السنة الثانية                     مؤسسة  ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية                         آخر تحديث  28 - 2 - 2005

 

 

 قضايا التأسيس النظري لسينوغرافيا العرض المسرحي

من الشعرية الكلاسيكية إلى التنسيق الفضائي المسرحي الجديد

الدكتور عبد الرحمن بن زيدان

 

إشكالات المسرح من إشكالات السينوغرافيا:

من المصطلحات الأكثر رواجا و الأكثر تداولا في الممارسة المسرحية الغربية الحديثة، مصطلح «سينوغرافيا»، ذلك : أنه كلما أثير النقاش والحديث حول هذا المسرح، وحول العرض، وحول تأثيث الفضاء إلا وتنطرح إشكاليات هذا المسرح بكل مكوناته  الدرامية والفنية والتقنية، فتثار قضايا اشتغال هذه المكونات في تآزرها وتآلفها وتكاملها داخل بنية  مسرحية تقدم للمتلقي كطرف أساس في هذه المكونات.

ولإعطاء مصطلح سينوغرافيا وجوده الحقيقي - في هذه الممارسة- ضمن مفاهيمه المتعارضة، أحيانا، والمتقاربة أو المتطابقة، أحيانا أخرى، يجدر بنا أن نضعه ضمن إشكالية المسرح ذاته، وضمن الوشائج التي تربطه بباقي المكونات الاخرى حتى تنجلي صورة  ودلالات هذه الوشائج في الأدوار التي لعبها المخرجون والرسامون والمعماريون في إعطاء هذا المصطلح تخصصات متباعدة - نظريا - لكنها أثناء إنجتز العرض المسرحي تتوحد باعتبارها انسقة كلامية متباينة ومتنوعة يرتبط بعضها بما هو مرئي، ويرتبط بعضها الآخر بما هو مسموع.

هذا التكوين المزدوج للمسرح، نص / عرض يجعل منه فن المفارقات بامتياز، فن ينسج خصوصياته، ويمتح العناصر المكونة لبنيته من مفارقات هي مرجعياته المتابينة، فهو - من جهة - نص أدبي عنصر الخيال جوهري في دراميته، ومن جهة أخرى -هو عرض أو فرجة- سمته الأساس هي أنيتهن لأنه مرتبط بـ «الآن هنا» حيث يوجد الممثل والجمهور. وبهذا الاعتبار فإن النص الدرامي يظل مغلقا دائما وباقيا في المكان مادام وجوده متحققا في نص مكتوب يمكن قراءته، بعكس العرض المفتوح والموصوف بأنه أني وعابر فإنه لا يتكرر مرتين لأنه أثناء السرد ينتج نظاما من العلاقات المأتلفة مع العلاقات اللسانية المشكلة للحوار تعطي لخطابات الشخوص شروطها التلفضية التخيلية فيصير  من الصعب بعد ذلك أن نتصور عرضا بدون نص حتى عند غياب الكلام المنطوق.

من هذا التكوين المزدوج للمسرح،ومن ثنائية نص / عرض يتأكد أن إنتاج المسرح وتقبله ليس عملية فرديةكما يقول باتريس بافيس : «إن النص الدرامي ليس له قارئ فرد، وإنما قراءة جماعية ممكنة يعرضها الإخراج  »1 .

من هنا يتأكد أن البذرة الأولى للمسرح، وأن النواة الأولى له هي من انتاج مؤلف واحد، غير أن هذه الفردية تغيب أثناء العرض حين يصير العمل جماعيا، لأن انجاز الفرجة المسرحية يستوجب مشاركة العديد من التخصصات في انتاج نص المؤلف الذي يظل ملتبسا وغامضا وناقصا لا يكتمل وجوده ، ولا يستوي له كيان، ولا يأخذ دلالاته إلا داخل العرض وقد انبنى على:

- حوارات تم توزيعها بين أدوار عديدة.

- اعتماداه علىنص الحوار وقد دخل كعلامات لسانية  في تكوين العرض.

- قصدية المخرج في جعل دلالات العرض تأخذ  هيأتها ودراميتها وتمسرحها من داخل المقام التلفظي الذي يختاره هذا المخرج.

- ثنائية  النص والعرض اللذين يتم  إدراكهما في نفس الزمن والمكان بحيث من المستحيل إعطاء الأسبقية لأحدهما.

إن النص الدرامي الواحد الذي تحضر فيه ذاتية مبدعه يمكم أن يكون أساس عروض عديدة ومتباينة حسب الرؤية والدلالة التي يمنحها له هذا المخرج او ذاك. إن النص العرض ليس تحويلا  أو ترجمة  أو اختزالا للنص.

إنه تكوين وتأسيس التوازن بين النظم السينمائية  المتعارضة . وهذا التعدد في القراءة يعني أن العرض ليس ترجمة أو نقلا لهذا النص، وأن تقبله لا يدرك فيه كل نسق علىحدة، معزولا عن الأنسقة الأخرى، إن الامر يتطلب الإبداع من جميع الأطراف للقيام بنشاط تأويلي دي طبيعة ذهنية لإدراك الوحدة  المنظمة لهذه الانسقة في بنية العرض الشاملة .

التعدد في قراءة النص الدرامي يبقى رهين السؤال الذي طرحه مارتن إسلن حول هذا التعدد الذي يكمن وراء الإبداع والتجدد الذي يغير المسرح وفضاءه وجمهوره.

كيف يمارس المشهد براءته؟

يجيب مارتن إسلن «لا بد من إعادة صياغة السؤال وطرحه من جديد  فالظروف التي تقدم الدراما في ظلها قد تغيرت تغيرا جذريا في المائة عامالأخيرة بفضل فيضان حقيقي من الابتكارات  التكنولوجية  التي شهدتها خشبة المسرح نفسها، ثم بإدخال البث الميكانيكي والإليكتروني فيما بعد2.

هذه العوامل والمحفزات كانت من الأسباب الهامة في ميلاد المسرح الحديث بظهور المخرج الذي صار سيد الركح، وبعد منتصف القرن الماضي تبلورت أسس الإخراج المسرحي كوسيلة لضبط العلاقة بين النص والعرض، إلا أن ثبوت قدم الإخراج كما يقول برنار دور «جعل  المهتمين بالمسرح يتنبهون إلى الدور الذي تقوم به على مستوى المعنى عناصر العرض المختلفة . كان المخرج في بداية الأمر هو صاحب القرار في تنسيق هذه العناصر تنسيقا دلاليا، أما الآن فإن الفنانين الآخرين يطالبون بنصيبهم من المسؤولية الموازنة واستقلالية نسبية. وهكذا فإن النص والفضاء والأداء هذه العناصر بدأت  تحرر وتنطلق»3

لكن كيف بدأ  هذا التحرر؟

وماعلاقة هذا التحرر بالسينوغراف والسينوغرافيا؟

يعترف جل الباحثين والمنظرين والمؤلفين والمخرجين ونقاد المسرح في الغرب بوجود خلط وتشويش في إعطاء معنى محدد لـ «سينوغرافيا»، كما أقروا بوجود العلاقة بين إشكالات المسرح وإشكالات  السنوغرايا لأنه كلما بدأ التنظير أو صياغة نظرية حول السينوغرافيا كفن معقد إلا وتتوزع هذا التعريف ثلاثة مصطلحات منبثقة من معطيات معرفية وفنية وتاريخية تم تحديدها كالتالي:

- 1 - سنوغرافيا .

-2 - ديكور.

- 3 - زخرفة.

وأمام النوزع والتشويش الذي يلاحق هذا المصطلح، سنعمل على وضعه في سياقاته الفنية  والأدبية  والتاريخية  حتى نصل إلى الوظيفة والأدوار التي حددت دلالته في الممارسة  المسرحية الحديثة، وسنبدأ أولا بمفهوم السينوغرافيا في القديم لنخلص إلى ما وصلت إليه تجربة  الإخراج في الغرب من نتائج هي ثمرة تطور وسائل الاتصال ونتيجة التطور التكنولوجي في هذا العالم الموسوم بالتحول والتغير والتجريب...

السينوغرافيا ووظيفة الزخرفة في تجربة الإخراج الكلاسيكي:

ظل الإخراج - من حيث  هو عالم  مرتبط بالعرض وبانجاز عوالمه المرئية - عالما مستقلا بذاته يشتغل بما يملكه المخرج  من تصورات ومفاهيم عن المسرح من جهة، وعن  الأدوات الإجرائية  التي ينقل بها النص الدرامي إلى الركح من جهة ثانية. هذا المجال الفن لم يقتمه الخطاب النقدي  إلا بقليل من الإشارة والتلميح الخجولين إلى عوالمه دون محاولة  القيام بدراسات معقمة ومتخصصة تقاربه بالقدر نفسه الذي درست به نظرية الدراما على مستوى تجلياتها النصية.

وغياب تناول الإخراج المسرحي من طرف التنظيرات القديمة للمسرح - لا من حيث مفهومه ومقوماته، ولا من حيث أشكال ممارسته، جعل الكلام عن تجربة الإخـراج فـي القديـم - سيما لدى اليونان - مرتبطا ارتباطا وثيقا باعلام هذا المسرح  وبالشعراء الذين كانوا يكتبون النص التراجيدي (أو الكوميدي) ويمارسون الإخراج دون أن تكون شخصية المخرج محددة أو موصوفة أو مضبوطة بقوانين فنية وجمالية معينة.

لكن وبرغم هذا الغياب، فإن توحد ثنائية / العرض في شخصية الشاعر المسرحي يعطينا بعض المعلومات حول المكان والدراما في تجربة المسرح اليوناني، ويرسم لنا بعض ميكانيزماات الإخراج في الشعرية الكلاسيكية القائمةعلى مبدإ المحاكاة، والتطهير وتقديم العرض المسرحي في المكان الدرامي الذي يجمع بين وظيفة المسرح ووظيفة العرض.

«فإذا كان المكان الدرامي الأمثل أن يكون تعبيرا هندسيا للميل الذي يحمل جمهورا ما علىتفضيل مسرحية  ما في ظروف معينة وفي مكان معين فإن المسرح اليوناني القديم -زمن إشيل- كان يلائم تماما هذا العرض.كانت المسرحية  تمثل بين أحضان الطبيعة علىمنحدر تلة، وكانت الشمس وحدها تشكل أداة الإضاءة ونصف دائرة من الصوى يحيط بساحة التمثيل الممهدة، ومذبح ديونيزوس يؤلف قطبها الروحاني والهندسي. هناك كان الكورس يتجول وعلى عرض عشرين مترا تقريبا، يقطع ساحة التمثيل حاجز خشبي ذو أبواب الحاجز كوخ خشبي ذو طابقين  يستخدم كمسرح خلفي ومقصورات للممثلين ، وكانت عناصر الديكور تجسيدية محضة ونادرة مقتصرة على ضروريات العمل الدرامي، هذا المفهوم للديكور يسمح للجمهور أن يرى  ينظرة واحدة جميع أمكنة العمل الدرامي قبل بدايته»4.

بهذا التقسيم الجغرافي للفضاء المسرحي عند اليونان كان الشاعر المخرج يهندس كتابته التخليلية ، وكان يجسد فضاء النص في فضاء العرض، وكان يقرب بين نص الحوار وبين المرئي والمنظور الثابت. وكان المخرج في هذه العمليات منوطا بتوصيل المعلومات إلى الممثلين و إلى الكورال وإلى الراقصين وهو ما جعل المسرح اليوناني ينعت المخرج باسم «ديداسكلوس» Didaskalos) ) أي المعلم.

وفي هذا المفهوم الذي كان سائدا حول النص الدرامي وحول العرض ومكانته كانت وظيفة  السينوغرافيا في الشعرية  الكلاسيكية قائمة على مفهوم الزخرفة المسرحية الثابتة التي تويئ إلى مكان الحدث، وتشيـر - في الوقت ذاته - إلى فضاءات  النص كأمكنة تجري فيها الأحداث، ويقوم فيها الأشخاص بمحاكاة الأفعال النبيلة في التراجيديا، وأفعال الأشخاص الأردياء في الكوميديا. ومن محاكاة هذه الأفعال كان الإخراج نحاكي الحجم والفراغ والأماكن مما كان عاملا مهما في ميلاد المفهوم الأول للسينوغرافيا القائم على فن الزخرفة لقد ولدت السنوغرافيا كما يقول مارسيل فريدفون Marcel Freydefot :«من فن الزخرفة، ثم تطورت في معارضتها للزخرفة  لتصل إلى فن الديكور. إن كلمة سينوغرافيا كلمة قديمة  نجدها لدى الإغريق والرومان، كما استخدمها معماريو عصر النهضة، ولقد حدث تغير بين المعنى الإتيمولوجي.حيث اشتقت  كلمة سينوغرافيا (La skenographia) والمفهوم الخاص بهذه الكلمة في عصر النهضة : فكلمة سينوغرافيا اليونانية  تعني الزخرفة، أي تجميل واجهة «المسرح» ((skene بألواح مرسومة  حيث كان المسرح خيمة أو كوخا من الخشب، ثم مبنى يحيط بساحة التمثيل في المسرح الإغريقي، وكانت هذه الزخارف التي ظهرت في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد في تراجيديات سوفوكليس تمثل مناظر معمارية أو طبيعية لتوضيح موقع الحدث»5  .

لقد كانت الوظيفة الموكولة إلى السينوغرافيا في الشعرية الكلاسيكية مهمة جمالية ترسم بالزخرفة  دلالات الأحداث التي يمليها النص على الإخراج، وكانت هذه المهمة تفرض على الزخرفة  أن تكون تابعة للنص وللارشادات المسرحية وما تقدمه من وصف للشخوص وللمكان وللزمان. ومثل هذه الوظيفة تبرر اضطلاع الشعراء المسرحيين بإخراج مسرحياتهم بهدف إلغاء الحدود بين مفهومي النص الدرامي ونص العرض. وهذه الاعتبارات الجمالية  بهذا الأسلوب وبهذه الوظيفة «كانت تحرك الزخرفي الكلاسيكي - الباروك - الرومانسي - الطبيعي - الواقعية، الحقيقي، الرمزي وخاصة أدوات الديكور التقنية، فعلى مدى زمن طويل ظل التوال والشاسيه الخامة الأساسية التي تعتمد عليها الزخرفة، وكانت مهمة المنظور السينوغرافيا الملائم بدقة لخشبة المسرح هي محاكاة الحجم والفراغ، وكانت الإضاءة  مرسومةولم يكن دورها يتعدى الإنارة.كما كان الديكور خاضعا للمنظرة المستخدم على خشبة المسرح، وخضعت بنية المسرح نفسها بها في ذلك الخشبة والقاعة لهذا الهيكل المكاني»6 .

إذا كانت الشعرية الكلاسيكية قد حددت - بالممارسة - مفهوم السينوغرافيا في فن الزخرفة فإن عصر النهضة أعطى لهذا المفهوم أبعادا جديدة  انفتحت على كل ما يموج به الزمن النهضوي من فنون كان لها تأثيرها  على التشكيل والهندسة  المعمارية على أسلوب العمل الذي اختلف فيه مفهوم السنوغرافيا.عند المعماريين الإيطاليين «فالسينوغرافيا وسيلة من ثلاث وسائل للرسم يلجأ إليها المعماري  لتقديم تصور عن المبنى قبل البدء في البناء: التخطيط الافقي والتخطيط الرأسي، والسينوغرافيا تصور لوجه من وجوه المبنى، والواجهات المتحركة التي تسمح بالحصول علىتصور كامل على المبنى النهائي عن طريق الحيل البصرية. لقد ربط الإيطاليون بين السينوغرافيا والمنظور حيث لم يكن للكلمة الأولى معنى أو استخدام مسرحي، غير أن المنظور أصبح المنهج العلمي لتنفيذ المسارح المستخدمة والزخارف المختلفة.

كان للمنظور أهره في تحريك خيال المتفرج واكتسب مصطلح سينوغرافيا مغزى مسرحيا يشير  تحديدا  إلى فن المنظور معماريا كان أو طبيعيا وأعيد استخدام مصطلح ديكور أو زخرفة في القرنين السادس عشر و السابع عشر. وفي القرن التاسع عشر بأصبح هناك فرق بين كلمتي ديكور وزخرفة ، فكلمة ديكور كلمة تقنية خاصة بفننيي الأجهزة في المسرح، وتشير إلى مجموع العناصر المادية التي تحمل الزخارف المرسومة مثل الشاسيه والتوال. أما كلمة زخرفة فهي كلمة فنية تشير إلى المكان الذي يدور فيه الحدث  ومجموع الأدوات التي تستخدم في تقديم العرض من لوحات وأثاث وأكسسوار يلعب كل من الديكور والزخرفة دوره عند رفع الستار حيث يجب أن يكون له تأثيره المباشر،  ومع بداية الحوار تصبح للمثلين الأولوية، ويصبح للأداء الأهمية  الأولى بينما يتراجع الديكور ليصبح مجرد خلفية للنص»7

والسؤالان اللذان يمكن  طرحهما للتعرف على الذين وضعوا الحجر الأساس لإضفاء طابع التغيير على مفهوم السينوغرافيا مع مطلع القرن العشرين هما كالتالي:

- من هم الذين عملوا على تأسيس فلسفة حقيقية عن الفضاء المسرحي؟

- ومن هم الذين مهدوا الطريق لتجاوز مفهوم السينوغرافيا كفن للزخرفة لتنظيم الفضاء المسرحي تنظيما مغايرا؟

الجواب أو الأجوبة الممكنة يمكن أن نجدها في تجربة مخرجين منظرين رائدين هما «آدولف أبينا»(Adolph appia) (1928-1862) وإدوارد جوردن كريج (Edward Gordon Craig) (1966-1872) وأنطوان فيتيز (Antoine vitez) وغيرهم ممن أثر في حركة الإخرج المسرحي المعاصر.

نحو تأسيس حقيقية عن الفضاء المسرحي

* أدولف أبيا وإلغاء دراما الكلمة:

من الذين أثروا في حركة الإخراج المسرحي المعاصر، ويصموا بأسلوبهم حركة الإخراج في الغرب أدولف أبيا وجوردن كريج اللذان قاما بوضع الحجر الأساس لجيل جديد من مصممي الركح في فرنسا، سواء تعلق الأمر بمفهوم الديكور وملحقاته، أو ارتبط بالعملية الإنتاجية والإيقاعية في الموسيقى.

يرجع الفضل غلىهذين المخرجين في بلورة فلسفة حقيقية عن الفضاء المسرحي في بعديه: الزماني والمكاني، كما يرجع إليهما الفضل في السعي وراء القيم الجمالية والشعرية الرابضة في عالم التشكيل. وهو ما خول لهما الريادة في إعطاء أبعاد فنية جديدة لشخصية  المخرج المعاصر الذي ارتبط - بعد ذلك - ارتباطا وثيفا - كما  يقول مارتن إسلن بـ «اكتشاف قدرات التكنولوجيا الحديثة (مثل الألات الهيدروليكية والإضاءة الكهربائية) على تشكيل فضاء العرض. لقد صار هذا الشكل هما أساسيا بالنسبة للتصميم والإخراج منذ «دوق ماينتجن» حتى جوردن كريج وأدولف أبيا وتيرنس جراي (Terence Gray8

لقد فرضت «السنوغرافيا»مع أبيا وكريج نفسها كـ «روح للعرض المسرحي»، وأصبح الحديث عن دورهما في حركة الإخراج متميزا بمعالمه وبأسس الواضحة التي أرادت تجاوز هيمنة الرسامين ومصممي الديكور والزخرفة، ولأول مرة في القرن العشرين أخد تنظيم الفضاء المسرحي مساحة رحبة من اهتمام هذه  السينوغرافيا اعتمادا على النقد الذي وجهه هذان  المخرجان إلى الضال بواسطة الممثل  النجم، وأكدا على أن فن المسرح ليس لعبا للممثلين، وليس نصا، ولا هي روح اللعب (التمثيل) ومن الكلمات التي هي جسد النص، ومن الخطوط والألوان أساس وجود الديكور ومن الواقع الذي هو فضاء الرقص»8.

بهذه الرؤية استطاع «أبيا» أن ينظر لوظيفة المخرج، وتمكن من ضبط آليات البحث عن معمار مغاير، وفضاء مؤثث تأثيثا مختلفا ومغايرا للسائد والموجود، معمار يسمح للحركة والموسيقى والإنارة بخلق الطقس السحري المحمل بالإيحاءات والنفسية الحسية لمستويات الصراع الدرامي. وفي حديثه عن بعض مكونات التنظير لدى أبيا يقدم سعد أردش هذه المكونات كالتالي:

- «إن حركة الممثل يجب أن تخضع لقانون الموسيقى (وفاق بين الزمان والمكان) والفراغ المسرحي بمستوييه الأفقي والرأسي بحيث تقوم الإضاءة بتحويل هذا الفراغ الى عالم حسي موحد».

- الدعوة الى التخلص من كل محاولة  لتصوير المناخ الداخلي للحدث داخل المكان».

- «لا يعطي أبيا اهتماما لدرما الكلمة»

- صياغة العرض دون  أي ديكور. والموسيقى عنصر رئيس في العرض المسرحي لا يقل أهمية عن الممثل والديكور التجريدي الرمزي»

يقول سعد أردش عن هذه المكونات: «الديكور عند أبيا،تصور فلسفي ينبع من عنصرين تشكيليين : النور والظل من ناحية (تصوير) والكتل التكعيبية التي تكون مستويات رأسية في الفراغ (نحت) فلكي يعطي حركة الممثل (الشخصية) فرصة أكبر للتطور  يجب الا يتحرك على أرضية مسطحة، بل داخل تركيب من السلالم والبراتيكابلات التكعيبية، والمنحدرات، وهو ما يمكن أن يعبر عنه بتقييم البعد الرأسي في الفراغ المسرحي، وهو بذلك يلجأ  إلى التصوير، ولكن من خلال درجات اللون الواحد، دون أن يتجاوز ذلك  تصوير وحدات زخرفية أي ما كانت، وهو ما عبر عنه باللعب بالظل والنور»9

من خلال هذه التنظيرات كان أبيا يهدف إلى تحقيق الشعرية جديدة للعرض المسرحي مختلفة عن الشعرية الكلاسيكية القائمة الإيهام المسرحي وعلى الاندماج بين العرض والمتلقي.إنه يؤكد على تأسيس علاقة هارمونية بين الصورة الصوتية (كبلاغة للمتلفظ) وبين الصورة الحركية (كبلاغة للمرئي)، وليتحول العرض المسرحي فرجة مشحونة بالدينامية وبالحركية  حتى لايبقى المتلقي ساكنا في فرجة سكونية تكرارية.

* كوردن كريج والمعمار المغاير للمسرح

أما كريج - المخرج ومصمم الديكور - فقد قلب معالم الإخراج السائدة في أوربا. وكان مفتاحه في ذلك توليته القائمة على قولته الشهيرة «لكي ننقذ المسرح لابد من أن ندمره».عن هذه التورية يقول أحد زكي «دخل كريج خشبة المسرح في المشروع يروم  حشد كل عناصر التعبيرية من أجل صياغة مسرح تكون فيه الحركة هي الأفق لهذا ثار ضد مسرح مثقل بالكلمة، معيدا إلى الرقص والإيماء شرعيتهما مما يعطي قوة الحضور للرؤيا ولذلك شذب الكثير من التقاليد، فتخلص من نظام أجنحة الكواليس، وكافة الزوائد الخلفية من ستائر وقطع ديكور تقليدية، واستغنى تماما عن المناظر المرسومة.»10

ومن التيمات الجوهرية في مشروع كريج الفني  الجديد، القائم على إعادة النظر في إنتاج العرض المسرحي، يتبين لنا القفزة النوعية التي حققها هذا المخرج بوعيه الفني لخدمة فكرة المسرح الجديد بجعل المسرح فضاء حقيقيا لفرجة تتيح الرؤيا الحقيقية بالتنوع، وتقدم تنويعات  فنون الملابس المسرحيـة والـديكـور وتجهيـزات المسـرح والإضـاءة التـي تجعل الجمهور - دائما وأبدا - متطلعا إلى الرؤيا أكثر من الاستماع، متلهفا إلى الاستمتاع للقيام الرمزية التشكيليةن اعتمادا علىالقدرات الإبداعية وقدرات التخييل لديه.

إن مفهوم العرض المسرحي عند كريج لا يقوم على معاني الكلمات، بل على «الرمزية» من هنا يدعو كريج إلى تعرية المسرح من الستائر ومن الزخارف، ويدعو إلى الثورة عن الاتجاه الواقعي لاكتشاف مواد جديدة لخلق  عوالم سحرية موحية... ولتحقيق  هذه الثورية كان يعتمد علىخطط مدروسة لبناء الغريب والعجيب والفريد. دأبه في ذلك هو مخاطبة المشاعر بالحركة والضوء والتصميمات متبعدا عن الإرشادات المسرحية وعن سلطة المؤلف، وعن نجومية  الممثل الذي يعتبره لعبة في يد المخرج «محرومة من كل مباردة خلاقة تعتمد على الإمكانات والطاقات الذاتية». لقد أصبح الممثل أشبه بالدمية، إنه بالنسبة  إلى كريج «عبئ وصعوبة. إذا استخدم  الممثلون  فيجب أن يكفوا عن الكلام  ويتحركوا فقط... وإذا أرادوا ان يرجعوا إلى الفن في صورته  الأصليةفالتمثيل هو الفعل، والرقص هو الشعر في هذا الفعل»11

بهذه الجماليات والتنظيرات رسم أبيا وكريج كيف أ،ن استلهام الفضاء وكيف أن قيمته الإيقاعية هما بؤرة العمل السينوغرافي. وهو ما ساهم فيه - أسلوب الخاص - أنطوان فيتيرز - (Antoine Vitez) الذي أرسى قواعد فلسفة للمكان جعل مهمة  الإخراج فيها  «منحصرة» في «استكمال معمار القاعة».

وتأسيسا على ما قام به أبيا وكريج في التنظير والتطبيق لمشروع المسرح الجديد نعتبر أن الجهود التي أتيا بها كانت العتبة التي ولجت منها السينوغرافيا إلى عالمها الرحب، المتنوع بالأسئلة، والمسكون بتطلعات الفنان إلى المغاير. لقد كانت هذه التنظيرات والتطبيقات بمثابة المفتاح المسرحي الذي حفز علىإثارة  الجدل  بين مختلف الإختصاصات الفنية والتقنية والتشكيلية وعلا