أتراه سيكون الأخير؟ يا له من بعوض؟ |
الشاب الأول: |
|
(مؤججاً جمرة سيجارته بنفس طويل ومقربها من ساعته اليدوية)
كلا. مازال هناك عدد آخر منهم. |
الشاب الثاني: |
|
يا له من بعوض؟ أشم رائحة غريبة لم أشمها من قبل. |
الشاب الأول: |
|
أنت تكذب. |
الشاب الثاني: |
|
(بعد صمت قصير) هذه المرة سيعبر شخصان.
(وقع أقدام لشخصين على القنطرة). |
الشاب الأول: |
|
لقد أتعبت أذنيك بالتنصت إليهما من بعيد دون
طائل. |
الشاب الثاني: |
|
كلا لم أفعل. لم أتنصت إليهما. أنت تكذب. لقد حفظت ذلك عن ظهر قلب.
هل تريدني أن أسرد عيك بالتفصيل عمليات العبور التي حدثت حتى
الآن أو تلك التي ستحدث؟ هل تريد. |
الشاب الأول: |
|
أنت تتكلم عن الهواء. لِمَ إذن سألتني قبل قليل إنْ كان ذلك الرجل هو
الأخير؟ |
الشاب الثاني: |
|
كنت أكذبُ. لا، لم أكن أكذب تماماً بل.. بل كنت بحاجة لشيء من ذاك
القبيل.
وأنت؟ يا له من بعوض لئيم. كيف عرفت بأنه رجل؟ |
الشاب الأول: |
|
إنه رجل، أنا على يقين.
النساء لا يخطونَّ هكذا في الليل. كانت الخطوات صلبة وواثقة كما
أتذكر. |
الشاب الثاني: |
|
ربما كانت امرأة قوية الشخصية.
امرأة عثرت على محفظة نقود في الطريق.
أو امرأة ذبحت لتوها زوجها الوسيم الأعمى. |
الشاب الأول: |
|
ربما، ولكنك تتكلم عن الهواء. لِمَ لا يكون طفلاً سمينا ً؟ |
الشاب الثاني: |
|
اللعنة على هذا البعوض.. متى سنبدأ إذن. سينتصف الليل وهي لم تصل حتى
الآن. |
الشاب الأول: |
|
ستصل. إنها في الطريق إلينا. ألا ترى صاحبها ذاك (مشيراً إلى الشاب
الثالث).
ألا تراه وهو يكاد يلتهم الظلام. إنها قادمة. أكاد أراها وهي تستدير
الآن ناحية بئر العبد المالح. إنها تقترب الآن من الرملة
السوداء. أكاد أسمع زقزقة زجاجات الخمر في خرجها البُنيِّ
الصغير. وسيعبر الآن الأعمى.
(وقع أقدام وصرير القنطرة) |
الشاب الثاني: |
|
يا له من بعوض لا يرحم. لكأني آتٍ إلى هنا لأعذب نفسي بلسعاته فقط.
لم يحدث مرة ومنذ أن انتهت الحرب أن تعثر هذا الأعمى وسقط.
إنه أرحم لنا من البعوض. فهو على الأقل لم يجبرنا على أن
نقدم له يد العون.. أتسمع خطاه؟ أتسمع ضربات عصاه؟ أليست هذه
معجزة. لماذا لم يتعثر ويسقط حتى الآن؟ اللعنة على البعوض. |
الشاب الأول: |
|
هل
قلت بأن الحرب قد انتهت؟ |
الشاب الثاني: |
|
أجل
قلت ذلك، مع أنها لم تنته بَعدُ في داخلي. ولكن لَمْ تقل لي
لِمَ لا يتعثر هذا الأعمى. عليك اللعنة أيها البعوض الأعمى. |
الشاب الأول: |
|
خطورة الفعل الذي يقدم عليه تجعله بعيداً جداً عن احتمال
السقوط. هل تشك في أنه سقط أو تعثر أو اصطدم بشيء مرة أو عدة
مرات؟ |
الشاب الثاني: |
|
لا
أشك في ذلك، لا ريب في أنه قد سقط ذات مرة فهو وإن كان أعمى
يظل بشراً مثلنا. |
الشاب الأول: |
|
لا
تقل مثلنا. أفهمت؟ |
الشاب الثاني: |
|
كدت
أن تضحكني. أين وَصَلَتْ الآن ؟ |
الشاب الأول: |
|
إنها
تقترب، تقترب.. لا تفكر بها كثيراً. فكر بشيء آخر وستمضي
الدقائق المتبقية سريعا فلا تجدها إلا وقد انتصبت أمامك بكل
ما معها من زجاجات خمر. |
الشاب الثاني: |
|
حسن،
سأحاول.. (صمت ثقيل).
لم
أجد شيئاً جديراً بالتفكير. هذا البعوض القذر سيدفعني إلى
الجنون. |
الشاب الأول: |
|
ليس
مهماً بِمَ تفكر، المهم هو أن تفكر بشيء ما، فليكن فاسداً أو
طيباً، أسود أو أبيض، ليس هذا بذي قيمة. لا فرق. فكر بشيء
ما. المهم هو أن تطعم ذلك الفراغ الجائع أبداً في رأسك شيئاً
ما، شيئاً يسد الرمق. |
الشاب الثاني: |
|
لقد
نسيت. نسيت كل شيء.. إنني لا أكذب. أقسم لك. |
الشاب الأول: |
|
لا،
أنت لم تكذب هذه المرة ولكنك تحاول أن تتكلم عن الهواء. اسمع
سوف أساعدك قليلاً، سأعطيك شيئاً تفكر فيه.. ما رأيك بخميس
الرماد.؟ فكر بفعلتك تلك. ماذا كان اسم ذلك الرجل الذي ذبحته
؟ |
الشاب الثاني: |
|
لا
أتذكر اسمه، أتذكر عينيه فقط. عيني هرٍّ جائع. ولكني لم
أذبحه. لقط أطلقت عليه خمس رصاصات. يا له من بعوض. العجيب
أنني الآن لا أتذكر اسمه. |
الشاب الأول: |
|
سَمهِ خميس الرماد، أ ليس هذا هو الاسم الذي أطلقوه على تلك
العملية ؟ |
الشاب الثاني: |
|
يا
لها من رائحة فظيعة. |
الشاب الأول: |
|
كم
دفعوا لك يومها؟ |
الشاب الثاني: |
|
(متذكراً) دفعوا.. دفعوا.. ها.. تذكرت. لم يدفعوا يومها
شيئاً. كنت آنذاك غبياً أي مؤمناً بشعاراتهم وراياتهم، اقتل
وارفض أن استلم. اذهب أيها الفارس المؤمن ونفذ الحكم
الرباني العادل بحق فلان. هكذا كانوا يقولون. فاذهب وأفعل..
فيما بعد، أدركت أسرار اللعبة فتغيرت. |
الشاب الأول: |
|
تعني
أنك وضعت شروطك، أ ليس كذلك؟ |
الشاب الثاني: |
|
لم
تصل بعد، عليها اللعنة. |
الشاب الأول: |
|
وماذا عن خميس الرماد ؟ أعني كيف كان ؟ |
الشاب الثاني: |
|
قالوا يومها إنه شاعر خطير يريد أن يطرد كبير الآلهة ويضع
بيضة عندليب في مكانه. أنا لم أكن أعرفه من قبل.. لكنني أخذت
مسدسي وثلاثة فتية معي وذهبت.. |
الشاب الأول: |
|
أ
لَمْ يقاوم؟ |
الشاب الثاني: |
|
أ هو
تحقيق أم ماذا؟
أ
لَمْ تصل تلك العاهرة بعد ؟
هيه.. أنت؟ (منادياً الشاب الثالث) ماذا تفعل هناك؟ ألن تصل
فرختك اللقيطة تلك هذه الليلة؟
(الشاب الثالث يلتفت إليه ويرفع ذراعيه بحركة يائسة، ثم يعود
من جديد للتحديق في الفراغ المعتم من جديد. ) |
الشاب الأول: |
|
هذا
هو العابر ما قبل الأخير.
لقد
بَلَغَتْ الآن شجرة التوت الأبيض والدماء هل انبجست منه
الدماء حين أطلقت عليه الرصاص؟ |
الشاب الثاني: |
|
(يضحك ضحكة كتيمة. ) |
الشاب الأول: |
|
ما
بك؟ |
الشاب الثاني: |
|
كان
يتمدد على سجادة بلونين، الأسود والبرتقالي متكئاً على
مجموعة من الوسائد الملونة حمراء وخضراء.. زرقاء وصفراء
ونظارتاه على أرنبة أنفه أطلقت الرصاصات فسقط كتاب كان
مفتوحا مقلوبا من على فخذه إلى السجادة. حين أدخلتني ابنته
أو زوجته الدار رفع رأسه إليَّ كحصان مريض. وحين صوبت نحوه
فوهة النار وصرخت مذعوراً بحكم القصاص الذي أصدره قضاتنا،
خيل إليَّ أنه يكاد ينفجر بضحكة عاتية مريرة، ضحكة ، لو قدر
له أن يطلقها قبل أن أطلق عليه الرصاص لصيرتني أنا وكل ما
يحيط بي.. رماداً.. سقط كتابه يلاحقه خيط من الدم المضيء.. و
ها قد عبر عابر آخر.
(وقع أقدام على القنطرة). |
الشاب الأول: |
|
إنه
الأخير. |
الشاب الثاني: |
|
لا
أصدق ذلك.. تأكلني الرغبة الآن لسماع تلك العبارة منك. |
الشاب الأول: |
|
أية
عبارة. |
الشاب الثاني: |
|
لا،
بل قلها أنت. أريد أن أسمعها منك أنت. أتوسل إليك..أنني
بحاجة إليها الآن. |
الشاب الأول: |
|
ولكني لا أدري عَمَّ تتكلم. |
الشاب الثاني: |
|
قلها
أرجوك. إن لم تقلها ستصير ليلتي هذه جرحاً أسوداً منكوءاً
لتوه. |
الشاب الأول: |
|
أوه،
أنك تتكلم عن الهواء. |
الشاب الثاني: |
|
تلك
هي.. تلك هي.. (راقصاً فرحاً بعنف) لقد قلتها، قلتها، إنها
هي.. هي.. شكراً.. شكراً لك أيها الصديق، لقد أنقذتني..
(بحزن مباغت) إذن فقد كنت أتكلم عن الهواء.. يا إلهي، اجعل
ما قاله صِدقاً وارمني بصاعقة مقابل ذلك. |
الشاب الأول: |
|
ربما.. ربما كان هواء له رأس حصان مريض وعيني هر جائع.
(يعدو الشاب الثالث باتجاههما). |
الشاب الثاني: |
|
عَمَّ كنتما تتكلمان؟ |
الشاب الثالث: |
|
عن
الهواء وخميس الر… |
الشاب الثاني: |
|
( زاعقاً ومقاطعا ً) عن الهواء.. عن الهواء فقط. هل تفهم؟ عن
الهواء وحسب. لا وجود لشيء آخر.. أتسمع؟ |
الشاب الأول: |
|
فهمت، أجل فهمت. |
الشاب الثاني: |
|
أنا
أيضاً كنت أفكر بالهواء.. أن له رائحة غريبة هذه الليلة. |
الشاب الثالث: |
|
من
سبق وأن قال ذلك، أنا أم أنت؟ |
الشاب الأول: |
|
لا
أتذكر.. ربما قلتها أنت، ربما قالتها هي.. هذا لن يغير شيئاً
مما نخن فيه. |
الشاب الثاني: |
|
(للشاب الثالث) ما بك. أراك تكاد تبكي. ماذا حدث لك؟ ماذا
حدثنا لنا جميعاً؟ لماذا تركت مكانك هناك وجئت إلى هنا قبل
أن تصل الفتاة؟ |
الشاب الأول: |
|
كم
أتمنى نسيانها الآن والى الأبد. أتمنى لو أنها ما وجدت قط.
لقد تأخرت.. أجل تأخرت للمرة الأولى.. لم يحدث ذلك منذ أن
جفَّ هذا النهر. آه ما أقسى ذلك. |
الشاب الثالث: |
|
(وقد بوغتا بالنبأ ) ماذا؟ |
الشابان الأول والثاني: |
|
متى
حدث ذلك؟ |
الشاب الأول: |
|
أنه
يحدث الآن. أكاد أبكي. |
الشاب الثالث: |
|
كم
تأخَرَتْ؟ ربما.. |
الشاب الثاني: |
|
لا،
لن تصل بعد الآن. أنا أعرفها جيداً. قلت لكما أن هناك رائحة
غريبة هذه الليلة. |
الشاب الثالث: |
|
لئن
صح هذا فلسوف أقتلك. سأقتلكما كليكما، سأقتل الجميع ثم
أنتحر. |
الشاب الأول: |
|
لا
تتعب نفسك بالعويل. ثمة البعوض وهذا النهر. |
الشاب الثاني: |
|
فليقل أحدكما، قد تصل..
تكلما بحق السماء، قولا شيئاً. |
الشاب الثالث: |
|
كيف
عرفت بأنها لن تأتيَ الليلة؟ هل كنت تعلم ذلك قبلاً؟ |
الشاب الأول: |
|
لا
لم أكن أعلم شيئاً. غير أن آخر العابرين قد عبر وهي لم تصل.
قلت ربما كانت تلك الرائحة السوداء. أهي رائحة الرماد أم
الليل ؟ |
الشاب الثالث: |
|
(للثاني) هل عبر الأخير حقاً ؟ |
الشاب الأول: |
|
لقد
قلنا ذلك. |
الشاب الثاني: |
|
وماذا سنفعل؟ |
الشاب الأول: |
|
ولماذا يجب علينا أن نفعل شيئاً في كل مناسبة؟ |
الشاب الثاني: |
|
حسن،
إذا كان الأمر كذلك حقاً فسأتمدد أنا هنا حتى الصباح وأترك
جسدي طعماً للبعوض. |
الشاب الأول: |
|
سأذهب أنا إلى هناك (مشيراً إلى أعماق الركح). |
الشاب الثالث: |
|
إلى
حيث كنت؟ هل ستنتظرها من جديد؟ |
الشاب الأول: |
|
كلا،
لن أنتظر أحداً بعد الآن، بل سأجرب أن أمضي بعيداً. سأجرب أن
ابتعد أكثر. |
الشاب الثالث: |
|
هل
نسيت التماسيح هناك ؟ |
الشاب الثاني: |
|
لم أعدْ أستطيع تصديق ذلك. لقد تأخرتْ، ألَمْ تفهم؟ |
الشاب الثالث: |
|
لن
تستطيع المضي بعيداً. |
الشاب الأول: |
|
سأحاول. |
الشاب الثالث: |
|
من
يقول سأحاول، لن يفعل في يومٍ ما شيئاً كبيراً كهذا. |
الشاب الأول: |
|
(ينهار جالساً) لقد هدمتني عليك اللعنة. |
الشاب الثالث: |
|
اقتصد في لعناتك يكفيني كل هذا البعوض. |
الشاب الأول: |
|
رغم
ما نحن فيه، ولكني أحسدك الآن وأغبطك. |
الشاب الثاني: |
|
تحسدني أنا؟ ولكنني استسلمت، سقطت تماماً. |
الشاب الثالث: |
|
نعم،
أحسدك لأنك وصلت إلى القاع.. هذا يسمونه استقراراً أو لأقل
ثباتاً.. ورغم أنه ثباتاً في القاع لكنه يظل ثباتاً. |
الشاب الثاني: |
|
|