|
(Ameer_A_H@hotmail.com
المسرح فارغ .. بعض الستائر في عمق المكان .. بعض الأقنعة إلا
أنها بعيدة في الظلام
في أحد طرفي مقدمة المسرح علق معطف داكن اللون ... مهترئ
أنا معطف ... نعم
لست سوى ما ترون
علقني أحدهم واختفى
في دهاليز هذا المكان
منذ ذلك اليوم وأنا أتلفت حولي وأسأل
ما هذا؟ ثم أدير وجهي إلى جهة أخرى وأسأل من هذا ؟ وإذا كنت أعرفه
... فكيف عرفته
؟
المهم أنني ارتحت من عذاب بيعي كالرقيق
فحين تكون سلعة ثمينة في
سوق ا لبيع ... بيع كل شيء
تخسر طمأنينتك
وهذا ما جعل رحلاتي
المتواصلة ... لا تنتمي إلى بعضها
فمرة أكون تحت الأضواء
المبهرة
ومرة في الأماكن المظلمة
... تماما كالــــ ..
إن من مصاعب الأمور أن
تحشر رغما عنك بين الملابس القديمة ... وتنتقل تحت كتل رهيبة من
تلك الملابس التي عصفت بها الأحداث من قارة إلى أخرى ... ومن بلد
إلى آخر
ومن قرية إلى قرية
ومن جسد ناعم ... تحتضنه
إلى جسد مليء بالقمل ...
تجبر عليه
ومن مكان مليء بالعطر
الباريسي
إلى آخر مليء بالعفونة
وها أنا ... كما في كل
المرات
لست سوى معطف .. شرب
الأيام ( بل كرعها... كرعا )
( يستعرض وجوده )
كانت ( أرداني ) سليمة
كانت مكممة ... منسابة..
كأنها جليد
أما الآن فلم تعد كذلك ..
لقد غدا وجودي كله فكرة غريبة يخطها مجنون فوق جدار،لا أحد يمكنه
معرفة طلاسمها.
حين أبصرت النور
بعد أن كسروا القيود
وقطعوا الحبال ...علقت من رقبتي ، يبدو أنها الحقيقة الوحيدة
الثابتة .. وماعداها مجرد وهم.
عرضت في مكان بلون
الفضة.. بين الزجاج الملون وأخذ المارة العابرون يتوقفون تباعا
وينظرون إلي و بعضهم يطلق الحسرات .. كنت أسمعهم . لم ينتبه أحد
منهم أنني كنت حينها معلقا من رقبتي ، و في الواجهة الزجاجية
المقابلة أثواب كأنها مراع ...أو حدائق عامة في أعياد ..ملونة
بكل ما في الدنيا من زينة .. وكانت معلقة بطريقة حضارية .. كما
يقال .. بل أكثر من ذلك .... كنت أنظر إليها وأتحسر..
أيعقل أن أعلق الى جوارها
ذات يوم وأنا المعطف الخشن ...أن أقترب وأنظم إليها وربما بحكم
الصدفة ألامسها ... بحكم الصدفة ليس إلا
كان شغلي الشاغل ....
النظر إلى تلك الأثواب المعلقة وهي تتغير تباعا وبسرعة
كانت كلها ثيابا فتية ...
ولدت توا.. وطرزتها الفتيات بأشكال وألوان تسحر العين
ومع ذلك فالغريب في الأمر
أن العديد من الناس كانوا يتركون تلك الفساتين الناعمة ويتجمعون
أمامي ... كثيرون ... كثيرون
( يصرخ ) لست سوى معطف
معلق من رقبتي
أيذكركم وضعي هذا بأمر
ما.. أم تراكم تستمتعون لمشاهدتي على هذا الحال ( صوت
رعد )
يبدو أن السماء ستمطر .
وبالفعل
نزل المطر
، فهرب الجميع من أمام الزجاج .
( زجاج المعرض) وبقيت
معلقا ، وحيدا ، أتمتع بالنظر إلى الشارع.. حيث تتجمع حبات
المطر .. تتحد .. تصبح برك ماء .. ثم تقترب وتتزاوج وتنصهر
ببعضها لتغدو بركا اكبر .. ثم تنمو بفعل تزايد انهمار المطر ..
وتتسع ، ويصير لها عمق بحيرة صغيرة فتية .. يعبرها البعض بخوف ..
ثم ما تلبث أن تحتل الشارع .... يا إلهي ... المياه تحتل الشارع
... المياه تحتل الأمكنة ، المطر مستمر .. والمياه تعلو ...
تعلو .. تندفع عبر الشوارع والأزقة إلى داخل البيوت .. فيهرب
السكان .. ثم تدور في المدن
وتدخل المحلات .. وأنا
معلق وحدي من رقبتي خلف زجاج ملون
وفجأة يفتح صاحب المحل
الذي رأيته من قبل ينقذ ( كل الأشياء الجميلة التي كانت معلقة )
وهاهو أخيرا جاء لنجدتي .. فتح الزجاج وحرر رقبتي .. وقبل أن
يدسني في صندوق قال لرجل آخر ... مبروك المعطف لك ، فأظلمت الدنيا
واختفيت هناك .. في داخل
الصندوق الصغير .
هل مرّ أحدكم بتجربة نوم
أرغم عليها ؟!
لا خيار له فيها غير
الصبر ....
نعم لا خيار لك .. كمثل
رجل مكبل يساق إلى الإعدام
أو كمثل ثور أثخن جسده
بالجراح بعد أن نبتت السهام في رقبته كسيقان أشجار ميتة ..
وأحاط به الجزارون ، فأدرك أن لا جدوى من المحاولة .. استسلم ..
تمدد دون اكتراث ... لا خيار ...لا خيار ... لا خيار لك سوى أن
تسلم نفسك تماما للظلمة .
هكذا بقيت إلى أن فتح
الصندوق .. ثم أخرجت من كيس الموت الشفاف
وسرعان ما علقت من رقبتي
أيضا .. لكن هذه المرة في صالة جميلة . حيث راح من اشتراني يستعرض
امتيازاتي ومتانتي أمام الحاضرين .. ورغم أنني أسود أو مائل إلى
السواد لكن الآخرين كانوا يطلقون صيحات الإعجاب.. خاصة بعض تلك
الكائنات الجميلة التي ارتدت الأثواب الملونة .
رحت أنظر لمالكي ..
وهو يستعرض أمام الجميع
قدرته على امتلاك الأشياء الثمينة ، ومن مجمل ما استعرضه أمامهم
وهم يبدون إعجابهم .. مطلقين تلك الأصوات العجيبة ( أو .. لا ..
واو ... ياي .. هاي ,.. ( يضحك ) يالها من أصوات .. ثم يفتحون
أعينهم ويطلقون الضحكات المنفعلة ... كنت أنا آخر ما أشار إليه
مالكي .. إذ حملني واستدار بحركة استعراضية رشيقة قبل أن أستقر فوق
كتفيه .. على إيقاع تلك الأصوات .. وحين قطع الخيوط التي كانت
تغلق مداخل الكهوف الصغيرة في جسدي ، شعرت أنني قد فقدت أمرا لا
خيار لي به ، بحكم القسوة والامتلاك والاستعباد رضيت أن أنتقل
إلى مرحلة أخرى من حياتي .
فتح مالكي باب البيت
وخرج إلى الهواء البارد ، ثم شدني بقسوة إلى أضلاعه
ومنذ ذلك النهار غدونا
متلاصقين .
أذهب معه في الرحلات
المختلفة ، وأدخل الأماكن التي لا يصلها أحد . وأقولها صراحة ..
كان يتعامل معي بمنتهى الرأفة والاعتزاز
كان يغرقني بعطور ذات
رائحة مميزة
وحين يضعني بين كفي عامل
مطعم أو عاملة كان يوصيه برعايتي بإشارة واضحة فيحملني العامل
المسكين بمنتهى الحذر
ويضعني في أماكن كنت أرى
من خلالها ما يحدث
انتظروا .. مرة .. علقتني
عاملة مطعم ثم رأيتها تتلفت من حوله ، وما أن جلس مالكي بعيدا ..
و أدار ظهره إلي .. حتى أسرعت ودست يدها في جيبي الكبير ثم في
الجيب الآخر . كانت تبحث عن شيء ما ، وكنت أشعر بطراوة أصابعها..
وحين لم تجد شيئا، أسرعت لتبتعد، كنت أتمنى أنها وجدت ما يجعلها
تبقي يدها الناعمة في كهف الجيب
تعالي يا عزيزتي .....
تعالي ...... لا تبتعدي .... لقد أدار ظهره .... تعالي ولا تكتفي
بالجيوب الكبيرة فهناك جيب قرب القلب ... قرب القلب ... مدي يدك
فيه ستجدين ما يعادل مرتبك الشهري بل ما يعادل راتبك لعدة أشهر
وأكثر .... هيا .... يا صاحبة الأنامل الجميلة ...
لكنها ابتعدت خائفة .
يقال:ـ أن المعطف الأسود
يثير الرهبة والخوف ...
هذا التعليق سمعته من
أحد العمال وهو يخبر صاحبه ويشير نحوي ... إلا أن المعاطف
بأصحابها ، هذا ما تعلمته في الرحلة العجيبة التي كنت أتأملها
أنتظر خروج صاحبي كحارسه
الشخصي .
ولا أدري كيف غفوت وحلمت
أحلاما جميلة ..... لقد حلمت بأصابع العاملة تمتد في جيوبي واحد
بعد الآخر .... واستمر ذلك الحلم ولم أصح إلا على حركة المالك وهو
يسحبني على غير عادته .... بشدة مبالغ بها .. حتى أنني ارتطمت
بالجدار
ثم أمسك بي أحدهم ووضعني
على أضلاع صاحبي الذي كان يصرخ
متوعدا
إياهم بإغلاق المكان دون أن أعرف السبب ... ثم اندفع إلى الشارع
وهو يشتم ويتوعد ،
محاطا كالعادة بأتباعه
وفجأة توقف وسط
الشارع.... ظل صامتا وهم يحدقون به ببلادة.. منتظرين إشارة منه
لإحالة المكان إلى خراب.
لكنه قال : الجو خانق
...
ثم رفعني من على كتفه
ورمى بي على الأرض
صعد السيارة ومضى .
لم أبق غير دقائق على ذلك
الرصيف لأن أحدهم انتشلني ، كورني كصرة قديمة لعجوز معمرة ،
ودسني في صندوق السيارة الخلفي ، حيث الرائحة الكريهة ،
لم أتبين المكان حتى
النهار التالي . إذ تسرب إلي الضوء ... ما زلت أشعر برطوبة تلك
الليلة قبل أن تمتد يد لتعيدني إلى وضعي الطبيعي .. بعدها قدمت
مرة ثانية إلى المالك
ــ رميته يا سيدي ليلة
أمس على الرصيف
لم يسرع السيد لالتقاطي
كما يفعل كل مرة، بل أشاح عني وقال :
ــ الجو تغير بالفعل ، لم
يعد كما كان ، لم أعد أريده .
ثم غادر وحده.
هنا أدركت أن أمثاله لا يمكن أن يرتبطوا بعلاقات دائمة مع ما
يمتلكون ... بل يرمون بما ملكوا دون أن يشكل ــ على مر الزمن ــ
جزءا من حياتهم .
كنت أنتظر على الأقل أن يأمر بوضعي في خزانته المعطرة النظيفة
التي اعتدت النوم فيها ،الا أن ذلك لم يحدث .
حُمِلت من رقبتي من جديد ، فتشوا جيوبي بدقة ثم سرعان ما
رُمِيت في دوامة عجيبة ... وأخذوا يرمون فوق جسدي( المساحيق )
ويصبون الماء الساخن... الرحمة ... الرحمة
إلا أن الآلة القاسية
المهولة ظلت تدور .. ففقدت توازني وأغمضت عيني.. وأسلمت جسدي إلى
التعذيب .. وانتهى كل شيء بالنسبة لي .
( صمت )
أطفأت الحياة مصباح نورها
الأزلي .. لم يعد هنالك شيء فقد غبت عن الوعي داخل تلك الآلة
العجيبة و لم أصح إلا بعد أيام حيث كنت معلقا من أسفلي على حبل ،
ساعتها رأيت كل شيء بالمقلوب .
الطيور التي تحلق في
السماء بدت لي كأنها تزحف بعد أن غدت السماء هي القاع .
رأيت كل شيء على غير
حقيقته... ولم أنج من ذلك الوضع الغريب
حتى أنزلني أحدهم.. ثم
مددني على آلة أخرى وراح يلسعني بحرارة عجيبة
لقد خسرت هناك أشياء
كثيرة من ترفي .. وسرعان ما علقت من جديد . من رقبتي مع العديد من
الملابس .. صرنا ندور على سكة صغيرة ... يستعرضنا عامل فقد إحدى
عينيه ... العجلة تدفع بنا و تلتقطنا يد العامل بخفة لتضعنا وسط
أكياس شفافة كالتابوت .
جاء دوري .... فأغمضت
عيني وتذكرت الملابس الجميلة المشجرة التي كانت معلقة في المحل
. وتلك كانت آخر صورة في ذاكرتي .. ولا أدري كم مر من الزمن بعد
ذلك حتى أخرجني أحدهم من حقيبة سوداء ووضعني أمام رجل لم يتجاوز
الخمسين من العمر ... يجلس وحيدا في غرفة فارغة... سمعت أحدهم يقول
للرجل:
ـ هذه هي الهدية يا سيدي
نظر الرجل الذي سيكون
مالكي الجديد بطرف عينيه ثم أشار لمن يحملني كي يعلقني في الزاوية
.... فعلقت ... وانسحب بعد أن أمره المالك الجديد
ــ جئتني بالرقم سبعة
وعشرين .
ظل يمتص سيجارته ..
مالئا المكان بالدخان .
حاولت بذكائي الذي لا أ
شك فيه .... أن أرسم صورة للرقم سبعة وعشرين ... فقلت ربما هو معطف
آخر .
أيمكن أن يكون معطفا
صغيرا ؟ أم أن المقصود رقم العلبة؟ أم طول المعطف؟ أم رقم
الهدية ؟ ... وإذا كان هو سبعة وعشرين ... فهل أنا رقم ستة
وعشرين ... لقد حيرني هذا الأمر ... إلا أن حيرتي لم تدم طويلا
...إذ سرعان ما فتح الباب ودفع برجل تجاوز الستين من العمر إلى
داخل الغرفة.. كان معصوب العنين لا يدري إن كان هنالك من يشاركه
الغرفة أم لا ؟ .. تحرك صاحب السيجار واقترب منه وبدلا من أن
يكلمه كما توقعت.. ضربه فجأة .. بل انقض عليه يريد افتراسه .
يا الهي .... أين أنا ؟
.... أين أنا ؟
كان الرجل المسكين يصيح
من الألم .
أنا أرتعش في مكاني ....
و هو ينقض على الرجل الذي تمدد على الأرض بعد أن أوسعه ضربا ..
ثم سحبه أخيرا وأوقفه .... أسرع يفتح الباب ليدعي أن الرجل الذي
ضربه قد خرج من الغرفة . ثم فتح الباب عائدا وهو يصرخ : ـ قلنا لكم
لا تضربوه ... لا أسمح لأحد منكم أن يضرب الرقم سبعة وعشرين ...
ألا ترون أنه رجل كبير .. ألا تحترمونه كونه أستاذ في الجامعة .
أسرع بنفسه يرفع العصابة
عن عيني الأستاذ الذي تلطخت ثيابه بدمه .
جلس أمامه ، وأشار إليه
أن يجلس ... فجلس . قال له:
ما كان عليهم أن يضربوك
بقي الأستاذ صامتا
أخذت أردد مع نفسي أن
مالكي الجديد كاذب .. يمتهن تعذيب الناس . ثم اكتشفت فيما بعد ما
هو أتعس من ذلك وأشد قسوة ..... فهو قاتل وينتهك أعراضهم .. بل
أكثر من ذلك .... اكثر من ذلك .
( يصمت )
الأيام التي لا نحبها نمر
بها مرور الكرام كما يقال
ولهذا ... لا أريد أن
أذكر لكم أيام الغربة التي عشتها.
الغربة، و الغرابة ، وكل
ما هو غريب
أيعرف أحدكم حقا.. كيف
يمكن أن تكون مغتربا وأنت تحيا الحياة نفسها التي لا غرابة فيها؟..
أنا أقول لكم :
حين تكون معطفا على حبل ،
وحين تجبر على الأشخاص والأماكن ،حين يسيطر الاغتراب على روحك
تصاب بشتى الأمراض . وقد أصبت بذلك
وارتفعت درجة حرارتي
أؤدت أن أصرخ .. لولا
أنني بلا فم . فأنا مجرد معطف.
معطف معلق من رقبتي
ومع ذلك فقد استخدمني
مالكي الجديد بعد مدة قصيرة بخنق رجل آخر داخل سيارة صغيرة ،
حيث أمسكوا بالرجل لكنه ظل يصرخ.... عندها حملني المالك ووضعني
على فم الرجل وراح يضغط بكل قوته وأنا أصرخ بلا فم .
والمسكين يصرخ بفم مكمم
ومالكي يصيح بأعلى
صوته:ــ نحن على أبواب جهنم وأنتم تطالبون بحياة أفضل .. فخذ
إذن خذ ... هذه هي ... هذا ما أردت .... وعاد يضغط على أضلاعي ...
حتى إنطويت وأغلقت على المسكين منافذ الحياة ..... فشعرت به يموت
تدريجيا وببطء شديد تحت ضغط أيديهم الهائل ، ثم سكن أخيرا ( صمت
) .
رفعوا أيديهم عني
فتحوا باب السيارة ورموا
بالرجل على الطريق... وأنا معه .
فتدحرجت بعيدا عن الجثة
التي تجمع حولها الناس ... وبعد خوف وحذر ... حملوها واختفوا ...
أما أنا فقد بقيت على الرصيف..
تسيل من تحتي مياه
المجاري الآسنة ،
ما هذه الرائحة ....
أيعقل أن تكون رائحة المدن بهذه الدرجة من الـ ( يعجز )
فجأة سحبتني يد من أحد
أكمامي .
راح الذي سحبني يترنح وسط
الشارع الآسن
وأنا أنظف خلفه تلك
المياه وأمتصها
حتى وصل إلى زاوية لا
يوجد في الأرض أقذر منها ،
جلس هناك
،
جلس وسحبني ...سحبني إليه
بهدوء... ثم طوح بي في الهواء ورمى بي على كتفيه
فنزلت بعد أن طرت بلا
أجنحة
ليتني مت قبل أن أحط على
كتفيه
فساعة تقترب منه ....
تشعر أن هذا الرجل هو النموذج الأمثل لكل القذارات
راح يشدني حوله بقوة ...
وأنا أختنق من رائحته
لقد كانت الرائحة التي
حدثتكم عنها في الشارع مثل عطر زكي إذا ما قورنت برائحته
رمى بي على الأرض . في
تلك الزاوية القذرة ثم تمدد فوقي
لقد حولني إلى فراش ...
ابن الـ .. بعد أن نسي أنني معطف ... الوسخ
الوسخ !! بل نموذج
الوساخة !! بل أكثر
لو كان هنالك ثقب في
الأرض كلها .. للرائحة الكريهة ... فمن المؤكد أنه داخل جسد ذلك
الرجل ... القذر ... ابن الـ ... القذر... سرعان ما أخذ يشخر ..
زفيره كالقيء
لعابه يسيل طوال الليل ،
ولم يصح ،إلى أن طلع النهار .
لم أنم تلك الليلة ولا
بعدها .. ولا بعدها
ليت خياطا يقطع أوصالي
بمقصه
وليت نساجا يأخذ ما تبقى
مني
فقد كرهت الهواء بسبب
رائحة ذلك الرجل وقذاراته ... ابن الـ .....
.
نهض مثل الكلب على أربع
وبقى هكذا .. عاجزا عن
رفع جسده ... وأنا أرتجف خوفا من أن يسقط من جديد لينام .
وحين يكون الليل نوما
والنهار
نوما
والقذارة
صفة
يفقد كل شيء معناه .
ارتفع أخيرا .. نهض
مبتسما لنفسه .. وصفق وقال : لقد نجحت ونهضت أخيرا .
الغبي ... فرح لأنه
استطاع أن ينهض .
أما أنا فقد بقيت ممددا
على الشارع
انحنى وكاد أن يسقط من
جديد ، وهو يردد لنفسه ... لا تسقط ... لا تسقط ... ثم سحبني وعاد
يقف ، سار وهو يسحبني وسط قاذورات الطريق .
ثم وضعني في الزاوية ..
تقدم رجل وأخذ يتطلع إلي وهو منهمك بمساومته حتى أخذ من الرجل
كيسا ... أظنه كان طعاما ... ثم استدار مبتعدا وهو يردد ....
خذه ... هذا معطف لا
يستحق أن أضعه على جسدي بعد أن وصلني هدية .
هدية !! ابن الـ ... أنا
من لا يستحقك يا قذر!؟ هدية ؟! من ذا الذي يعطيك هدية ... وإن
حصل فلا بد أن تكون صفيحة قاذورات .
إبتعد مسرعا
وقبل أن استدير للآخر
... أمسك بي وزجّني في كيس وحملني فوق ظهره .
كان الكيس ممزقا ... مما
سمح لي أن أرى ماحولي ..
فرأيت ثوبا ملونا كتلك
الثياب التي كانت معلقة أمامي ... مطرز بالورود .. ليس له أكمام ،
قصير ،فالتصقت به .
رغم أن الثوب كان قديما
بل يكاد يكون باليا ... إلا أن رائحته أعادت ثقتي أن هنالك روائح
أخرى غير رائحة القذر الذي حولّني إلى فراش .
تحسست الثوب
ثم سكنت إلى جانبه ونمت
دون أن أسأل إلى أين سيأخذني الرجل الذي يحملنا على كتفه ؟ ومن
يكون ؟
يبدو أن هنالك ثيابا أخرى
كانت نائمة حول ذلك الثوب القديم الذي شعرت ببرودته ... كان لونه
أزرق
لقد شعرت وأنا أغمض عيني
أن البحر يلفني .. نمت .. نعم نمت من شدة الأرهاق .. لم أصح إلا
بعد زمن طويل... يبدو
أن الرجل قد
عبر أماكن ، ومر بنهارات مختلفة... وأنا نائم يلفني البحر
هنالك زمن لا معنى له من
العمر يمضي هباء
هنالك زمن يتغير فيه
إيقاع هذه الوحدة .... لهذا فقد مررت بتغيرات سريعة ... تهرب من
ذاكرتي ... قضيتها بين الحقائب والخزانات وأكياس النايلون والتعليق
من الرقبة
انتظروا تذكرت أمرا
ذات صيف طويل حكم علي فيه
أن أبقى في خزانة خشب مهترئة ،في بيت شبه مظلم ... فجأة رأيتها
تزحف نحوي ... آتية من أعلى خزانة الخشب ... إنها الأرضة ... تلك
الدودة التي اختر قت الخشب وجاءت إلى وليمتها الدسمة ... أنا
... زحفت وانتشرت وتكاثرت... والخزانة مغلقة حتى امتلأت جدران
الخزانة بالأرضة
ابتعدي ... ابتعدي ... كادت
تزحف لتأكلني ، وبالفعل أصابت طرفي ... إنها تزحف ..تفتح فمها
لتبتلعني .
إن جل خوفي أن تأكل نصفا
مني ... فساعتها سيكون مصيري الحاويات والنفايات .
وربما سأعود مرغما لابن
الـ القذارة الذي ما يزال في زاويته يصدر الروائح الكريهة إلى
العالم .
ابتعدي ... ابتعدي . فإن
أصاب أحدهم عطب في جزء من جسده سيحيا بآخر .
هكذا الشجر والحيوان
والطير والأنهار والنار والهواء .... هكذا كل شيء إلا نحن . فإن
خسرت جزءا منك ، سيكون مصيرك العالم السفلي .
ابتعدي ... ابتعدي
لكنها تعلقت ببعضها حتى أصبحت كأنها قطار من الديدان الصغيرة ثم
عبرت وحطت على أكتافي
أكلني الرعب فأغمضت عيني
... وأسلمت جسدي كمحارب أدرك أنه ميت لا محالة
فجأة فتحت باب الخزانة ..
ففتحت عيني ووجدت يد امرأة عجوز تمتد بسرعة ، تأخذني وتقول : هذا
هو ... هذا هو ... لا يحتاج إلا لقليل من الترتيب ،يمكنكم بيعه
بثمن جيد . لقد اشتراه زوجي ... لكنه لم يعد بحاجة إليه . وأنا وهو
بحاجةلبعض المال ... خذيه .
رمت بي أمام فتاة جميلة
.. .
أتراها سترتديني ؟!
أيعقل أن يكون الأمر كذلك
!
مدت يدها والتقطتني ...
أعطت للمرأة العجوز بعض النقود ، وقبل أن تأخذني رأيت ديدان الأرضة
تملأ الخزانة، جائعة .. ربما ستأكل العجوزين ذات يوم .
أخذتني الفتاة وغادرت .
لم تدسني في كيس كما جرت
العادة وإنما وضعتني على يدها ، وراح الهواء ينعش أنسجتي ...
وإيقاع مشيتها المسرعة ينشط ذاكرتي بعد أن أوشكت على فقدانها في
تلك الخزانة المظلمة التي بقيت فيها ما يقارب ثلاثة أعوام . دون أن
أدري ... لماذا
بعض ممن زجوا في غرف
مظلمة ... يعرفون قسوة ذلك الظلام ووحشته ... خاصة عند صاحب
السيجار الطويل الذي قدمت له هدية واستخدمني بقتل أحدهم .
|