التركيز على النص
الدرامي، هو ما لاحظته من نقص في الدراسات والتحاليل المنصبة على
هذا الأخير، على الصعيد المغربي، إن لم تكن منعدمة. والمقصود
بالدراسات والتحاليل، هو تلك التي تروم تشريح البنية الدرامية من
الداخل دون إسقاط، كيفما كان شكل تلك البنية الدرامية.
إن هناك أحيانا حديثا عن النص الدرامي المغربي، أو العرض المسرحي
المغربي، أو الإخراج المسرحي المغربي، كل ذلك بصفة عامة. يعتمد هذا
الحديث العام في صياغته أحيانا على ما ترسخ في الذاكرة، وليس على
نصوص أو عروض مسرحية محددة، كالحديث عن الكتابة الدرامية في
السبعينيات مثلا. في هذه الحالة، يحضر التاريخ وينتفي التحليل
"النصي"، التاريخ كما تتصوره الذاكرة، وليس تحليل الوثائق أي
النصوص الدرامية والعروض المسرحية. ولذلك، هناك ندرة في تحليل
النصوص الدرامية والعروض المسرحية، اعتمادا على مناهج محددة
وواضحة. نصوص درامية وعروض مسرحية محددة، يمكن الرجوع إليها
لاختبار نجاعة وأدوات التحليل. وهي ندرة تكاد تشبه العدم. فضلا عن
هذا، هناك أيضا غياب للأبحاث الأنثربولوجية في مجال المسرح بالمغرب
لحد الآن، باستثناء بحث يتيم قام به عبد الله حمودي، الذي يمتلك
فعلا خلفية معرفية نظرية وتكوينا أنثروبولوجيا، عن "بوجلود" ("بلمون").
هذا البحث منشور في كتابه "الشيخ والمريد".
بناء على هذه الملاحظة، رأيت أنه من المفيد أن أساهم في إنجاز
تحليل لنصوص درامية. تعتمد مساهمتي، التي أرجو أن تكون مجدية من
الناحية المنهجية بالخصوص، على التحليل الدراماتورجي المستفيد من
السيميولوجيا. وهذا الكتاب ليس إلا مدخلا منهجيا لها. وهو مقسم إلى
فصلين، الفصل الأول عبارة عن توطئة. أما الفصل الثاني فتم فيه
تقديم أدوات ومصطلحات التحليل الدراماتورجي، اعتمادا على كتاب
ميشيل برونر
Michel
Pruner
"تحليل النص المسرحي" "L’analyse
du texte de théâtre"
الصادر بفرنسا سنة
2001.
إن رهان هذا الكتاب يتعلق بتحليل البنيات الدرامية، شكلا ومحتوى،
وليس البحث في جزء من أجزائها فقط، كالبحث في الميتامسرح،
الذي هو بحث مضموني. يبحث هذا البحث الخاص بالميتامسرح عن قضايا
المسرح الممسرحة. وكم نحن في أمس الحاجة إلى تحاليل للنصوص النقدية
وبنيات النصوص الدرامية والعروض المسرحية والفرجات، تعتمد على هذه
الخطوة المنهجية بالضبط، تفاديا للإسقاط وخطاب المصلحة، اللذين لا
ينتجان معرفة صحيحة نابعة من النصوص نفسها دون سواها. وسيظهر هذا
جليا في توطئة هذا الكتاب. في هذا الصدد، لا بد من الإشارة إلى
استعمال ورواج مفهوم "علم النص". وهو مفهوم غايته النظرية
والإجرائية تتلخص في تحليل النصوص تحليلا داخليا دون إسقاط. كيفما
كانت طبيعة ونوعية "النص".
يمكن القول بأن موضوع التوطئة، في هذا الكتاب، موضوع جديد ومسكوت
عنه. ورغم أن منطلقي وموضوع اشتغالي فيه، وفي غيره، هو النصوص فقط،
فقد تنجم عنه، مع ذلك، ردود فعل انفعالية. إذ مازالت ملامح التفكير
التقليدي المعادي للجديد والفكر النقدي والحرية الفكرية، رغم
المظاهر المتدثرة بالحداثة؛ المنطلق من الأشخاص وليس من النصوص،
المتسم بالانفعال والذاتية، راسخة ومتجذرة في بعض العقليات
المشتغلة بالبحث والنقد المسرحيين بالمغرب اليوم. قلت ردود فعل
انفعالية، وليس المناقشة والفكر النقدي المعرفيين المطلوبين،
لأنهما من صميم الحداثة والاجتهاد العقلي. ومن نافلة القول، في وسط
علمي فعلا لا قولا فقط، التأكيد على أنه ليس بالمجاملة والمدح
والانتحال (وله صور متعددة) يتقدم العلم !.
هناك أدلة عديدة جدا في المتن البحثي والنقدي المسرحيين المغربيين
تدل على ذلك. ومنها، على سبيل المثال، القول بـ "ظهور نسخ عربية
للبيرانديلية والبريشتية، وظهور صيغ جديدة في الكتابة كالمرتجلة
والتأليف الجماعي للنص...".
فمن خلال هذا الكلام، والسياق الأصلي الذي ورد فيه، يبدو أن شكل
المرتجلة في المسرح شكل جديد ظهر في المغرب. ولذلك فهو غير مسبوق
في المسرح الغربي. غير أن الدارسين للمسرح، يعرفون بأن المرتجلة،
بوصفها شكلا دراميا ومسرحيا، ظهرت أول مرة لدى الغربيين. من هؤلاء
الباحث والمبدع محمد الكغاط، الذي لم يدع بأنه جاء بـ "صيغة جديدة"
أي شكل مسرحي جديد. ذلك أنه تحدث في مقدمة هذا النص الدرامي
(المرتجلة الجديدة) عن بعض التيارات المسرحية الغربية، التي لجأت
إلى الارتجال باعتباره تقنية مسرحية، كما رجع إلى مصطلح الارتجال
في معجم بافيس.
فكيف يجوز اعتبار أعمال من تأثر من المسرحيين العرب ببيرانديلو أو
بريشت نسخا، من حيث الشكل، ونفي النسخ، من حيث الشكل أيضا، عن
أعمال من كتب في إطار المرتجلة في المسرح المغربي بالخصوص؟. إن هذا
كيل بمكيالين. لكن صاحب هذا الكيل، في صفحة لاحقة، تحدث عن
الارتجال المسرحي في الغرب. إلا أنه لنفي النسخ -وهذه هي لغته- قال
إن محمد الكغاط له "مفهومه الخاص للمرتجلة والأسباب التي دفعته إلى
خوض تجربة كتابية من هذا النوع". وحتى أولئك الذين تأثروا
ببيرانديلو أو بريشت، لكل واحد منهم مفهومه الخاص للبيرانديلية أو
البريشتية، والأسباب التي دفعته إلى خوض تجربة كتابية من هذا النوع
أو ذاك، قد تكون فنية، أو غير فنية، أو هما معا. وفي هذا الإطار،
هل يجوز تجريد نصوص درامية لسعد الله ونوس من الإبداعية، والحكم
عليها بأنها نسخ للبريشتية فقط؟. وأنا هنا لا أحكم على أي تجربة
كتابية بالنسخ أو عدمه، لاسيما إذا كان هذا
الحكم بدون دليل نصي يدعمه، فضلا عن عموميته. وإنما أحلل لغته فقط.
إن النسخ تقليد وليس إبداعا كما هو معروف. كما أن المعارضة
Pastiche
تقليد أيضا، لأنها نسج فني وفق نموذج موجود سلفا تحاكيه.
والكيل بمكيالين اتضح أيضا حينما أشار، بخصوص مصطلح ميتامسرح، إلى
"أن نهاد صليحة نفسها لم تأت بجديد بقدر ما عملت هي كذلك على تحوير
بعض التعريفات التي يقدمها بافيس في معجمه المسرحي" (ص95).
وبالمقابل، نوه بباحث مغربي لدوره في "تداول المصطلح" (ص94)،
كما قال. هذا علما بأن هذا الباحث المغربي لم يتحدث ولم يورد أي
تعريف عن مصطلح ميتامسرح. ولكنه ذكر عنوان كتاب مانفرد شملنغ
M.Schmeling
"ميتامسرح وتناص- مظاهر المسرح داخل المسرح"، دون توثيق، في الهامش
وليس في المتن؛ حيث كان الحديث في هذا الأخير عن تقنية "المسرح
داخل المسرح" في مسرحية عبد الكريم برشيد "عطيل والخيل والبارود"،
وليس عن الميتامسرح. إذن، ذكرت كلمة ميتامسرح التي جاءت في العنوان
فقط. ومعنى هذا أن هذا الباحث المغربي لم يوردها باعتبارها مصطلحا،
قد يكون في حاجة إلى تعريف، ولم يتحدث عن"تجليات الممارسة
الميتامسرحية" (ص94)
في النص الدرامي "عطيل والخيل والبارود" لعبد الكريم برشيد، اللهم
إلا إذا اعتبرت تقنية "المسرح داخل المسرح" هي "الميتامسرح". وفي
هذه الحالة، لا يجوز للباحث أن يخلط بينهما.
وحسب حسن يوسفي، في "المسرح في المرايا"، فقد قدمت نهاد صليحة
تحديدات وتعريفات تتعلق بمصطلح الميتامسرح، وان اعتمدت على معجم
بافيس. أما الباحث المغربي في كتابه المقصود فلم يورد أي تحديد أو
تعريف يتعلق بهذا المصطلح الأخير. ومع ذلك، انتقدت تلك التحديدات
والتعريفات. والذي لم يقدم أي شيء في هذا الإطار، نسبت إليه إشارات
له "فضل إيرادها" (ص94).
فلهذا الفضل رغم عدم التحديد والتعريف، ولتلك النقد رغم التحديد
والتعريف. وحتى لو فرضنا أن هناك إشارات بالفعل، فإنها ستكون إما
منقولة أو مترجمة، ولذلك ليست جديدة. لقد استعمل حسن يوسفي كلمة
"إشارات" لانعدام التحديد والتعريف. هكذا يبدو أن الموقع يساهم هو
أيضا في رسم الصورة. ومن خلال عدد من المعطيات والمؤشرات، يبدو أنه
تم استغلاله بشكل جيد لهدف مصلحي غير علمي.
ومهم جدا الإشارة، من قبل يوسفي، إلى "أن نهاد صليحة لم تأت بجديد
بخصوص مصطلح ميتامسرح، وإنما اعتمدت على معجم بافيس". انطلاقا من
هذه الفكرة، يبدو مفيدا إنجاز بحث علمي موثق، يتعلق بما أخذه هذا
الباحث المغربي المومأ إليه، في الكتابة الشخصية وليس المترجمة، من
مصطلحات وتعريفات، دون الإشارة إلى المصدر أحيانا كثيرة (لا أريد
أن أضيف إلى كلمة "كثيرة" كلمة "جدا"، لأن القضية موجودة لكنني لم
أقم بإحصاء قد يخول أو لا يخول لي استعمال هذه الكلمة الأخيرة) من
معجم بافيس دون الإتيان بجديد. أقول هذا الكلام بكل موضوعية (انظر
على سبيل المثال توطئة كتابي هذا).
لقد سبق لي، فيما يخص هذه النقطة بالذات، أن أشرت إلى الفهم
والتطبيق والاستيعاب والمرجعية الغربية، كما استعملت جملة "إن بعض
المصطلحات حدد فنيا وتاريخيا"، والفعل هنا في صيغة المبني للمجهول،
في كتاب "المصطلح المسرحي عند العرب" (ص184)،
توخيا للحقيقة التي يتطلبها المقام. هذا، ومن المفيد الإشارة إلى
أن "المسرح داخل المسرح" تقنية، أما "الميتامسرح" فمضمون. والباحث
المغربي المقصود، كان يتحدث عن التقنية وليس عن المضمون.
وإذا كان حسن يوسفي يؤاخذ نهاد صليحة على كونها لم تأت بجديد،
واعتمدت على غيرها في هذا المصطلح، دون إشارة إلى المصدر، فكم هو
عدد المصطلحات التي أخذها حسن يوسفي، مع تعاريف لها أحيانا، في هذا
الكتاب فقط دون الإتيان بالجديد، ودون الإشارة إلى المصادر؟ أو
الإشارة إليها، ثم تبني تصور بناء عليها يعتبره تصوره الخاص، كما
لو كان هو واضعها. ذلك أنه حدد "تصوره" عن الميتامسرح اعتمادا على
مصطلحات غيره. وهذه المصطلحات هي: المضاعفة، التأمل الذاتي، البنية
الموضوعاتية، البنية الخطابية. لذلك، فبدلا من استعمال هذا
التعبير: "لذا فإن تصورنا للميتامسرح يقوم على..." (ص35)،
كان من اللازم، حرصا على الأمانة العلمية، استعمال تعبير من قبيل :
"لذا فإن التصور الذي أتبناه، اعتمادا على المصطلحات المشار إليها
سابقا، هو الذي يقوم...".
لذلك، فإن من أهداف هذا الكتاب تجاوز هذه الوضعية الأخيرة، وضعية
المجاملة والمدح وعدم الحرص على الأمانة العلمية، بالبحث المعرفي
المشتغل على النصوص فقط. وهنا أعلن بأنني وجدت نفسي، وأنا أكتب هذه
التوطئة، في مفترق طريقين؛ طريق التلمذة وما تتطلبه، في التصور
التقليدي للتربية، من خضوع وتبرير وقلب للحقائق أحيانا؛ وطريق
الحقيقة، الحقيقة المؤكدة بالوثائق والنصوص، وليست الحقيقة
المجردة. فلم أتردد لحظة واحدة في اختيار والارتباط بالحقيقة
الماثلة أمامي المعززة بالشواهد والأدلة النصية. وإذا كانت طريق
التلمذة لدى الغير معبدة، وتغري بالسير المريح والسريع، بل والتمتع
بمباهج الطريق، رغم الحالة الميكانيكية المتردية للسيارة أحيانا،
لاسيما في هذا الوقت بالضبط الذي أكتب فيه هذا الكتاب -وإذن،
فالفضل في هذا يعود إلى الطريق وليس إلى السيارة- فإن طريق الحقيقة
غير معبدة أصلا، ولذلك فالسير فيها شاق جدا ومحفوف بكثير من
المخاطر، وتتخللها الكثير من الحفر والنتوءات. لعل من بينها أن
يبقى الذي سلكها معزولا وغريبا ومهمشا. لا لشيء سوى أنه آثر أن
يبقى وفيا لحريته، وامتثل لمفهوم البحث العلمي الذي يقتضي
الموضوعية والتجرد حتى مع النفس، فما بالك بالآخرين. وآثر نظافة
اليد، مع الحاجة، على التملق والانتهازية، دفاعا عن استقلالية
البحث العلمي في مجال المسرح. وفضل أن يكون موجودا بذاته لا بغيره،
دون حجر أو وصاية؛ مع الاعتراف لذي الفضل بفضله، وان تحول هذا
الفضل إلى قمع. لكنه، مع ذلك، يجني فائدة عظيمة لا تقدر بثمن. هذه
الفائدة هي الكشف عن الحقيقة التي حجبتها الغشاوة التي سببتها
المباهج. والحقيقة يصونها التاريخ، وهي مطلوبة لذاتها؛ أما المباهج
والراحة فوقتيتان زائلتان. ولهذا السبب بالذات، تم اختيار الحقيقة
والتضحية بالخضوع والمباهج. يمكن القول بأنها رؤية مثالية في زمن
غير مثالي، ولكنها رؤية تؤدي إلى بحث يمكن وصفه بالعلمي. إن العلم
والحقيقة متلازمان، أما العلم والمصلحة الشخصية فمتخاصمان. ولا
يمكن الحديث عن "بحث علمي" إلا إذا تم فك الارتباط بين هذين
الأخيرين.
أخيرا، لا بد من التنصيص على أن الاختلاف في الرأي والتصور
والتحليل، لا يعني أبدا عندي عدم احترام الأشخاص. إن موضوع اشتغالي
ليس الأشخاص، وإنما اجتهاداتهم وإبداعاتهم المسرحية. وقد أشرت إلى
هذا في كتاب "الوجه والقناع في المسرح"، وأذكر به مرة أخرى هنا.
هذه الاجتهادات والإبداعات ليست متعالية على التحليل والمناقشة
والنقد، وكذلك اجتهاداتي. وبدلا من اختلاق خلفيات ونوايا قد تلصق
بهذه التوطئة عند باحثين ونقاد مسرح محددين، حين تعوزهم الحجج
النصية -رغم أنني شخصيا ضحية الخلفيات والتسرع والقمع الفكري حتى
قبل نشر كتاب "الوجه والقناع في المسرح"- ليكن الحوار المعتمد على
وسائل الإثبات والحجج، أي على النصوص المقنعة والمفحمة. لذلك أرجو
أن تتم الاستعاضة عن محاكمة النوايا بقراءة النصوص.
الفصل الأول
تــوطـئـة
من خطاب المصلحة إلى
خطاب العقل
لقد حرصت على التنصيص على أن الإطار المنهجي والمصطلحات المرتبطة
به، في عمومها، المعتمد في هذا الكتاب، مستوحى من كتاب ميشيل برونر.
ومرد هذا الحرص يعود إلى الأمانة العلمية أولا. وثانيا، هو أنني
لاحظت أن هناك مصطلحات مسرحية، وبالجملة أحيانا، تنقل من مصادر
غربية، وتقدم عنها تعاريف، وتوظف دون الإشارة إلى تلك المصادر.
وحينما تروج في الوسط الثقافي المغربي، يحدث لبس كبير ومغالطة
مقصودة. ينشأ عنهما وهم أكبر، وهو الاعتقاد بوجود "علم المسرح"
اليوم بالمغرب. هذا الوهم تغذيه وسائل صناعة الأسماء، التي ترسم
عنها (الأسماء) صورة وتكرسها، وتدافع عنها باستماتة، مادامت
المصلحة قائمة، لهدف غير ثقافي. بينما البحث الذي يمكن وصفه بكونه
علميا، هو ذلك الذي يسعى إلى أن يكون منهجيا، مع اعتماد صاحبه على
أدوات مضبوطة نظريا وموظفة بمعزل عن الذاتية، مع تحديد مصادرها، إن
كانت مأخوذة وليست موضوعة. يقبل صاحبه بمراجعة اجتهاده، كلما جد
جديد في ميدانه، بعيدا عن المصلحة الذاتية الضيقة والانفعال. ولا
يجد أي غضاضة في ذلك. بل بالعكس، يعتبر ذلك تعبيرا واضحا وصريحا عن
تمسك المراجع لاجتهاده، والقابل لانتقاد هذا الاجتهاد –الانتقاد
الثابت والمؤكد بالنصوص- بالروح العلمية.
على أنه إذا كانت لهذه الصناعة فائدة إعلامية وقتية ومحدودة، في
وقتنا الراهن، فإن الأمر ليس كذلك على المدى البعيد، على الصعيد
المعرفي؛ إذ لا بد للحقيقة أن تنكشف يوما ما. وإذا كنا لحد الآن
-وهذا على الصعيد العربي- لا ننتج المصطلحات المسرحية، الإنتاج
الناتج عن الأبحاث التطبيقية من لدن الباحثين والنقاد، وإنما
نستهلكها، فإنه قد تم الإيحاء أحيانا بكون الناقل لمصطلحات مسرحية
هو الذي أنتجها أي وضعها. والحال أننا لا ننتج المصطلحات المسرحية
لأننا لا ننتج العلم، علم المسرح. ونحن لا ننتجه لأننا لا نقرأ ولا
نحلل النصوص والعروض المسرحية قراءة وتحليلا يمكن نعتهما
بالعلميين، استنادا إلى قراءات وتحاليل منهجية داخلية غير إسقاطية
وغير اختزالية. ذلك أن ممارسة التحليل هي التي تؤدي إلى إنتاج
المصطلحات المسرحية. لهذا فإن السائد هو الأخذ وليس العطاء. وهذه
قضية لا تخص البحث والنقد المسرحيين المغربيين فقط. ذلك أن "جل
الممارسات النقدية الحديثة عند العرب سجينة الأخذ، محظورا عليها
العطاء"
لافتقارها إلى بعديـن : بعد نقدي وبعدي أصولي (ابيستمولوجي) حسب
عبد السلام المسدي.
ولأن الغربيين يقرؤون ويحللون مسرحهم فإنهم ينتجون العلم، علم
المسرح، الذي يتشكل، كسائر العلوم، من المصطلحات. بينما يقتصر
دورنا نحن، لحد الآن، على استخدام أدواته بعد أخذها منه. لذلك،
فإنه من السابق لأوانه أن نقول إن لدينا علما هو علم المسرح. وهل
ينشأ هذا العلم من الايديولوجيا والتعميم والذاتية والانتحال؟.
وحتى هذا الاستخدام يكون أحيانا بطريقة يجوز وصفها بكونه غير
سليمة، إذ قد تستعمل مصطلحات مسرحية في غير أماكنها المناسبة التي
من أجلها وضعت. وقد أشرت إلى هذا في مقدمة كتاب "الوجه والقناع في
المسرح"،
وقدمت أمثلة على سوء الاستخدام هذا. كما أن هناك من يلهث وراء
"موضة" ترديد مصطلحات بعينها، دون استيعاب نظري أحيانا، الأمر الذي
ينتج عنه سوء التطبيق أيضا. وقد حصل هذا فعلا لمصطلح أنثروبولوجيا
المسرح. هذا الفرق بين الإنتاج والاستهلاك، هو الذي دعاني إلى أن
أفرق في كتابي "المصطلح المسرحي عند العرب "بين المصطلح المسرحي
العربي والمصطلح المسرحي عند العرب. فقد قلت فيه : "إن عنوان هذا
البحث هو "المصطلح المسرحي عند العرب"، وليس المصطلح المسرحي
العربي. والفرق بينهما عند القارئ اللبيب واضح لا لبس فيه".
وعليه، فقد نقرأ -مثلا- أن المصطلح المسرحي كذا كما يعرفه فـلان
(المغربي) هو... الخ، فينخدع البعض، لا سيما الذين لم يتمكنوا من
الاطلاع على هذه المصطلحات في مظانها الأصلية، أو كما يوحي بذلك
السياق النصي اللغوي الذي استخدم فيه ذلك المصطلح. والأمانـة
العلمية تقتضي الإشـارة إلى هذه المظان. والواقع، أنه لم يعرف
شيئـا (بضم الياء وتشديد الراء وكسرهـا)، ولكنه ترجم دون إشـارة
إلى ذلك. فـي هذا الإطار، يمكن ذكر عدد من هذه المصطلحات المسرحية
التي ينطبق عليها ما سبقت الإشارة
إليه. وهذه عينة تمثيلية غير حصرية : الأشكال ما قبل مسرحية
-الفضاء النصي أو الدرامي -الفضاء الركحي- فضاء اللعب (عوض الفضاء
اللعبوي، الذي هو ترجمة حرفية لمصطلح
L’espace ludique)
- الفضاء الداخلي- الميتامسرح
Metathéâtre–
النصوص الصغيرة
Les
micros-textes-
النصوص التحتية
Les sous
textes-
المسرحة - الكتابة الجدولية – سوء التفاهم
Le quiproquo
- الشيكيصامبا الخ. إن هذا التقسيم الفضائي، على سبيل المثال، ليست
إنجازا مغربيا. وإذا كان يونس لوليدي قد أشار إلى المصدر الغربي
الذي عنه أخذ هذا التقسيم في كتابه "الميثولوجيا الإغريقية في
المسرح العربي المعاصر"،
وهو "معجم المسرح" لباتريس بافيس، فإن غيره لم يفعل ذلك. ذلك أن
حسن المنيعي استعمل هذه المصطلحات نفسها في كتابه "المسرح المغربي
(من التأسيس إلى صناعة الفرجة)"
دون إشارة إلى المصدر الذي أخذ منه هذه المصطلحات.
وحتى هذه الترجمة قد لا تفي بالقصد المطلوب دائما. ومثال ذلك ترجمة
مصطلح
Suspense
في النقد المسرحي المغربي تارة بالمماطلة وتارة بالتشويق. والناظر
في أمر هذه المماطلة وهذا التشويق، يلاحظ أن المماطلة قد تكون
مصحوبة بالألم والملل، بينما يقترن التشويق باللذة والمتعة. ويبدو
أن هذا هو المراد من المصطلح في وضعه.
في هذا المناخ، لا عجب إن صارت المقالات المترجمة المتضمنة في كتاب
صادر سنة
2003
هو "المسرح فن خالد"،
وقد بين فيه المترجم، حقيقة، أنه مترجم، وإن لم يكشف عن مصادر
الترجمة، وهو أمر غير مستساغ في البحث العلمي، لذلك كان من الضروري
الكشف عن هذه المصادر، أو على الأقل ذكر المانع من ذكرها- والغالب
على الظن أنها مصادر صحفية بسبب قصر تلك المقالات - "تأليفا"، وهذا
ما يوحي به أسلوب مقالة صحفية، و"اشتغالا" على قضايا، و"تدرجا" "من
الخوض في المفاهيم الأولية حول المسرح والدراماتورجية والجنس
الدرامي إلى الانتقال إلى ما هو أعمق ممثلا في البعد السيكولوجي
للظاهرة المسرحية كما تترجمها قضية خلود المسرح في ارتباطه بمفهوم
حرية الإنسان".
هذا، رغم أن المقالات الموجودة في الكتاب مقالات مترجمة، ورغم أن
المترجم أفصح فيه عن ذلك بنفسه.
وعليه، لا وجود، في مقالة حسن يوسفي المشار إليها، لفعل ترجم، أي
النقل من لغة إلى لغة أخرى؛ وبدل ذلك هناك أفعال "اشتغل" و"انتقل"
و"تدرج"، في سياقات لغوية تفيد التأليف وليس الترجمة. هذا الكتاب
المترجم، صار، عند هذا الأخير، جزء من "مشروع جماعي" (حسب ما كتب
)، تساوى فيه التأليف والترجمة والانتحال. فصار لمدلولات هذه
المفاهيم الثلاثة الأخيرة مدلول واحد !. لا فرق فيه بين الكتابة
الشخصية والمترجمة والمنحولة.
وفكرتا خلود المسرح وحرية الإنسان مأخوذتان من مقالة مترجمة هي :
"المسرح فن خالد" لبيير ايمي توشار. إلا أنهما نسبتا إلى المترجم
في مقالة حسن يوسفي. أضف إلى ذلك، أنه لا يصح استعمال مفهوم التدرج
هنا، والسبب في ذلك هو أن هذه المقالات لا تربطها وحدة الموضوع.
وإنما هي مقالات متفرقة حول مواضيع مختلفة مرتبطة بالمسرح. وقد
لاحظت أن ثلاث مقالات منها، تتعلق بالثقافة الإيطالية؛ فهل ك |