|
من ذاكرة المسرح
المغربي
الراحل
محمد الكغاط:
شذرات حول
تجاربه الإبداعية وتصوراته النقدية.
عبدالفتاح ا لشادلي
»إن
الحديث عن الأستاذ محمد الكغاط يحتم علي الوقوف على رجل فنان كرس
حياته لخدمة
الفن الدرامي سواء على مستوى الكتابة، أو على مستوى الممارسة
الفعلية،
التي جعلت
منه مخرجا متميزا وممثلا مقتدرا«
الدكتور حسن
المنيعي
في سياق ذكرى
الاعتراف:
لايمكن أن تحل ذكرى اليوم الوطني للمسرح دون أن يتذكر المهتم بهذا
الفن الخالد بعض أبرز محطاته كالرسالة الملكية الخالدة ـ رسالة
الراحل جلالة الملك
الحسن الثاني ـ التي نفثت روحا جديدة في جسد الحركة المسرحية بعد
شلل كاد أن يصيب
وريدها، وكذا بعض الرجالات اللامعة وجوههم في سماء المسرح المغربي
كالراحل الدكتور
محمد الكغاط... وفضلا عن هذا وذاك لابد من تذكر انخراط المسرح في
ملحمة المقاومة
الوطنية ضد المستعمر تأكيدا لدوره التاريخي من أجل الإصلاح
والتوعية وفضح سياسة
اغتصاب الهوية. ولا أدل على ما نؤكده من المنولوجات الرمزية
الهجائية الساخرة التي
أعدها الكوميدي »عمر غوير المراكشي »لنقد الأوضاع الاجتماعية
والسياسية على عهد
الحماية والاستعمار، استشهاد »محمد القري« بسبب صلابة مواقفه
النضالية، وشراسة
مسرحياته السياسية التنويرية.
قصاصة عاجلة عن »محمد الكغاط«.
في سياق ذكرى
الاعتراف بالدور الريادي للمسرح ورجالاته، يزورنا طيف
الراحل محمد
الكغاط الذي كرس حياته لبلورة المشهد المسرحي تأليفا وتشخيصا
وإخراجا
ونقدا. فمثل
هذه الحساسية المسرحية الشمولية لاتتوفر الا للأعلام القلائل
كشكسبير
وموليير
وبريشت... وهذا سر تألق المبدع محمد الكغاط الذي لا تزال ابتسامته
العريضة
تملأ مقهى »لاكوميدي«
بفاس، وصوته الساحر يمتد بين جنبات مدرجات مناقشة الأطاريح
الجامعية،
وقبعته تكتسح أرجاء دار الشباب القدس وهو يعد بروفاته استعدادا
للمهرجانات
أو خوض غمار اقصائيات الدعم...
شذرات حول تجارب
»محمد الكغاط« الإبداعية وتصوراته النقدية
1
ـ من بنية التأليف
الى المسرح وفضاءاته.
إن ما نستوحيه من
هذه القصاصة العاجلة عن حياة الراحل محمد الكغاط،
هو وعيه
الحاد بضرورة المشاركة والانخراط في قافلة النهوض بأوضاع المسرح
المغربي
تنظيرا
وممارسة. ولذلك يعد كتابه« »بنية التأليف المسرحي بالمغرب من
البداية الى
الثمانينيات« تدشينا أكاديميا لانطلاق رؤية نقدية منهجية حداثية
تعتمد الدقة
والحصافة
والواقعية. وتكمن خصوبة هذا الكتاب ـ حسب الدكتور محمد السرغيني ـ
في أن
استقطب
الفعل المسرحي في المغرب من خلال التأليف وعالجه معالجة تقنية
زاوجت بين
الإخراج
ككتابة ثانية ومابين التأليف ككتابة نصية أولى. كل ذلك في إطار
موضوعات
استغرقت
المسيرة المسرحية في المغرب«(1)
اما عمله الرائد
»المسرح وفضاءاته« فيجسد رحلة سندبادية وقراءة نقدية
استنباطية
للمسرح الغربي والعربي من منظور فني تحليلي ـ حسب حسن المنيعي ـ
يراعي
الجوانب
الأشد ترسخا في تاريخ المسرح، والأكثر إغراقا في قضاياه؟ مما يؤكد
لنا
معرفته
الواسعة للفنون الدرامية، ومراوحته بين قديمها وحديثها«2، إن هذين
العملين
النقديين
المتميزين، كرسا تراكما تنظيريا في وقت كان فيه النقد المسرحي
يتلمس
طريقه،
ويرنو الى ثقافة نقدية فاهمة تبلور مسارات المسرح وتوجه مداراته،
اذ لم يكن
حينئذ يحمل
هذا العبء الثقيل سوى أساتذة قلائل وعلى رأسهم الدكتور حسن المنيعي
الذي
أطر معـظم
الأطاريح الجامعية التي تحولت الى كتب في النقد المسرحي كان هاجسها
المركزي هو
إثراء المشهد المسرحي، واستشراف آفاق جديدة للثقافة المسرحية
بالمغرب
وهكذا،
»فإذا كانت بعض الدراسات الجامعية تحقق تألقها عبر الجديد، فإن من
أهم جوانب
الانجاز
الكبير الذي قام به الكغاط في عمله هذا -المسرح وفضاءاته- هو أنه
لم يقف
عند حدود
دراسة قضايا مسرحية تثير اهتمام الباحثين الجامعيين، بل إنه اقترح
علينا
منهجا
تجريبيا لمقاربة النص المسرحي«3
ويعد كتاب »الممثل
وآلته« مقاربة مسرحية شخصية مشيدة على خلفية
قرائية تمزج
بين التجربة الذاتية والثقافة العالمة، غير أنها تنصب بالأساس على
التمثيل
واللعب على ضوء استقراءات عامة للتراث والدين والذاكرة. فحينما
»تختزن
الذاكرة ـ
يقول محمد الكغاط ـ ما تختزن وينطلق الأفراد والجماعات في ربط
مايحدث بما
يحدث وبما
يودون أن يحدث، يولد التمثيل ويتصل الحاضر بالتراث«4.
وفي تقديرنا إن
معظم محاور هذه الدراسة ـ التي نشرت بعد وفاة الراحل
محمد الكغاط
ـ تقف على حافة النقد المسرحي الانطباعي ذي المنزع الافتراضي. ومن
استشهاداتنا
على ذلك قوله: (افترض أن آدم عندما أخرج من الجنة الى الأرض كان في
سن
المسؤولية)
و (حدث مثل هذا أو ما يقاربه في بيئات أخرى غير مصر الفرعونية...)
و (يقولون
إن المسرح ولد ولادة دينية...)5 وما يزكي فرضية قيام هذه الدراسة
على هواجس
الانطباع
والافتراض تصدير محاور هذا الكتاب بعناوين مجردة مرتبطة بلغة
الإحساس
والاستيهام
مثل: ذكريات، تيمد ذكريات، وتجارب، وهي عناوين يصدح في ثنايا
متونها
بتصورات
تعكس أفق تفكيره، وتختزل قلق تطلعاته: »لماذا لا أكتب عن مدينة
المسرح؟
أليس من
المحتمل ان يكون المسرح هو ظاهرة القرن الجديد؟ ليس في عالمنا
العربي فحسب
وإنما في
العالم كله؟ ليس المسرح مرتبطا بالإنسان وبالمدينة وبالديمقراطية
وبالفكر
الخلاق
وبالأدب والفنون. وبكل ماهو جميل؟ أليست ممارسته تعبيرا عن إنسانية
الإنسان«6.
إن هذه الاستلزامات
الحوارية الناتجة عن قلق الكتابة النقدية لديه،
متوجة
بهواجس الافتراض المرفوقة بمقولات لغوية نابعة من اعتقاداته
الشخصية كقوله:
أعتقد أن،
ونصبو الى، ولست أدري... وقد تجد هذه الافتراضات والاعتقادات سندها
في
المناخ الذي
يغلف أجواء هذه الدراسة ألا وهو الحب والذاكرة والتجارب الشخصية.
سيما
عندما يجعل
من الحب رديفا للمسرح، قائلا: أعتقد أن الحب بهذا المعنى... كلمة
ترادف
حتى ضدها،
كلمة تدل على الحركة والسكون، وتعبر بكل الحواس ولو لم تعبر
الشفاه، هي
كالمسرح
تستطيع التعبير بالصمت.. الحب هذا السحر الذي ينقلب على الساحر
ويجعله يعشق
الشخصية
أكثر مما يعشق الأشخاص«7.
2
ـ الاكتواء بلهيب
الإبداع
هذا باقتضاب شديد
عن التراكم الكمي والنوعي الذي يزخر به التنظير
المسرحي عند
الراحل محمد الكغاط، في حين لاتقل تجاربه الإبداعية المسرحية أهمية
لأنها ظلت
محكومة بمبدأ مراكمة نصوص تنبض بخصوصيات الذات الموسومة بميسم
الفرادة
والتميز.
وتحقيقا لهذا المأرب، عمل على انتاج عدد من الأعمال المسرحية التي
اكتوى
بلهيب
تأليفها وإخراجها. ومن أبرزها: »بشار الخير«، »مرتجلة فاس«،
»المرتجلة
الجديدة«، »بروميثيوس
91 أو بغداديات«. التي فضل إشاعة نشرها متسلسلة في الملحق
الثقافي
لجريدة العلم وعيا منه بالارتباط الوثيق بين الصحافي والثقافي خاصة
وأنها
مشحونة
بالمضامين الفكرية والإيديولوجية التي تؤرخ لأزمة الخليج الأولى في
حلة
ميثولوجية
تنتصر للحرية وإنسانية الإنسان.
وإذا كانت »بروميثيوس
91« وليدة معاناة مبدع لم يقو على تحمل صدمة
دمار بغداد
مهد الحضارات ورمز الثقافات، فإن مسرحية »اساطير معاصرة« ليست سوى
»امتداد ـ
يعلن الدكتور يونس الوليدي ـ لمسرحية« بروميثيوس 91«. ولعل في
مقدمة
أساطير
معاصرة ما يثبت هذا الالتقاء والتوحد بين المسرحيتين فيما يتعلق
بالإطار
والمضمون
والرؤية«8
ولقد باتت تجارب
محمد الكغاط الإبداعية وفية لإكراهات الحياة
الاجتماعية
والسياسية الوطنية والقومية والإنسانية، مبلورا من خلالها بعض
المفاهيم
والإشكالات
النقدية التي تؤرق المهتمين بالمسرح، يقول: المنادي: أهيا سيادنا
متسمعوا إلا
الخير.
قالكم الكونترول
سفيل.
التأليف ممنوع.
الإخراج ممنوع
التمثيل ممنوع.
الضحك ممنوع 9.
والواقع، »أن محمد
الكغاط بدأ المسرح ممثلا، وبقي وفيا لهذا الانتماء
في بلورة
مشروعه المسرحي، حيث بدأ يؤلف للمسرح من موقع الممثل، فكان أن
تمازجت عند
تجربته حدود
التأليف والإخراج والتمثيل. وذلك ما يشكل خصوصية الدراماتورجيا
عنده«10.
وهكذا، فقد ظل
الراحل محمد الكغاط مراوحا بين الإبداع النابض بروح
الفرجة
الجمالية المهووسة بهواجس التجريب، وبين النقد الأكاديمي الذي
انطلقت
شراراته
الأولي في أحضان ملتقيات الهواة بالنسبة لمحمد الكغاط، وبفضل الجمع
بين
معاناة
الإبداع وحصافة النقد العلمي المنهجي، اعتبرت »تجربة محمد الكغاط ـ
حسب
الدكتور
سعيد الناجي ـ مقياسا لتاريخية المسرح المغربي، كان تطورها يعني
تطور
المسرح
المغربي ذاته. ولهذا، سنلاحظ أنها تجربة كانت تتردد فيها أصداء
حركية المسرح
المغربي
برمته في شبه انعكاس إبداعي، وتناغم بين مسرحي كبير، وبين مسرح
مغربي كبير
كذلك «11.
1
ـ محمد الكغاط
»بنية التأليف المسرحي بالمغرب من البداية الثمانينات« تقديم
الدكتور محمد السرغيني. دار الثقافة. الطبعة الأولى1986 ص 3
2
ـ محمد الكغاط.
المسرح وفضاءاته. تقديم حسن المنيعي. البوكيلي
1996، ص 13
.
3
ـ المرجع نفسه، ص
15.
4
ـ محمد الكغاط.
الممثل وآلته. منشورات وزارة الثقافة والاتصال.
مطبعة
الأنباء 2002، ص: 10 . 5 ـ المرجع نفسه.
6
ـ نفسه، ص. 107
7
ـ المرجع نفسه، ص.
150 ـ 151 .
8
ـ الدكتور يونس
الوليدي: الميثولوجيا الإغريقية في المسرح العربي
المعاصر.
مطبعة انفوبرانت ـ فاس 1998. ص 156
.
9
ـ محمد الكغاط:
المرتجلة الجديدة ومرتجلة فاس ـ فاس 1991. ص 56
.
10
ـ الدكتور سعيد
الناجي: المسرح المغربي. خرائط التجريب. دار النشر
المغربية.
البيضاء، الطبعة الأولى 2003 ص 44.
11
ـ المرجع نفسه. ص
43
|