السنة الثانية                     مؤسسة  ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية                         آخر تحديث  28 - 2 - 2005

 

 

مسرحية

البطل

تأليف

محمد سيف

تالتبيوس:

نعم، هذا هوَ المعسكر!

ميرينا، لا بدَ انهمْ قد اصطحبُوها مَعَهُمْ، بكلِ تأكيدٍ، وكلَّ من هي حية من الأسيرات أيضاً .. على الأقلِ سيكونُ لكِ قبرٌ ياميرينا ..

الأسيراتُ الطروادياتُ تمَّ تجْميِعُهُنَّ في هذا المعسكرِ القذرِ على الشاطئْ. أنا تالتبيوس المتحدثُ باسمِ اكاممنون، ملك ميسن واركوس، نعم الرسول، أنا الناطقُ الرسميُ، لقد عَيَّنَني مجلسُ القيادةِ كي أُراقِبَ هذا المعسكرِ، وكي اسهرَ على أنَّ كلَ شئٍ يسيرُ على ما يرامِ، وِفْقاً للنظامْ. مهمةٌ جديدةٌ بالنسبةِ ليْ، نعمْ .. مهمةٌ صعبةْ. كان يَلْزَمُنِيْ مثلَ اركوس الراعي، أكثرُ من مائةِ عينٍ وعينْ حتى أتمكَّنَ مِنْ حراسةِ قطيعي من الأسيراتِ؛ كي أتدخَلَ عندَ اقلِ تمرُّدٍ أو ثورةٍ؛ عندَ أيةِ محاولةٍ للانتحارْ من قبلِ إحدى الأسيراتِ الكثٌر، كي أتدخلَ عندَ كلِ حالةٍ اغتصابٍ تتعرضُ لها الواحدةُ تلو الأخرى!

آه .. إني أراكُنَّ جميعاً، مُكدَّساتٍ، مُقيَّداتٍ، يلتَهِمُكُنَّ الدودُ، يفترسكنَ الخوفُ .. فيجبُ على أسيراتِ الحربِ تحملُ كلِّ شئٍ. إن زوجةَ العدوِ أو ابنةَ المهزومِ تلك، لا تساوي اكثرَ من قِدْرٍ أو قدمٍ من الأقدامِ التي يوضعُ عليها القدرُ لحظةَ الطهي، أو اكثرَ بقليلٍ، بغلةً، أو حصاناً أو ربما حتى عربةً، هذا إذا كانتْ جميلةً وتنتسبُ لعائلةٍ من العائلاتِ. أما إذا كانتْ أميرةً، فمصيرُهُا متعةٌ من مُتَعِ الزعماءِ والقادةِ، اوكيب ملكةُ طروادة زوجةُ بريام، سوفَ تكونُ جاريةً لأُِوليس آتاك، اندروماك الكنه، زوجةُ الابنِ، رفيقةُ هيكتور البطلِ الطرواديِ العظيمِ، بيروس ابن أخيل مَنْ يَستحِقُّها، وكاسندرا الوريثةُ، الأميرةُ الملكيةُ، كاهنةُ ابلون ذاتُ النبوءاتِ الغامضةِ، كاسندرا اكاممنون أرادهَا أنيسةَ مضجعهِ. عليهِنَّ بالذاتِ، كان يتوجبُ علىَّ السهرُ، على هؤلاء المسبياتِ الثلاثِ من عِلْيةِ القومِ المسجوناتِ هنا على حده ..

نعم .. مهمةٌ حساسةٌ، وفي ظروفٍ مشابهةٍ تعتبرُ من اخطرِ المهماتِ. وعلى عكسِ جميعِ التوقعاتِ، فإنَّ الرياحَ لم تأتِ، كانَ من المستحيلِ اتخاذُ قرارٍ برحيلِ الجيوشِ، الرياحُ لا تأتي أبداً حينما يجبُ، سُفُنُنَا التي لا تنفعُ في مثلِ هذه الحالةِ بقيتْ تتمايلُ متململةً على الشاطئِ، بينما كان القادةُ الإغريقُ حانقينَ من طولِ الانتظارِ، يتنازعونَ فيما بيْنَهُمْ على توزيعِ الغنائمِ، يتساومونَ بجشعٍ، وهذا ما كانَ يشغلُ نهاراتِهِم. أما أنا فَلَمْ أكُنْ عاطلاً عن العملِ: كانَ يجبُ أن تُوَزَّعَ الأسيراتُ المجهولاتُ وجميعُ فتياتِ طروادةَ الجميلاتِ على القادةِ وجُنُودِهِمْ، كيفما اتفق؛ أُسنِدَتْ لي، أنا تالتبيوس، هذه المهمةُ، كان يجبُ عليَّ الحرصُ على أن يتمَ السحبُ بالقرعةِ وبالعدلِ. وبهذه الطريقةِ، فكلُّ فتاةٍ ستحظى بِسَيِّدِهَا، مع ذلكِ، واحدةٌ فقط من هذهِ النسوةِ الرهيناتِ ستتجنبُ هذا القدَر، لأنها، وبكُلِّ بساطةٍ، قد وُهِبَتْ إليَّ، نعم .. إليَّ أنا الرسولُ بتوصيةٍ خاصةٍ شكراً لي على الخدماتِ الجليلةِ التي قدمتُها، لقد منحني آكاممنون شرفَ الاختيارِ مثلما ما يفعلُ القادة.

آكاممنون:

هيا، أيَّهُنَّ تختارُ يا تالتبيوس؟

تالتبيوس:

إذا كانَ ذلك ممكناً، فهي ميرينا التي اختار.

آكاممنون:

خيارٌ صائبُ يا رسولي العزيز، فهي من أكثَرِهِنَّ سحراً وجمالاً، وسوفَ تستخدمها. أنا متأكدُ من ذلكِ، خيرَ استخدام.

تالتبيوس:

ميرينا يا اصغرَ فتيات اديوس سناً، اديوس .. رسولُ الملكِ بريام، أنت مثلي في معسكرِ العدوِّ، أديوس لقد متَّ من غيرِ شكٍ، وهكذا سوف أجنبُ ابنتكَ ميرينا تعاسةَ أن تكونَ خادمةً لأي سيدٍ أو لأي وحشٍ من الجنود .. ميرينا ..

ولكن ما الذي يجري، اوكيب، الملكةُ اوكيب تظهرُ على بابِ دارهَا منثورةَ الشعرِ، تتقدمْ، تطلقُ صرخةً حادةً، نداءً مُمَزِّقاً، اتركوها، اتركوها تفعلْ، عند نداءِ مَلِكَتِهِنَّ، تسكتُ الأسيراتُ، لا أحدَ يتحركُ، صمتاً، سوفَ تتكلم:

رفيقاتِ الشقاءِ، صاحباتِ الشعرِ المنثورِ الحر، جَهِّزْنَ أنفُسَكُنَّ للحدادِ، يا منْ نُزعتْ ومزقتْ ثيابُهُنَّ، نعم .. عارياتٍ حتى البطونِ، حتى الخواصرِ، جَهِّزْنَ أنفُسَكُنَّ للحدادِ، لأيِّ زوجٍ، قولي لي، تحجبين جَسَدَكِ، ولأيِّ خطيبٍ تحافظينَ على حِشْمَتِكِ، الحشمةُ هي أيضاً حبيسةٌ في مثلِ هذهِ الأمكنة، إستعدنَ نبراتِكُنَّ العزائيةَ القديمةَ، إستعِدْنَ بكاءَكُنَّ المُتساقِطَ كالشلالِ، يا نسوةً، تجاوزنَ أنفُسَكُنَّ، وعندما تُصْبِحْنَ حُرَّاتٍ، نعم حُرَّاتٍ سوف تصبح معاصِمُكُنَّ، حرّاً سيكونُ غضَبُكُنَّ المجنونُ.

عند خطاب ملِكَتِهِنَّ، غرفتْ الأسيراتُ بأيدِيهِنَّ رماداً مازالَ جمراً، وعَفَّرْنَ بهِ أجسادَهُنَّ، هذا كُلُّ ما تَبَقَّى لَهُنَّ، هذا كلُّ ما سيحْمِلْنَهُ من أنقاضِ مدينَتِهِنَّ: وُجُوهٌ، رِقابٌ مُلَوَّثَةٌ بِرَمادِ طروادة المشتعلِ حرارةً، من الأكتافِ حتى الخواصرِ، أثْوابُهُنَّ سقطتْ، عارياتِ الصدورِ، للضربِ جاهزاتٍ، وهن يصْرُخْنَ، يصْرُخْنَ:

يا خادمَ اكاممنون، يا خادمَ اكاممنون، يا خادمَ اكاممنون، هكذا كُنَّ يُنادِينَ عليَّ، هاهُوَ الرسولُ، صاحبُ الأنباءِ المشؤومةِ، خادمُ "الاتريد" اكاممنون الشنيع، هذا ما كنَّ يهْمِسْنَ به ضاحكاتٍ عند مُروري، هذا ما كنَّ يَلْهَجْنَ بهِ ضاحكاتٍ من خلفِ ظهري. صحيحٌ ما يُقالُ، إنَّ الرُّسُلَ هُمْ أذِلاَّءُ، أذِلاَّءُ ومتغطرِسُونَ، ولِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ من الحُكَّامِ وذوي النفوذِ، يعتقدونَ أَنَّهُمْ يعرفونَ كُلَّ شأنٍ، في حين انهُمْ لا يعرفونَ إلاَّ اكثرَ بقليلٍ من الآخَرينْ، أقلَّ شيءٍ قبل الآخرين! لاشيء اكثرَ ولا اقلَّ، هذا كلُّ شيءٍ.

ذليلاً، متغطرساً هذا ما كنتُ عليه، ذليلاً متغطرساً .. هذه عيوبُ المهنةِ، لم أقمْ إلاَّ بإطاعةِ الأوامرِ ولا شيءَ آخرَ سِوى ذلك. الطاعةُ والخضوعُ .. ما زلتُ أتذكَّرُ، كَمَا لَوْ كانَ ذلكَ البارحةَ، لم أكُنْ إلاَّ طفلاً، عندما رأيتُ للمرَّةِ الأولى وُصُولَ رسولٍ لملكِ ميسن واركوس في ساحةِ القريةِ ..

الرسول:

نحنُ الإغريقُ، كانَ يقولُ، تضيقُ بنا أراضينَا الجَّافةُ، لم يَعُدْ بإمكاننا إطعامُ أطفالِنَا، في حين أنَّ الطرواديين لديهمْ ثرواتٌ طائلةٌ لا تُحْصى، لديهم الفضاءُ اللاَّمُتَنَاهي، في حوزَتِهِمْ مفاتيحُ أبوابِ آسيا، هُمْ سُعَداءُ جِدّاً، ونحنُ تُعَسَاءُ، همْ أغنياءٌ ونحنُ فقراءُ، وزيادةً على ذلك، إنَّهُمْ يَسْخرونَ مِنَّا، ينظرونَ إلينا كفلاحينَ، نعم يا أصدقائي، مِنْ عجرفةٍ كهذهِ، يجبُ أن ننتقمَ، تلكَ هي الرسالةُ التي يُبَلِّغُهَا لكُمُ الملكُ بواسطةِ فَمِي.

تالتبيوس:

هذا ما كانَ يقولُهُ ذلك الرسولُ السماويُّ، وأنا كنتُ أنظرُ إليهِ بإعجابٍ، أحسُدُهُ بالسرِّ، هُوْ مَنْ كانتْ كلماتُهُ المُحَلِّقَةُ تُنيرُ سماءَ أيَّامِنا الكئيبةِ. منذ ذلك الوقتِ، أحببتُ أن أكونَ رسولاً، إذنْ، كنتُ أتمَرَّنُ بلا توقُّفٍ على تقليدهِ، جامعاً حولي أولادَ القريةِ، محاولاً سحرَهُمْ وجذْبَهُمْ بكلماتٍ، كنتُ أجدُ صعوبةً في فهمِ معنَاهَا، الآن أعرفُ ذلك، هكذا تجري الأشياءُ، نتسلَّحُ بعباراتٍ، عباراتِ بُغْضٍ قبلَ التسلحِ بالسيفِ وبالدرعِ. إن عباراتِ البغضِ والحقدِ هذهِ نصدقها في نهايةِ المطافِ. وهكذا تبدأُ الحربُ قبلَ أن ندركَ أنها قد بدأتْ، بعدَ الطعنِ بالكلامِ، يأتي بشكلٍ طبيعيٍّ الطعنُ بالرماحِ، عند ذاك يكونُ قد فاتَ الأوانُ.

والأكثرُ من ذلك، إن غضَبَنَا لم يعدْ يعرفُ حدودَهُ، حينما عادَ إلينا نفسُ الرسولِ ليخبِرَنَا عن اختطافِ هيلين زوجةِ مينلاس ملكِ اسبارطه من قبلِ باريس الشاب، ابن بريام ذاته. هيلين.. هيلين .. في فراشٍ طرواديٍّ .. هيلين الحُجَّةُ الدَّسِمةُ لإيجادِ تفسيرٍ للحربِ، من كانَ باستطاعته العثورُ على تبريرٍ أفضلَ .. القتالُ من اجلِ شرفِ امرأةٍ أُهِينَتْ، أيُّ دافعٍ للحربِ اجملُ من هذا بالنسبةِ للمُحاربِ.

كانت تنتظِرُنا سفنُ آكاممنون على المرفأِ، كبيرةً كانتْ فرحَتُنَا في أن نركبَهَا ونُبْحِرَ،؛ في أن نشاركَ أخيراً في هذهِ الرحلةِ؛ في هذه المغامرةِ البطوليةِ التي كنا ننتظرُهَا جميعاً بفارغِ الصبرِ. إلا إنني على هذا المركبِ الذي كانَ يُقِلُّنَا إلى طروادة، وبعد مضي أُولى لحظاتِ الحماسِ، سرعانَ ما اكتشفتُ أنني اكرهُهَا، تلكَ الحربَ ذاتَ الصرخاتِ المُريعةِ، أكرهُ الأناشيدَ والغناءَ الممتلئَ عجرفةً وشجاعةً مقيتةً، أكرهُ الشتائمَ الموجهةَ لعدوٍّ مكروهٍ على الرغمِ من انهُ ليس معروفاً بعدُ، أكرهُ الأوامرَ الغبيةَ، المضايقاتِ والمشقَّاتِ، ونقصَ الأمكنةِ والممراتِ الضيقةِ بحيث لم يكن باستطاعتنا التمددُ ولا إيجادُ لحظةٍ للراحةٍ، أكرهُ ذلكَ الاختلاطَ، والاحتكاكَ المزعجَ، كل ذلك كان يُقرفُني ويُقزِّزُنِي.

لحسن حظي، اكتشفوني بفضل صوتي، الرنانِ، المُدوِّي، الشبيهِ بصوتِ إلهٍ، مثلما كانَ يقالُ لي، وبسبب

فصاحَتي وحِسِيَ البليغِ بالعباراتِ الجميلةِ. وما أن رسا الأسطولُ حتى جَعَلَ مني الملكُ آكاممنون رسولَه وناطقَه الرسمي: في نقلِ الرسائلِ؛ في الإعلانِ عنها، ودعوةِ مجلسِ الجيشِ كلِّهِ للانعقادِ، تنظيمِ الحفلاتِ والتضحياتِ. ذلك كانَ دوري، ومثلما كانَ يتطلَّبُهُ هذا الدورُ، لم اكنْ أحملُ سلاحاً، فقط الصولجانَ رمزَ منصبي، لذلك قضيتُ مُدَّةَِ الحربِ من دونِ المشاركةِ في معارِكِهَا التي كانت طاحنةً. لم اكن قادراً على القتالِ، ولا يتوجَّبُ على العدوِّ أيضاً قَتْلي، لأنَّ قتلَ رسولِ حربٍ جريمةٌ خطيرةٌ جدّاً. إنها تشبِهُ إلى حدٍّ كبيرٍ قتلَ الكلامِ الإلهيِ، ذلك الكلامُ السماويُّ الذي يتجلى من خلالِ صوتي.

إنَّ الرياحَ لا تأتي حينما يجبُ. سُفُنُنَا غيرُ مُجديةٍ بقيتْ تتمايلُ على حافةِ الشاطئِ، القادةُ الإغريقُ سلَّموا أمرَهُمْ لكلشاس العرافِ الذي أعلنَ هذا الأخير:

يلزمنا كَبشُ فداءٍ، نضعُهُ على قبرِ أخيل ميِّتِنَا المجيدِ، لتُقَدّم بولكسن اصغرَ بناتِ اوكيب وبريام قرباناً. هكذا تتكلمُ الأقدارُ .. ليقودَها بيروس ابن أخيل نحوَ قبرِ أبيهِ، ولكنَّ هذا ليسَ بكافٍ، الأقدارُ تريد دماءاً، يلزمها دماءٌ أكثرُ، لنُلْقي منْ اعلى قمةِ بُرْجٍ ابنَ هيكتور استياناكس آخرَ سُلالة بريام، هو أيضاً يجبُ أن يموتَ، حينها فقط .. حينها يمكن لأشرعةِ السفنِ الإغريقيةِ الألفِ أن تبحرَ وان تركبَ البحرَ، حينها فقط، حينها سوفَ نتخلصُ تماماً مِنْ سلالةِ بريام وهكتور الملعونةِ ..

آه .. أيُّ هذيانٍ هذا .. وأيُّ جنونٍ .. كل هذا الكلامِ المجنونِ، كان عليَّ أنا أن انقُلَهُ .. كانَ عليَّ أن أطبِّقَهُ .. نعم .. ولقد كانَ علىَّ ايضاً أن أُخبرَ اوكيب المفجوعةَ بموتِ بولكسن ..

وكانَ علىّ أن انزَع من اندروماك الحزينةِ ابنَهَا استياناكس .. لقد حَمِلْتُ بقايا جسدِ هذا الطفلِ المهَشَّمِ من عتباتِ اعلى برجٍ في المدينةِ، وغسلتُ جراحَهُ في مياهِ النهرِ، ثم أعدتُهُ للمعسكرِ حتّى ندفنَهُ هناكَ .. آه .. يالها من مهمَّاتٍ كريهةٍ وبشعةٍ .. تثقلُ قلبي وتَمْلأُنِي بالدموعِ .. ولكن تلك، كانتْ هي الأوامرُ .. آه .. كم كنتُ جباناً .. الآن افهمُ إلى أيِّ حدٍّ أصبحتُ أنا أيضاً بلا شعورٍ .. آه .. إلى أيٍّ مدىً أصبحتُ قادراً ومعتاداً على القيامِ بأشنعِ الأمورِ .. نعم .. الجريمةُ تبقى جريمةً .. حتى وإن كانت أمْراً مأموراً ..

في وسطِ هذه المآسي .. كانتْ هناك ميرينا .. شعاعُ شمسٍ في ظُلُماتِ المعسكرِ .. في ظُلُماتِ هذهِ الحربِ التي لا تريدُ أن تنتهي ..

ما إن تمكنتُ من ذلك، حتى جعلتُهَا تسكنُ خيمتي .. بما أنني كنتُ سيِّدَهَا، أتيتُ بِها إلى خيمتي لتتخلَّصَ من قذارةِ ووساخةِ المخيماتِ .. مع ذلك لم تُبْدِ أيَّ اعترافٍ بالجميلِ .. كان يجبُ أن أتوقعَ ذلكَ مثلما كان يُفترضُ بي أن أتفهمَهُ .. عندما كنتُ أدنو منها، كانتْ تلتزمُ الصمتَ ويرتسمُ على ملامحِ وجهِهَا التقطيبُ .. كنتُ أحاولُ أن أكلِّمَهَا .. أكلمها .. أكلمها .. أكلمها كي اكسرَ حدةَ الصمتِ .. وهي ربما فهمتْ وهي تسمعُنِي أتكلمُ .. أنني لم اكنْ إلا خادماً .. إلا حارساً للمساجينِ ..

اعتقدتُ ذاتَ صباحٍ أنها تودُّ أن تكلِّمَني، عندما أحسَّتْ، فجأةً، بضعفٍ وبدورانٍ أقلقني، إلا أنَّها تجرَّأتْ وقالتْ:

هذه الخطيئةُ التي في داخلي!

تالتبيوس:

خطيئةٌ.. أيّةُ خطيئةٍ؟!

ميرينا:

عندما اقتحمتْ جيوشُكُمُ الهائجةُ مدينتي، عندما انتهوا من قتلِ جميعِ الرجالِ الأصحاءِ، توجهوا نحوَنا، نحنُ الطروادياتُ، لقد طاردُونا حتى أعالي المدينةِ .. طاردُونا حتى بواباتِ معبدِ المدينةِ، بل طاردُونا حتى حُرْمَةِ المذبحِ المقدسِ .. وهنا .. آه .. ليسَ لدي كلماتٌ كافيةٌ لوصفِ ما حصلَ .. من شناعةِ هذه الجريمةِ بقي في داخلي أثرٌ .. نعم .. إنِّى احملُ في أحشائي طفلاً من واحدٍ من الذينَ ارتكبوا بحقي هذه الوحشيةَ!! .. لا أريدهُ .. إذا ربَّيْتُ هذا الإغريقيَّ .. بعد عشرينَ عاما .. ربما سيقتلُ أهلي .. لا أريدُ أن أراه وإلا قتلتُهُ ..

تالتبيوس:

لا يصحُّ أن تقولي مثلَ هذا .. هذا الطفلُ مثلَ أيِّ طفلٍ آخرَ يحقُ لهُ أن يعيشَ .. فهو ليس له دخلٌ بأيِّ شيءٍ .. نعم هذا الطفلُ يجب أن يولدَ .. وسوف يكونُ ابنَكِ .. وابني .. نعم ابني .. سوفَ اعتني بهِ كما لو انهُ ولَدِي .. إنني أعِدُكُ بذلك..

لقد أجابتني بابتسامةٍ صفراءَ .. ابتسامةٍ على أيَّةِ حالٍ وقد ظننتُ أن الثقةَ فيما بيننا قد توطدتْ. كنتُ أقوم لأجلها .. لأجلي من خلالها بمشاريعَ مستقبليةٍ .. لقد صارتْ ميرينا بالنسبةِ لي كلَّ أملى .. كلَّ مستقبلي . وقد كنتُ كما لو أنني من خلال الوعودِ أجدُ تعويضاً .. عُذْراً للذنبِ الذي فعلتُهُ .. للذنبِ الذي كنتُ افعَلُهُ .. وتصورتُ نفسي ادفعُ بهذهِ الطريقةِ ديْني .. ديْنِي لأديوس .. ديني لبولكسن .. ديني لستياناكس .. ديني لكلٍ من الطرواديين .. آه .. كمْ كنتُ ساذجاً..

تالتبيوس:

الرياحُ أتتْ ..هاهو النسيمُ الملائمُ .. جهِّزوا الأشرعةَ، ستبحرُ السفنُ التي ظلتْ لفترةٍ طويلةٍ تتمايلُ على الشاطئِ .. عند سماعِ صوتيِ، خرجتِ الأسيراتُ المذعوراتُ من المخيماتِ .. من جهتي، بقيَ لي أمرٌ واحدٌ:

لِيُهْدَمَ هذا المعسكرُ، وَلْتُمْحَ آثارُهُ كُلُّهَا..

أوامري نُفِذَتْ بحذافيرها، نَرى ألسنةَ المشاعلِ وهي تحرقُ الخيامَ في كلِّ مكانٍ، صِرنَا نَرى النيرانَ على امتدادِ البصرِ .. بسرعةٍ يجب أن نبحرَ .. ها هي السفنُ الآنَ تبسطُ أشرعَتَهَا .. وهاهُوَ الأسطولُ بأكملهِ يمْخُرُ عبابَ البحرِ .. إلاَّ أنَّ صرْخَةً تعالتْ، فجأةً، من جهةِ قطيعِ الأسيراتِ .. صرخةً .. ثمَّ ثانيةً .. ثم ثالثةً .. وصارتِ جميعُ الطروادياتِ يصرُخْنَ .. يصرخنَ خوفاً وذعراً .. وكان مصدرُ هذا الصراخ .. آه .. يا إلهي .. هو ميرينا ..تَحَلَّقْنَ جميعُهُنَّ.. نعم .. جميعُهُنَّ حولَ ميرينا وحولَ الشيءِ الذي قذفتْ به من بطنِهَا .. وكان هذا الشيءُ الذي ألقتْ بِهِ من أحشائها كرةً من لحمٍ وعلقمٍ ودمٍ .. ابنَنَا ميرينا ..

لا .. ميرينا .. لا تفعلي هذا ..

بانتفاضةٍ أخيرةٍ وبطاقةٍ غيرِ معقولةٍ، مزاحمةً رفيقاتها، ألقتْ بنفسها على أحدِ رجالِ الموكبِ، وبيديها الهزيلتينِ النحيلتينِ، انتزعتْ سيفَهُ وبنفسِ الحماسِ والاندفاعِ غرسَتْهُ في قلبها. الدمُ يفورُ، يسيلُ مثلَ وردةٍ حمراءَ بين ثدييها الناهدينِ، ميتةٌ هي الآن، تسقطُ حاضنةً جثَّةَ ابنِهَا بجسَدِهَا.

الكلُّ يتوقفُ، مسكوناً بالذُّعرِ، أبواقُ السفنِ كانتْ تنادينا مُلِحَّةً، كلُّ الأنظارِ توجَّهتْ نحوي قلقةً: أريدُ أن ارحلَ .. أريدُ أن أبقى .. هذا هو آخرُ أمرٍ لي.. هذهِ هي آخرُ نذالةٍ لي: تقدَّموا .. تقدمُوا.. نذالتي الأخيرةُ هي أنني تركتُ هنا من دونش أي قبرٍ جَسدَ ميرينا، وجسدَ ابنِهَا. يا أيتُهَا الآلهةُ، لماذا لم تَصعَقيني في تلكَ اللحظةِ على الفورِ. كيفَ يَحدُثُ إذن، أنَّ بعضَ الأشخاصِ يتحَّملون اقلَّ من غيرهِمْ من العذابِ والألمِ في حالاتٍ مُتشابهةٍ، ألأنهم أحرارٌ أكثرَ؟

نعم .. إنهمْ أحرارٌ اكثرَ من الآخرين. فالنفوسُ الحرَّةُ لا تؤمنُ بالأقدارِ المحتمةِ، وروحُ ميرينا كانت واحدةً من تلكَ النفوسِ. نعم بالتأكيدِ هي كذلك، أينما تكونُ الآنَ. فرُوحُها اكثرَ من أي روحٍ، لم تكنْ تتحَّملُ القدرَ الذي كانت تقاسيهِ. وأبداً لم تكن تنوي الاستسلامَ لهُ.

وأثناءَ ذلكَ الوقتِ، وفي إحدى زوايا السفينةِ التي كانت تشقُ موجَ البحرِ متَّجهةً نحوَ اليونان، كانَ آكاممنون يغتصبُ عذراءَ ابولون مُعَرِّضاً إياها لشتى صنوفِ الإهانةِ والذلِ مثلهُ في ذلك مثلَ ارخصِ جنديٍ في تَعامُلِهِ مع عامةِ الأسيراتِ.

أنا كنتُ اعلمُ بما كانَ يحدثُ، فهو لم يكنْ يُخفي عليَّ مثلَ هذهِ الأمورِ. بل على العكسِ كانَ يَتبجَّحُ بها. في حينها كنتُ افهمُ أنِّي لم اكُنْ أساوي بالنسبةِ له اكثرَ مما يساوي كلبٌ لسيدهِ، فلقدْ كانَ قادراً على اطلاعي على كلِّ شيءٍ، لأنَّ جميعَ تلكَ الأشياء، بالنسبةِ إليهِ لم تكن لها أيَّةُ أهميةٍ؟! وكان هذا النوعُ من الرجالِ يُعجبني، كانَ يعجبني وفي نفسِ الوقتِ يُخيفني اكثرَ من أيِّ رجلٍ آخرَ خلالَ كلِّ تلكِ السنواتِ.

كنتُ أتذكرُ مفرداتِ كلماتي، عندما أعلنتُ لاوكيب الملكةِ، خِيَارَ اكاممنون:

إن الذي يشُدُّ الملكَ إلى ابنَتِكِ كاسندرا، هو عُذريَّتُهَا النبَّيةُ المقدَّسةُ، وأضفتُ زيادةً على ذلك، ماذا تريدينَ اكثرَ من ذلك، مشاركةَ ملكٍ كبيرٍ مثل اكاممنون الفراشَ، هذا ليس بالأمرِ السيئِ أو المعيبِ ..هه ..هه..

دودةً كنتُ .. ذليلاً ومتعجرفاً.. ذليلاً .. نعم .. كنتُ جِدَّ ذليلٍ

على هذا النحوِ كنتُ أفكرُ متكئاً على مقدمةِ تلك السفينةِ الحزينةِ. كنتُ كَمَنْ يجرفهُ تيارٌ من الأفكارِ، كَمَنْ تعصفُ في داخلِ رأسهِ رياحٌ عاتيةٌ.

وكنتُ أفكرُ، إنني من قبلُ لم اكن أفكرُ أبداً، إنني لم افعلْ شيئاً غيرَ تنفيذِ الأوامرِ، مثلَ إنسانٍ آلي لا يطرحُ أسئلةً. آه .. نعم .. لقد قضيتُ سنواتِ الحربِ جميعَها تلكَ في حالةِ محوٍ كانت تبدو لي ملائمةً، سعيداً جداً بدوري، سعيداً جدّاً بمكانتي.

أنا الرسولُ النجيبُ ذو الحنجرةِ الرنانةِ، أيَّ أبكمٍ .. أيَّ أخرسٍ قد كنتُ؟!

في هذهِ الأثناءِ تشكلتِ الغيومُ فوقَ البحرِ، ومن ثمَّ بدأتْ تكبرُ وتتضَخَّمُ وتتضَخَّمُ اكثرَ فاكثرَ. كتلتُهَا السوداءُ غطَّتْ قرصَ الشمسِ، هديرٌ قويٌ مدوٍّ يُنْذرُ بالعاصفةِ، ارتفعتْ أمواجُ البحرِ، مثلَ سيوفٍ قاطعةٍ مريعةٍ ترتفعُ نحوَ النجومِ، لمْ تعدْ هنالكَ سماءٌ، الرياحُ تعصفُ مِنْ كلِّ صوبٍ، رياحُ الغربِ اصطدمتْ برياحِ الشرقِ، رياحُ الجنوبِ تواجهُ رياحَ الشمالِ، الظُلماتُ انتصرتْ، اصبحَ النورُ أسيراً، تلكَ هي الليلةُ الليلاءُ التي تشبهُ عتمةَ الجحيمِ وظلُماتِهِ. البحارةُ تخلوا عنْ مجاديفِهمْ بعد أن افترسهُم الخوفُ وبدأ المركبُ يدورُ حولَ نفسِهِ.

الأسيراتُ خَرَجْنَ من مخابئهنَ مستغلاتٍ حالةَ الذعرِ العامِّ هذهِ. وكاسندرا على رأسِهِنَّ، وكلُّهُنَّ يُسرعْنَ متحلقاتٍ حولَ النبيةِ الشابةِ التي ترفعُ عالياً مشعلاً بيديْها. لم ينطفئ المشعلُ على الرغمِ من العاصفةِ. مجنونةُ ابولون كاسندرا تغني نشيدَ انتصارٍ.

كاسندرا:

اصعَدي يا نيراني اعلى ثُمَّ أعلى ثُم أعلى حتى السماءِ، يا أيتُهَا الطروادياتُ، أين هي أثوابُكُنَّ، أين هي زينتُكُنَّ وتبرجُكُنَّ للعيدِ، يجبُ أن نهلهلَ فرحاً.. ليللل .. ليللل.. ليللل.. ردِّدْنَ معي .. ليللل .. صمتٌ .. استَمِعْنَ إليَّ: سوف يموتُ الملكُ وبسببي، نعم .. بسببي أنا، منزلُهُ سوفَ ينهارُ ويتداعى، سوفَ اقضي على سلالَتِهِ مثلما قضى على سلالتِنَا... ها هو زمنُ الضحكِ.. نعم .. الضحكُ حتى القهقهةِ. يا ملكَ الملوكِ .. يا أيها الزعيمُ الأعلى.. أنتَ الذي تبدو في كلِ الحالاتِ متعالياً على القدَرِ.. سوفَ يبتلعُكُ الليلُ .. سوف يُرمى بجَسَدِكَ في قاعِ وادٍ إلى جنبِ جثَّتي.. أصدقاؤُكَ النسورُ سوفَ يأكلونَنا سويَّةً .. أنتَ الملكُ .. وأنا المجنونةُ .. سوف تجمعنا المناقيرُ الحادةُ للجوارحِ نفسِهَا في الموتِ.

وفجأة، أحسستُ انَّهُ بالقربِ مني، عيناهُ تحدقانِ فيها:

- هل تسمعُ يا تالتبيوس .. هل تسمعُ ما تقولُهُ .. أه .. تلكَ اللعناتُ تبقى دائماً ذاتَهَا.

- نعمْ .. يا أيها الملكُ العظيمُ .. إني أسْمَعُهَا

- يبدو انكَ الوحيدَ الذي يُحافظُ على برودةِ أعصابهِ على سطحِ هذهِ السفينةِ .. دَعْهَا تَصْمُتُ على الفورِ.

- أنا ؟!

- نعم أنتَ يا تالتبيوس .. أطفِئْ هذا المشعلَ الملعونَ على الفورِ.

- لا

- ماذا؟

- أقول .. لا

- هذه النيرانُ مقدسةٌ .. انظرْ، حتى العاصفةُ لم تَقْدِرْ على إطفائِهَا .. إنّ ما تقولُهُ كاسندرا أومنُ بِهِ .. أنا أُومِنُ بِهِ

- ماذا تقولُ يا خادم .. صرتَ تتكلمُ الآنَ وأصبحتْ لديكَ كلماتٌ خاصةٌ؟ هذه هي المرةُ الأولى؟ هل جُنِنْتَ بدوركَ

أنتَ أيضاً .. اقبضْ على تلكَ المرأةِ .. هيا أطفئْ نيرانَهَا.

- لا .. أبداً .. أبداً .. بعدَ الآنْ.

- أه .. خائنٌ. سوفَ تدفعُ الثمنَ ..