|
مقدمة :
في بداية هذا العمل أود أن
أضع موضوع البحث في إطاره العام، وفق أدوات إجرائية، نراها تناسب
التعاطي العلمي والتحليل المنطقي للأحداث والظواهر الفنية المرافقة
لها.
واختيار أي موضوع إنما يتوخى من ورائه التنوير العلمي وتحصيل المعرفة، بطرق
مفيدة ومستفيدة. وموضوع العراق وثقافته، ومن خلالها المسرح
العراقي، إنما يعبر عن إرادة واعية لمعرفة ثقافة شعب عاش ويعيش على
أرض دائمة الغليان لم تفتر يوما إلا لتجمع أنفاسها وتتألق من جديد.
هذا قدر شعوب تعاقبت وتوارثت ثقافة البناء و الإبداع. ولقد حاولت
التعامل مع الموضوع وفق منهجية، حاولت قدر الإمكان أن تنهل من
مختلف المناهج وطرائق التحليل العلمي، ومناهج التأمل في أمور الفن
والثقافة والتاريخ، كما جاء في الباب الأول و الثني الذين غلبت
عليهما سمة السرد الكرونولوجي لأهم الأحداث المؤثرة في التاريخ
العراقي وثقافته. كما حاولنا في الباب اللاحق الاستفادة من عدة
مناهج كالبنيوية التكوينية، وطرائق أخرى مختلفة تلامس النتاج الفني
والمسرحي على وجه التحديد .
والمسرح فن عصي على التعريف، فلا يمكن أن نجد تعريفا يمكننا
الاطمئنان إليه والقول بأنه يحيط بماهيته. لكن رغم ذلك نستطيع أن
نعطيه تعريفا بناءا على دراستنا واقترابنا منه. إنه خديم
الإنسانية، والقناة المعيرة عن أنين ومعاناة الناس، وهو المتنفس
الرحب لتفجير المكبوتات، وفضاء البوح بالقول والحركة والموسيقى
والإيماءات... ونقطة القوة في المسرح هي موسوعيته وشموليته، ففيه
يلتقي السرد والشعر والموسيقى والغناء، ومختلف الفنون الأخرى التي
تشكل مجتمعة التجربة الإنسانية في ميدان الفن والأدب. وعندما
كلفني أستاذي القدير الدكتور عبد الرحمان بن زيدان ببحث حول "
الرؤية الواقعية في المسرح العراقي الحديث : قاسم مطرود نموذجا"،
ترسخ في ذهني هذا المفهوم العميق للمسرح، وأيقنت بالملموس على أنه
فن إنساني بالدرجة الأولى، كما ساعدني هذا البحث كثيرا في الوقوف
على الكثير مما كان غائبا عن ذهني حول حضارة و مسرح العراق، وغير
ذلك من القضايا المتعلقة بهذا البلد العربي. ولما تناولت مسرحية "
للروح نوافذ أخرى" بالتحليل، لمست فيها ما يشدني إليها بقوة، لأنها
صرخة إنسانية عميقة ومؤثرة... ولن ندخل الآن في تفاصيل الأحداث
رغبة في خلق أفق توقع حول هذا العمل، والذي سنحاول من خلاله الوقوف
عند الرؤية الواقعية في المسرح العراقي الحديث، والجذير بالذكر أن
أي عمل لا ينجو من مشاكل تعترضه، ولعل أهم العوائق التي صادفتها
ندرة المراجع المهتمة بالموضوع ، وفقر مكتبتنا الجامعية من المراجع
الخاصة بالمسرح العراقي ولهذا اعتمدت بشكل رئيسي على ما أمدني به
الأستاذ المشرف الدكتور عبد الرحمان بن زيدان بالإضافة إلى
الاستعانة ببعض المواقع الالكترونية المهتمة بفن المسرح.
وقد عملت على صياغة هذا البحث وفق الخطاطة
التصميمية التالية :
الباب الأول والثاني، نظريان والثالث تطبيقي.
-
الباب الأول: مكون من فصلين، الأول يتحدث عن
حضارة العراق الضاربة في القدم، وكيف شكل هذا البلد على مر العصور
موطنا للعلم والثقافة والعمران...، أما الفصل الثاني فهو للحديث عن
ثقافة البعث في العراق الحديث.
-
أما الباب الثاني : وهو مقسم إلى ثلاثة فصول،
الأول تناولت فيه الحديث عن تاريخ المسرح العراقي، وكيف انتقل
المسرح في هذا البلد من مرحلة الطقوسية إلى المسرح في شكله الحديث.
أما الفصل الثاني فهو للحديث عن الإخراج في المسرح العراقي، و
الفصل الثالث فهو مخصص لمسرح المنفى في العراق، أي فئة الفنانين
المغتربين الذين خرجوا من العراق هربا من نار السلطة، ولمعارضتهم
لسياساتها.
-
الباب الثالث : يبدأ هذا الباب ببطاقة تعريف
قاسم مطرود، هذا الفنان العراقي الكبير المغترب في مدينة لاهاي، ثم
بعد ذلك سننتقل إلى تحليل إحدى روائعه المسرحية ونخص هنا بالذكر
مسرحية " للروح نوافذ أخرى"، ملتمسين الوقوف عند مظاهر الرؤية
الواقعية في هذا العمل المسرحي المكتوب بمداد دراما اللامعقول .
وقد خلصنا بعد نهاية هذا البحث إلى نتائج مهمة لا يسمح المجال
بذكرها كاملة في هذا التقديم ولكن ما نراه حقيقة أساسية تجب
الإشارة إليها، هي أن أرض العراق أرض ثقافة، وتاريخ عريق، غني
بالمنجزات على كل الأصعدة، وأن شعوبه مارست الفن المسرحي منذ
القدم، و راكمت إرثا ثقافيا مسرحيا وافرا.
والله ولي التوفق.
الباب الأول
الفصل الأول
العراق أرض التاريخ و الحضارة
في مستهل هذا العمل ، أود أن أشير إلى قاعدة عامة ،
لابد من إدراجها، وهي أن المنتوج التخيلي بشكل عام يشكل مكونا من
مكونات أية ثقافة، وأن الرمز والصورة والخيال هي السمات التي تبرز
تنوع وثراء هذه الثقافة وعمقها الحضاري.
والمسرح باعتباره جزء من الثقافة العالمية على مر عصور عديدة، فقد
اجتهدت كل الشعوب في توظيف مخزونها الرمزي من خلال الأدوات
المسرحية لتصور بعض من عناصر هويتها، خصوصياتها واختلافاتها
بواسطة الحركة والصوت وجميع التقنيات المتاحة من إثارة وموسيقى
... إلخ..
الحاصل إذن أن الباحث في الفن المسرحي - والمسرح عمل تركيبي - لا
يمكن أن يكون عمله إلا تركيبا أيضا، لهذا نكون في دراسته مضطرين
إلى مقاربة تسير وفق عدة مستويات، فدراسة المسرح يجب أن تتم " وفق
نظرة مركبة تراعي الكل والأجزاء ، الوحدة والتعدد، الإتلاف
والاختلاف، الظاهر والباطن، القريب والبعيد، إن كلمة مسرح وإن
كانت واحدة فهي تحمل في ذاتها مفاهيم مختلفة ومتعددة، إنها تعني
الفن بالأساس، كما تعني البناية والتخطيط والتنظير والنقد والجمهور
والتاريخ، إنها الأجزاء التي تصنع الكل والتعدد الذي يهدف إلى
الوحدة، والاختلاف الذي يؤدي في نهاية الأمر إلى الإتلاف" ().
والمتتبع للحقل الثقافي في العراق يقف على حقيقة تاريخية هامة، وهي
طابع غياب الاستقرار الذي طبع المنطقة منذ فجر التاريخ، والذي
كانت له أسبابه ونتائجه وتجلياته، فالتمركز الإنجليزي والبرتغالي
في المنطقة ولو اكتسى في البداية الطابع التجاري، قد بدأ مع بداية
القرن السابع عشر ، لكن سرعان ما تحول دوره إلى الميدان السياسي،
فساهم في مد الجسور لتسهيل الانتشار العسكري، وفرض الهيمنة على
جميع الأصعدة.
ومثل تاريخ العراق كمثل قطار يسير دون توقف يركبه البعض ويغادره
البعض، ومحطات الرحلة، أسماء شهيرة، بدءا من حمورابي
إلى صدام حسين، وسعينا من خلال هذه الورقة إلى الإجابة على أسئلة
محورية حول العراق وما راكمه المجتمع العراقي من إرث ثقافي جدير
بالاهتمام، فما هي أهم المميزات التي طبعت ثقافة هذا المجتمع
الضارب في عمق التاريخ؟وما
هي الجذور والامتدادات للثقافة العراقية ؟ و
هل فعلا كانت أرض العراق بؤرة دائمة الغليان على مر التاريخ مؤثرة
في محيطها ومتأثرة به؟ وكيف ساهم التدخل الإمبريالي في بلورة فكر
العراقيين ؟ وكيف تعاملوا معه ؟ وكيف تمت الاستفادة من الاستقلال
أيضا ؟
يشهد التاريخ لحمورابي بأنه ( الأمير التقي الذي يخشى الإله)،
والشجاع البطل حامي مدينة " لارسا" ، والحامي للبلاد الذي تمكن من
جمع شمل سكان مدينة " ايمن" المشردين والعادل الذي ساعد على إظهار
الحق وإنصاف المظلومين وقاد الشعب في الطريق السوي والمنصور
والمنتصر على المشاغبين، والمحبوب الذي أرسلته العناية الإلهية
لقيادة سكان البلاد في الطريق المستقيم وتحقيق العدالة والخير
لشعبه، فتم انتخابه الأمير اللامع والسيد الأشبه بالأب الحقيقي
لكل الشعب بناءا على تقدير خصائص وأبعاد نموذجية وعناصر استثنائية
في شخصيته... فهو الذي حمل الشعب في أحضانه، وخصهم بحمايته ورعايته
وحماهم بحكمته وسياسته، ووحدهم تحت رعايته وصد عنهم كيد العدو
شمالا وجنوبا بشجاعته وحنكته ().
من خلال هذا الكلام يمكننا استنتاج، أن الخلاصة القانونية
للعراقيين القدامى إنما تستند إلى مجموعة من الأفكار والمبادئ التي
استند إليها
قانون حمورابي، لما تمثله هذه المبادئ من تعبير
عن مرحلة متطورة في البناء الاجتماعي والاقتصادي العراقي القديم، "
وعلى الرغم من السياقات النظرية لبعض تلك المبادئ القانونية، إلا
أنها كانت تعبر دون شك عن الطموحات التي كانت تتفاعل في ضمير
المجتمع وفي عقل قائده حمورابي الذي كان يأمل مشاهدتها على أرض
الواقع من خلال تثبيتها في القانون" ().
هكذا مثلت هذه المبادئ الأسس القانونية التي يرتكز عليها جوهر
القانون وفلسفته وفكره ومبادئه. نخلص إذا إلى أن العراقيين راكموا
إرثا حضاريا وقانونيا هائلا، ذلك لكون بلاد ما بين النهرين مهدا
لأعرق الحضارات، كالسومريين والبابليين والأكاديين والآشوريين، هذه
الشعوب التي بلورت أول قواعد القانون منذ ما يزيد على أربع آلاف
سنة قبل ميلاد المسيح.
والظاهر أن الحاجة إلى القوانين وإلى الحرية والعدالة الاجتماعية و
إلى احترام حقوق الإنسان لا تبرز ضرورتها إلا في المجتمعات التي
تبلغ مرحلة مهمة في النمو الاجتماعي والسياسي، " وبعد أن عرف
العراقيون القدماء الكتابة ودونوا بواسطتها أخبارهم ومعاملاتهم
الاقتصادية والقضائية، استطعنا أن نتعرف على القوانين والإصلاحات
الاجتماعية التي أدرك العراقيون القدماء أهميتها وضرورتها في وقت
مبكر جدا، مما يعني أن العراقيين القدماء قاموا بالإصلاحات
الاجتماعية ، وعرفوا القوانين قبل غيرهم من شعوب العالم بآلاف
السنين" ().
واضح إذن العراقة التي تتميز بها المدينة العراقية، ولعل ما يؤكد
هذا قول تويمبي : " وقد خلق السومريون، عن طريق فتح الغرين في حوض
دجلة والفرات الأدنى، نوعا جديدا من المجتمع البشري : هو المدنيات
الإقليمية. ونحن نعزو هذا الإنجاز إلى السومريين ، لأن الكتابة
السومرية، وقد حلت رموزها، إنما تنقل إلينا لغة السومريين في ذلك
الدور من تطورها... والمدينة السومرية هي أقدم المدنيات الإقليمية
التي تملك وثائق تتعلق بها... وقد أظهر التنقيب الأثري الحديث
التطور التدريجي في ما يتعلق بناحيتين متميزتين من المدينة
السومرية : الكتابة والمعمار الديني ( أي المتعلق بالهيكل)" ().
ولعل طبيعة المنطقة الخصبة المعطاة كانت سببا رئيسا في تشبث
المجتمع بها، مما ساهم في التطور والدفع بعجلة الاختراعات في جميع
الميادين بدءا بتطوير أساليب الري والتحكم في المجال وضمان مردودية
أكثر.
والجدير بالذكر أن الآلهة عند السومريين باعتبارها جزءا من التراث
الحضاري المشترك لهذا المجتمع ككل، كان ينظر إليها بوصفها الممثلة
لقوى الطبيعة، وممثلة أيضا للدول.وإذا كان المجتمع العراقي قد عرف
الاجتماع والتمدن منذ القدم، فقد نتج عن هذا الاجتماع، أسباب
التفرقةوالحرب المبيدة ، " فمن الناحية السياسية، كان دور الآلهة
يدعو إلى التفرقة ، ولم يعد دورها موحدا، وهذا الدور الجديد، الذي
اتخذته الآلهة في الوقت الذي تبينه أقدم المدونات السومرية، التي
بين أيدينا كان نذير سوء بالنسبة لمستقبل المدينة السومرية،
فالثمار التي جناها الإنسان من انتصار المجتمع البشري على الطبيعة
قد تذهب هدرا، فيما لو أنه استعمل قوته العظيمة المشتركة لا في
سبيل السيطرة على الطبيعة غير البشرية واستغلالها فحسب، بل في سبيل
الحــرب المبيدة بين قــوى بشرية محلية جيدة التنظيـم قـوية
العدة "()،
من هنا تبدو القيمة التي للعامل الاقتصادي وتحكمه في الديني، فكـل
مجموعة اقتصادية لها إلهها، الذي يدافع عن مصالحها ويرعاها، ويأمر
بالدفاع عنها ومحاربة الفرق الأخرى.
وإذا عدنا إلى ملامح التراث الفكري العربي في بغداد ، فإنه يمتد "
من النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي، منذ نشوء مدينة المنصور
المدورة 722م، واستمر متدفقا متطورا صاعدا حتى منتصف القرن الثالث
عشر الميلادي، عندما سقطت بغداد بيد الغزاة التتر بقيادة هولاكو
1258 م" ().
والجدير بالذكر أن التراث الفكري العربي في بغداد، إنما تظافرت في
تكوينه عدة عوامل أهمها كونه وليد جهود مشتركة لمواطني دولة بني
العباس على اختلاف أعرافهم وأديانهم، من العرب وغير العرب من
المسلمين، و " المسيحيين الممثلين بأسرتي حنين ويختشوع والصائبة،
لا سيما الطبيب المشهور ثابث بن قرة ( 836 م-901م) ، والطبيب
والرياضي إبراهيم الصابي (925-994م)، وهوغير هلال الصابي
(969-1056) الأديب اللغوي والشاعر والمؤرخ" ().
ومن المعلوم أن المجتمع العباسي قد عرف بالتفتح على الثقافات وعلى
المجتمعات الأخرى، فاستفاد من ثقافتها التقدمية وعلومها ، فحقق
تطورا كبيرا على كل الأصعدة، الفكرية والثقافية العلمية
والاجتماعية. وقد لعب المجتمع العربي آنذاك دورا هاما في نقل
التراث الفكري اليوناني، عن طريق الترجمة إلى اللغة العربية التي
كان لها دور هام على المستوى العالمي إلى جانب اللغات اللاتينية
واليونانية. فبغداد عرفت عبر التاريخ بأنها مدينة مذهلة فتعايش من
داخلها مزيج غريب من الثقافات والأعراق، وروي عن الخليفة العباسي
المأمون أنه أمر بجمع كل المخطوطات المترجمة في جميع أنحاء البلاد،
وهو الذي أنشأ "بيت الحكمة" الذي كان من أوائل الدور الأدبية
الضخمة في تاريخ البشرية، وقد جمع في بيت الحكمة
جما
كبير من المترجمين الذين عملوا على ترجمة كل المعارف الفلسفية
والعلمية والتقنية...، وإلى جانب اهتمامه بالأدب والفن، أنشأ
المأمون مرصدا فلكيا للاهتمام بعلوم الفلك. وعن طريق الترجمة أعاد
علماء بغداد الحياة للفلسفة الإغريقية في وقت كانت أوربا ترقد في
سبات عميق على جميع الأصعدة . فالفضل يعود للعباسيين في إعادة بعث
هذه الثقافة الإنسانية.
وقد أصبح بيت الحكمة في بغداد سابقة في تاريخ المجتمعات العربية
والإنسانية، وهو بيت أنشأه الحكماء للحكماء، واستطاع سلاطين بغداد
الموازنة بين الدين والواقع العام الذي أفرزته ظروف الانفتاح التي
عرفه العصر العباسي. كما نشير إلى التنافس العلمي الكبير الذي
قائما بين حاضرتي البصرة والكوفة في تعليم اللغة العربية وتطويرها،
" وقد لعبت اللغة العربية دورا ثقافيا تقدميا هاما آخر بالنسبة
للثقافة العالمية آنذاك,
فقد أعادت إلى الغرب التراث الفكري اليوناني القديم : أصوله
المترجمة إلى اللغة العربية مع الحواشي والتعليقات والإضافات،
ولولا اللغة العربية والفكر العربي النير لانطمست معالم التراث
اليوناني واندثر باندثار الإمبراطورية الرومانية "
هكذا تم إنقاذ الفكر اليوناني من الإتلاف بعد اندثار الإمبراطورية
الرومانية على يد القبائل البربرية الغازية التي خربت كل المنجزات
الثقافية مثلما فعل التتر ببغداد.
ويجمع الدارسون على أن نطاق الفكر العربي عرف اتساعا وتشعبا، وشملت
ميادينه جميع أوجه تمظهرات النشاط الفكري السائد آنذاك، فشمل
الفلسفة والطب والفلك والعلوم الدينية واللغوية، والرياضيات
والفيزياء والكيمياء، والتاريخ والجغرافيا وعلم النفس إلى غير ذلك
من العلوم والفنون، واتصاف أصحابها بغزارة العطاء والحنكة
والتبصر. ورواد الفكر العربي العلمي التقدمي آنذاك تتعذر الإحاطة
بهم نذكر منهم على سبيل المثال الأسماء اللامعة " الرازي 864-932م،
وابن سينا 980-1037م، والفارابي وابن رشد والكندي وابن باجة وابن
طفيل والبيروني وجابر بن حيان والخوارزمي، وابن الهيثم والشريف
الإدريسي ... وغيرهم كثير " ().
والملاحظ أن العلماء العرب في هذا العصر ، قد اهتموا بإقران هذا
الزخم من العلم النظري بالجانب التطبيقي العلمي ، فأصبح بذلك أداة
فعالة لحل المشاكل العالقة والقضايا الاجتماعية الملحة، في
الزراعة والصناعة والري والتجارة والطب...
والحقيقة أن دور المرأة العراقية أيضا كان بارزا ونذكر بالخصوص
مشاركتها خلال العصر العباسي في كل مناحي الحياة ومشاغلها، كما كان
لهن رأي في السياسة وتسيير شؤون البلاد والعباد، فقد شغلت المناصب
إلى جانب الرجال وشاركن في الأعمال الضخمة ،" وبذلك يقول الذهبي في
سنة 306 هـ وقبلها، أمرت أم المقتدر في أمور الأمة ونهت لركاكة
ابنها... وينقل عن صهيرة الخليفة المقتدى تركان خاتون.. أنها شاركت
في الملك زوجها ملك شاه السلجوقي واتخذت المستشارين والوزراء، كما
عرفت ست نسيم البغدادية بأنها شاركت الخليفة الناصر في تسيير أمور
الخلافة بعد عجز هذا الأخير عن النظر في القصص والانهاءات لضعف
بصره وذاكرته، وكانت تقلد خطه في كتابة الأجوبة والرقاع بما تراه"
().
ما تجدر الإشارة إليه إذن، هو أن الشعب العراقي نساء ورجالا كان
دائما شعبا خلاقا، تواقا إلى الحرية وبناء المصير، الذي ظل دائما
محط بناء وهدم ثم بناء من جديد لقوة هذه الأمة وقدرتها على معرفة
ما يجهله خصومها والطامعين في استغلال خيراتها، من الغزاة
والمستعمرين. كما لعبت المرأة العراقية دورا مهما في التاريخ
العراقي العباسي تحديدا مؤكدة قدراتها الإيجابية " من خلال المواقف
التي كشفت بجلاء عن أصالة رأيها وقوة إرادتها وحنكتها في مواجهة
الأحداث المعاصرة لها بالرغم من تكاثر الجواري وشيوع التسري في
المجتمع. حيث جعلت من نفسها ندا ومنافسا للرجل في اختصاصاته التي
كان ينفرد بها دوما كتوجيه السياسة العامة للدولة كما شاركن في
الأمور الكبار حاكمات" ().
ومن المعروف أن العراق، مثله مثل باقي الشعوب المستضعفة الثالثية
التي خضعت لنير الاستعمار، فقد كانت المنطقة من نصيب انجلترا التي
سادت ، ونفذت جميع مخططاتها الاستعمارية، وكانت تنصب الحكومات وحتى
الملوك ، ونذكر على سبيل المثال تولية الملك فيصل بن الملك الحسين
عرش العراق بعد أن أطاحت به القوات الفرنسية بسوريا، " وكان الملك
فيصل بن الملك الحسين الذي نادى به المؤتمر السوري ملكا على سورية
في 8 آذار 1920 قد فقد عرشه في دمشق في 25 تموز 1920، واضطرته قوات
الجنرال غورو الفرنسية على الجلاء عن الأراضي المشمولة بالانتداب
الفرنسي، وإذا بالحكومة البريطانية تستدعيه إلى لندن وتعرض عليه
عرش العراق، إذا ما وافق على تنفيذ صك الانتداب الذي فرضه مجلس
الحلفاء الأعلى المشار إليه أعلاه، فلم ير فيصل مناصا من قبول هذا
العرض، غير أنه استغل أحكام الانتداب الذي فرضه، وخشي أن يلقى في
العراق ما لقيه في سورية " ().
وهكذا وقد رحب العراقيون بالملك فيصل، وقبلوه ملكا عليهم لعدة
اعتبارات، لعل أبرزها انتماؤه لبيت النبوة، وكونه من المناضلين
البارزين ضد النير العثماني بالإضافة إلى خوضه الحرب ضد فرنسا
لتحرير سورية، كما تجدر الإشارة إلى حنكته وتمرسه السياسي بفعل
مشاركته في المؤتمرات الدولية والمفاوضات، كل هذه العوامل مجتمعة
أكسبته ثقة أهل العراق، إلا أن وضعيته لم تكن أكثر أمنا وسلاما
بحكم ضغوط المستعمر، ومتطلبات المواطنين من أمن ورفاه، مما أجج
لهيب الثورة التي كبدت المستعمر
خسائر هامة لم تكن بحسبانه ، "ولما شعر المحتلون أن الشعب العراقي
لا يمكن أن يخضع لحكم أجنبي أو يرضخ لاحتلال دائم بغيض، وأن الثورة
العراقية الكبرى التي اندلع لهيبها في الثلاثين من حزيران كبدهم
خسائر جسيمة في الأموال وفي الأنفس للتخلص من حكمهم المباشر
وانتدابهم البغيض، عمدوا إلى استمالة بعض زعماء القبائل، وصاروا
يتوددون إليهم بمنحهم الأراضي الأميرية الشاسعة، والتصدق عليهم
بالامتيازات المغرية، وإعفائهم من بعض الضرائب... وتمكينهم من
التحكم في الناس ومحاكمة أفرادهم من قبلهم "().
ونظرا لثراء هذا التراث العراقي، فقد لقي عناية من العرب و غير
العرب نظرا لعوامل عديدة ،"فقد بدأ الغربيون دراسة التراث الفكري
العربي منذ نهاية القرن السادس عشر و كانت مراكزه الكبرى آنذاك
روما و باريس"().
الظاهر إذن أن الأوربيين اعتنوا بالتراث العربي لعوامل عديدة قدمها
الدكتور نوري جعفر على النحو التالي :
1-
نشوء الروابط الاقتصادية التجارية والعلاقات الدبلوماسية و البعثات
التبشيرية بعد الحروب الصليبية.
2-
اتساع نطاق المراكز الغربية المعنية بدراسة تراثنا الفكري و تعددها
منذ القرن التاسع عشر وخاصة بعد فتح قناة السويس 1869 و اكتشاف
منابع النفط في شمال العراق.
3-
التنافس الشديد بين الدول الامبريالية و بخاصة بريطانيا و ألمانيا
ومد سكة حديد برلين بغداد.
4-
اتساع ذلك النطاق منذ مطلع هذا القرن الذي دخلت فيه الامبريالية
الأمريكية و اندست عن طريقها العناصر الصهيونية().
5-
الفصل الثاني
أدب¡ |