|
الشخصية الدرامية (ريتشارد الثالث)
في ضوء علم النفس الفردي
لالفريدادلر
الدكتور
طارق العذاري
أستاذ مساعد كلية الفنون الجميلة / جامعة البصرة
يعد الكاتب المسرحي الانكليزي وليم شكسبير من اهم كتاب المسرح
على الإطلاق ، لما تتسم به اعماله من تجليات خالدة على صعيد الفكر
و القيم الفنية ، حيث ابدع في رسم ملامح شخصيات عظيمة في عوالمها
الداخلية وطموحاتها ، ويمكن أن نطلق عليه –عن جدارة – بانه مصمم
كبير للنفس البشرية ، وتتراوح شخصياته بين العاطفة الجياشة
والغيرة القاتلة (عطيل) الى العقل والتردد (هاملت) الى الطموح
المرضي للسلطة (ريتشارد الثالث) الى غير ذلك من انواع التراكيب
السايكولوجية للشخصيات .
ان عمق شخصياته وتنوعها جعلها مثار جدل ونقاش منذ القرن
السابع عشر حتى الوقت الحاضر ، وكلما استجد جديد في الفكر البشري
ومنظار اخر ،اُسقط على احدى شخصيات شكسبير الخالدة .
ويعد القرن التاسع عشر قرن الأديولوجية حقاً ، حيث ظهرت فيه
الفلسفات بأختلاف اجاهاتها المادية ، المثالية ، و كشوفات علم
النفس ، واستنتاجات دارون في اصل الانواع ، والنظريات الطبقية
الاقتصادية ، وغيرها .
كانت تلك الاكتشافات و في كل الميادين بمثابة منظور جديد
للناقد ، يساعده على اكتشاف مكنون عوالم شخصيات شكسبير، فدخل
الصراع الطبقي في تحليل مسرحيات شكسبير مثل (روميو و جوليت) حيث
كان الصراع محتدم بين عائلة مونتاغو و عائلة كابيوليت و اصبحا (روميو
و جوليت) الضحية ، وجاءت نظريات التمييز العنصري تطبق على شخصية (عطيل)
المغربي الاسود ، وفلسفة العبث و التردد عند (هاملت) ، و كان
لانقسام العالم الى معسكرين اشتراكي ورأسمالي بعد الحرب العالمية
الثانية دور كبير في تعميق وتنويع وتعدد مثل هذه التحليلات و
التفسيرات الخلابة ، فالمعسكر الاشتراكي ونتيجة لايمانة السابق
بسلطة العوالم المادية والاقتصادية على الفرد ، له تفسيراته
الطبقية و الموضوعية في التحليل بحيث كان يولي الاهمية القصوى
للعوامل الخارجية (وسائل انتاج، علاقات انتاج) ولذلك فهي لاتعتمد
كثيراً على العوامل الذاتية و الداخلية للفرد ، وهذا ما لاحظناه
عندما قام المخرج الروسي (كوزنتسيف) باخراج هاملت للسينما ، والذي
حاول به ان يقرب صورة القلق العلمي و الطبقي في عصر شكسبير الذي
كانت فيه اكتشافات فرانسيس بيكون في اوجها ،و حياة الفلاحين و
صيادي الاسماك و بين حالات العصر الحاضر فكان اخراجة قراءة موضوعية
مقارنة بين عصرين بينهما خيط مشترك يمثله بؤس المجتمع و بروز
السؤال الفلسفي والدعوة الى العمل و التغيير .
ان مناهج القرن التاسع عشر و القرن العشرين اصبحت منظاراً
عميقاً للعودة الى نتاج شكسبير الخالد في القرن السادس عشر . و لم
يقتصر ذلك على التحليل الادبي والنقدي فحسب ، بل امتد الى العروض
المسرحية من خلال تحليل الشخصيات الرئيسية وتحديد ابعادها بالصورة
التي تتفق مع منهجية التحليل و فلسفته . فاصبح (هاملت) اكثر من
هاملت وكذلك (عطيل و مكبث و لير و ريتشارد الثالث) يتجددون في كل
عصر . ومن تلك المناهج التحليل النفسي الذي تزعمه (فرويد) في بداية
القرن الماضي ، الذي اكد فيه على (الانا- الهو – الانا الاعلى) و
على العزيزة (اللبيدو) وعقدة اوديب وارجع علاقة الرجل بامه الى
علاقة (اوديب الملك) بامه (جوكاستا). وهي علاقة جنسية لا شعورية
تدخل في كيان الولد الطفل منذ ولادته . بالضبط مثل (عقد الكترا) في
حب ابيها (اجاممنون) ومحاربتها لامها (كليتمنسترا) لقتل ابيها و
زواج الام لعشيقها (ايجستوس) .
ان هذه الدوافع الغريزية الفطرية صارت تفسر في ضوئها الكثير
من الشخصيات و منها علاقة (هاملت) بامه (جرترود) في مسرحية هاملت .
ولم يبقى فرويد وحده في ساحة المنهج النفسي بل ان كثير من
طلابه انشق عليه مثل يونج و ادلر(صاحب اسلوب علم النفس الفردي )
الذي اعتبر فيه ان لكل شخصية مقومات فردية خاصة لا يصح ان تعمم و
بذلك اختلف مع قوى الدوافع البايولوجية و الغريزية التي اسس عليها
فرويد نظريته والتي كانت برأي فرويد عالمية وتصلح لكل الاافراد
ومن هنا بدأ الاختلاف في الطريقة والاسلوب ضمن المنهج و الاسلوب
ضمن المنهج النفساني الواحد . ان شخصية (ريتشارد الثالث) التي
كتبها وليم شكسبير تتمتع بمزايا تفرد كبيرة جداً وسط عالم لايشبهها
في هيأتها او في اهدافها و دوافعها فكان اسلوب (الفريد ادلر) هو
الانسب في تحليل هذه الشخصية الفريدة وهي محاولة بسيطة على طريق
اكتشاف اهمية مثل هذه الدراسات بالنسبة لممثلينا الذين يقومون
بتمثيل مثل هـذه الشخصيات العظيمة دون تحليل او تفسير لاي شيء فيها
فيؤدونها بعتمة تفسد متابعة ذلك العمق السـامي والـجليـل .
المدخل :
تعد شخصية (ريتشارد الثالث) واحدة من تلك الشخصيات
الشكسبيرية التي تميزت بعمق ابعادها القابلة للتحليل والاجتهاد و
التفسير وفق معطيات العصر الحاضر وما وفر للباحثين من وسائل ومناهج
للتحليل يمكن ان نسلط الضوء من خلالها على شخصية (ريتشارد الثالث)
من عدة زوايا سواء كانت سياسية او اجتماعية او اخلاقية او نفسية
……الخ . وهذا ليس غريباً على عوالم وشخصيات (وليم شكسبير) لما
امتازت به من غنى وشمول انساني .
ان شخصية (ريتشارد الثالث) ، و في احد زواياها البارزه
يمكن النظر اليها من خلال النقد النفساني و بالتحديد وفق مدرسة
(الفريد ادلر) الذي (سمى اسلوبه الجديد علم النفس الفردي لانه يركز
على فردية كل شخص منكراً عالمية الدوافع البيولوجية و الاهداف التي
التي نسبها لنا فرويد) (م3،ص67) .
وما يعني بالقصور والشعور به يصبح دافعاً لكثير من الافعال
التي تتسم بحب السيطرة كتعويض ما كان ينقصه من اعضاء جسمانية او
تشوهات خلقية او ما يتيح من تصدع في العلاقة مع المجتمع ، بدأ
بالعائلة وانتهى بالمجتمع الواسع وتأسيساً على ما تقدم ومن خلال
تبني نظرية ادلر في تحليل شخصية ريتشارد الثالث لابد لنا ان نرسم
محددات نظرية ادلر النفسية لتكون لنا منطلقاً و هادياً لتحليل
الشخصية .
وهذه المنطلقات كما يحددها دارسو ادلر ..مايلي :
1.
القصور (الشعور بالنقص)
2.
السيطرة (الكفاح من اجل التفوق)
3.
اسلوب الحياة
4.
الذات الخلاقة
5.
الاهداف الوهمية
6.
الاهتمام الاجتماعي
1.القصور (الشعور بالنقص) :
من منطلق البدايـة بالمادة المعروضة للتحليل . تبدأ
المسرحية بمنلوج طويل يتلوه علينا (دوق جلوستر) الذي يصبح فيما بعد
(ريتشارد الثالث)-يوضح فيه ملامح الفسيولوجية التي تحدد فيما بعد
سلوكه ازاء محيطه
(اما انا ،
الذي لم اسو في خلقه تبيح لي ان امارس افانين الحب
ولما خلق
لامتع النظر بصورتي على مرآة حبيبة
انا الذي
خلق على عجل و لم يؤت من جمال المحبين
مايخطر به
امام حسناء مختالة لعوب
انا الذي
حرم اتساق القسمات
وزيفت
الطبيعة الخادعة بنيته
انا المشوه
المنقوص الذي ارسل قبل الاوان
الى هذا
العالم النابض بالحياة ولما يكد يتم خلقه
انا الذي
تنبحه الكلاب اذا وقف عليها
لما تراه من بالغ عجزه وغرابة هيئته) (م:2،ص38) .
ان هذا المنلوج الطويل يوضح الى حد بعيد موقف (ريتشارد
الثالث) من العالم ومن نفسه ، حيث يقف بمفرده ازاء ما يحيطه ، وقد
كان (شكسبير) عظيماً عندما جعل (ريتشارد) يتلو حواره هذا وهو يقف
بمفرده ، دون مجد اول الامر ، حيث انطلق من نقطة البداية أي جعله
يوضح نقصه مما يجعل الدوافع واضحة امام المتلقي حيث (اعتقد ادلر
بان شعور النقص العام موجود دائماً ومهم كقوة مؤثرة في السلوك)
(م:3،ص70) .
يتضح القصور من الحركات الجسمانية و الايماءات و الحوار
الذي يطلقه فها هو يكرر (انا حرم) و (انا المشوه) و(انا تنبحه
الكلاب) و الى اخر تلك النعوت التي يعكس فيها حقيقته امام نفسه
اولاً والتي تجعله قاصرامام الاخرين ثانياً و كلما يواجهه الاخرون
بحقيقته وقصوره الفسلجي يواجه نفسه بقسوة ، حيث يصف نفسه .
(ريتشارد :-انا الاعرج المشوه بصورتي هذه ) (م:2،ص164).
ان تفرده بنفسه و انزوائه مع قصوره خاصة وان (وجد مثل هذا العضو
القاصر يؤثر دائماً على حياة الشخص النفسية لانه يحقره في نظر نفسه
ويزيد شعوره بعدم الامن)(م:4،ص595).
كما يؤثر ايضاً على سلوكه مع نفسه ومحيطه لانه يولد حالة من
القلق وعدم الأطمئنان على مصيره في العالم الذي يتصارع معه ويضمر
له الشر (هذا الشعور بعينه هو الذي يدفع الفرد على بذل المزيد من
الجهد لتعويض هذا الشعور بالقصور )(م:4،ص595). وان يمارس ويحقق هذا
التعويض في محيطه على صعيد الافراد الذين يقاسمونه العيش . ولكن
هذا القصور الفسلجي لابد ان يصاحبه نقص في السلوك وفق تقاليد و
اعراف المجتمع لاسيما اذا كان (الشعور بالنقص ناشيء عن قصور عضو او
عدم كفاية في المحيط اقوى من المعتاد قد تنشأ انواع الاضطرابات
والتغييرات الجسدية و العاطفية و العقلية التي تظهر بكل عواطف
عوارض عصابية وذهانية)(م:5،ص142)فهذه الاضطرابات والتغيرات حالة
طبيعية بالنسبة للمصاب بشعور النقص و للمجتمع ، اذا كانت تحافظ على
قوام المجتمع وتنظيماته السلوكية ولكنها حاولت –الشخصية المريضة-
ان تغير النظم و النواميس الاجتماعية والاخلاقية فهي بلا شك تسبب
حالة شاذة ،وتكرارها يتحدد و يشخص كونه مرض ينبغي علاجه و يتاكد من
ذلك اذا كان (النقص في احدى الاعضاء يظهر ذاته في تاثيره العام في
النفس اثناء عملها والفكر و الاحلام و من اختيار المهنة و في
الميول الفنية والمقدرات)(م:5،ص139).
بقدر ما تكون الحالة معزولة عن تأثيرها الاجتماعي تكون
طبيعية خاصة اذا تصرفت تصريفاً طبيعياً و تحولت الى سلوك ايجابي
لان (تقدم الفرد ونموه و تطوره ينتج من محاولة تعويض نقائصة سواء
كانت تلك النقائص حقيقية او خيالية)(م:5،ص70).
وقد (اوضح ادلر ان الاجزاء او اعضاء الجسم التي فيها عيب
تؤثر في نمو الشخصية من خلال محاولات وجهود الفرد للتعويض عن
االنقص)(م:3،ص71). وخير مثال على ذلك القائد نابليون الذي كان قصير
القامة او شخصية شيشرون الذي يتلعثم في نطقه ، واصبح فيما بعد اعظم
خطيب في الرومان كلها . لانه استطاع ان يوظف قصوره توظيفاً
ايجابياً وتفوق بذلك على ذاته –المريض- و الاخرين ،و هنا لابد ان
نشير الى النقص ليس بحدود الشخصية بل هو عامل مؤثر يمكن ان يكون
دافعاً لتحسين النوع الانساني اذا فكر بأنه ليس من منطلق فردي بل
من منطلق حاجة النوع الانساني الى الرقي في نواحي العلم والمعرفة
والسمو الاخلاقي (فهذا الشعور بالقصور والذي يوجد مع الانسان في
بداية حياته هو الذي يحفظ للانسان حياته عبر الأجيال )(م:4،ص596).لانه
مطلوب منه ان يتكامل ليتناسب مع تكامل قوانين الطبيعة والعلم والا
اصبح نوعاً مختلفأ او غير منسجم و ربما قابل للانقراض فهذا القصور
الحضاري دافع كبير للنوع وتجاوز الفرد لذاته ودمجه بالذات الكلية
للمجتمع ولكن ادلر يرى ان (القصور مرادف للانوثة بينما القوة ترادف
الرجولة)(م:4،ص596).
وهذا ما كان واضحاً في شخصية ريتشارد الثالث في علاقته مع
امه الملكة ودوقة يورك وزوجته ليدي آن حيث كان يعاملها بقسوة و
استصغار لشأنها لأن (هدف التعويض كان الرغبة في السلطة التي يلعب
فيها الاعتداء دوراً كبيرأً )(م:3،ص73).
وكانت الاسرة اول الميادين التي يمارس فيها عدوانيته
المريضة .
وهذا واضح من (المونولوغ الاستهلالي في مسرحية (ريتشارد
الثالث) الذي يصور شكلاً اخر من اشكال العزلة المفروضة الا وهو
العاهة الجسمانية التي تفصل بينه وبين الاخرين . وضمير المفرد
المتكلم يسود المونولوغ بايماءاته بالعزلة الطوعية الناجمة عن
الانانية وحب الذات ولكنها كلما يؤكدها تقترن ايضاً بالعزلة
المفروضة عليه ، عزلة العاهة )(م:6،ص80).
فهو محصور بين عزلتين حادتين هما الانانية وحب الذات ،
مقابل العاهة الاولى تخصه ، اما نفسه ، مرآته العاكسه والثانية في
تعامل الاخرين معه من خلال عاهته وكلاهما مرتبط بالاخرى ، معززة
طفح الذات هي، وفعل طبيعي للعاهة الخارجية ، وكلما كان خارج الفرد
غير جميل ، تتضخم الدواخل بشكل سلبي وهذا ما حدث لريتشارد الثالث
في حالة قصوره ، فذاته صارت انعكاس سلبي لمكوناته الخلقية المشوهة
، حتى تضخمت و صارت انانية مريضة وشريرة .
2.السيطرة (الكفاح من اجل التفوق):
الجرائم البشعة التي اقترفها ريتشارد الثالث و الطرق
الملتوية التي سلكها لتحقيق اهدافه وارائه السلطوية كانت (الحافز
نحو التفوق وتاكيد الذات) (م:1،ص242). ولكن التفوق كان سلبياً
عدائياً وتحقيق الذات صار فعل للجريمة لانه نتاج العاهات ، حيث قام
ريتشارد بقتل اخيه وابنائه بتخطيط منه وقتل ابن عمه الذي كان
يتعاون معه في ارتكاب الجرائم (غير ان هذه العاهات بالنسبة لشكسبير
هي اكثر من نذير بالشر :انها رموز الشذوذ التي فطر عليه ريتشارد،
الصور الخارجية لفساده الداخلي . انها صفة جسدية ، تضعه مكرهاً
بعيداً عن الناس ، وفي ذلك انعكاس للوحدة الداخلية التي ينميها
طائعاً بحفاظه على افكاره لنفسه و رفضه الاعتراف بالعُرى
الاجتماعية التي تربط الناس بعضهم ببعض)(م:6،ص81).
( وكان ذلك واقعاً تحت تأثير الشعور العام للقصور الذي يولد
به الانسان و العمل المستمر نحو تحقيق هدف السيطرة و
التفوق)(م:4،ص601).
ان الشعور بالقصور اصبح حالة مرضية عند ريتشارد مما جعله
يعاني ويجعل من القصور مرادفاً للتفوق كتعويض عن حالة القصور التي
جُبِلَ عليها (ولكن هذا الشعور بالقصور لم يستطع التنفيس عنه من
خلال العلاقات السوية المحيطة به ، ولذلك تحولت الى عقدة (والعقد
النفسية بالذات تثير ، على نحو اوتوماتيكي رد فعل قوي على شكل حافز
ملح نحو التفوق) (م:1،ص244) لذلك كان سلوكه دموياً ورد فعله سريع ،
لوقوعه تحت تاثير الحافز الملح الذي يطالبه بالتفوق على الاقران
وتحقيق اهدافه الشريرة المرتبطة بحالة القصور .
ان طموحه ان يصبح ملكاً ويأتمر بأمره الاخرين هو اثبات بان
القاصر يمكنه ان يدير دفة المملكة و الحكم أسوة بالأسوياء لان
الانسان و حسب استنتاج ادلر (كائن يبحث عن القوة)(م:4،ص598).و
السلطة التي تحققت ليريتشارد هنا هي بلوغه السلطة السياسية دون
تسلط على ذاته ، التي يطغي عليها شعوره بالنقص . وظل مطلب تحقيق
وتأكيد الذات هو الحافز للفعل والسلوك حتى ان بلغ قمة العرش ،
لانه في الوقت الذي كان ينتهج طريق الشر كوسيله لتحقيق ذاته
القاصرة اصبح هذا الطريق هو الوسيلة و الغاية ، لانه دخل في
مقومات شخصيته وتكوينها (فالقصور البدني في مثل هذه الحالات يعطي
قوة اضافية ونشاطاً تعويضياً لبلوغ هدف ما يؤدي الى السيطرة
والتفوق داخل الذات)(م:4,ص602). وعليه فأن القصور يخلق مسافة
شعورية بين الشخص القاصر و الاخرين ، و لا يمكن ردم هذه الهوة-حسب
اعتقاد القاصر- الا بالقيام بعمل ما من شانه ان يرفع من قدره بعيون
ومشاعر الاخرين الاسوياء ، ولا يهم نوع الفعل ، فهو يتراوح من
الجريمة الى الافعال السامية بقصد تحقيق ذات اشمل واكبر، حتى يمكن
الاحساس بها والاشارة لها من قبل الاخر، وبالتالي تتحول الرغبة في
السيطرة والتفوق الى حالة مرضية اذا لم تكن تسير في الحدود
الطبيعية لمقومات الشخصية الانسانية السوية .
3.أسلوب الحياة :
انتهج ريتشارد الثالث اسلوب عدواني في حياته لتحقيق مآربه
الانانية فتارة يكذب و اخرى يخادع و ثالثة يقتل ويزيف الحقائق ،
فهو الذي يقول عن نفسه قبل ان يصبح ملكاً :
(دوق جلوستر: اني اقترف الذنب و ابدأ بالشكوى و اتهم الاخرين بابشع
ما دبرت من شرور ) (م:2،ص186).
لقد تدرج في اسلوب حياته بداء من الكلام الخادع المنمق
الكاذب الى ان اصبح مجرماً او قاتلاً بالفعل ، فتحول من القصد
والهدف الى الفعل ، وامتد تاثير فعله العدواني حتى صار له شركاء
واعوان في الجريمة و (من اجل ان يبلغ السيطرة على مشاعر القصور
عنده فمن الضروري ان يتخذ أسلوباً محدد في حياته)(م:4،ص595).
ومن مظاهر ذلك السلوك خداع و زيف المظاهر الخارجية له فيقول :-
(دوق جلوستر : المظهر –علم الله –قليلاً ما يتعلق مع طوية القلب بل
انه قد لا يتفق معها ابداً ) (م:2،ص232).
وحول كذبه وتأليبه أبناء اسرته و فتنهم بعضاً على بعض يقول :
(جلوستر:فلا
دخل الآن لازيده بغضاً لكلارنس باكاذيب مدعمة احسن تدعيم بالحجج
القوية)(م:2،ص146).
ويتعدى تزييفه لحقيقة شخصيته واهدافه الى الذي كان عنصراً مهماً و
مؤثراً في تزكية سلوك الانسان و سمو اخلاقه . ومما يقول بخصوص
تستره بالدين .
(جلوستر
: و هكذا اشتري شري المفضوح بخرق اسرقها من الكتاب المقدس فأبدو
كالقديس و انا امضي في تمثيل دور الشيطان)(م:2،ص158).لا شك ان
اعتلاله البدني وقصوره هو الذي بلور سلوكه لان (علته البدنية كانت
الوسيلة الكبرى في تشكيل اسلوب حياته )(م:4،ص601). هذا الاسلوب
الذي كان مقيتاً من قبل الاخرين لكنه محبب لريتشارد نفسه لانه اصبح
طريقه الى النجاة والحفاظ على شخصيته من الاندثار وتحقيق اهدافه.
ويتخذ (احياناً هذا التعويض اشكالاً من العنف تبلغ حداً
متطرفاً لا تنتظره منه وهو ما يعرف التعويض النفسي الزائد
)(م:4،ص595).ان زيادة التعويض النفسي تؤدي الى خلافه مع المحيط
الاجتماعي وتظهر في اغلب الاحيان بشكل عدائي وجريمة تنتهي بالدم
حيث يقول :-
(ريتشارد الثالث : و لكنني قد انغمست الان في الدماء و لا بد
ان تدفع الخطيئة الى الخطيئة ولامكان لدموع الرحمة في
عيني)(م:2،ص297).
ان السيطرة والنجاح الذي حققه ريتشارد الثالث على اعوانه واهله من
آل يورك هو حالة تعويض عن الحالة القاصرة
والتي يحددها بالضرورة (اسلوب حياة الفرد و الطريقة التي يهدف بها
الفرد الى تحقيق السيطرة)(م:4،ص597).
1.
(القوى البيئية
2.
العوامل الاجتماعية
3.
التنشئة الاجتماعية للفرد)(م:4،ص599).
ونلاحظ ارتباط هذه العوامل جميعها بالعالم الموضوعي و
المحيط . حيث كانت علاقة ريتشارد بكل هذه العوامل السالفة الذكر
علاقة سلبية و يمكننا ان نفسر الكثير من سلوكه في ضوء اسلوب الحياة
فكان مبدأه في التعامل يتشابه الى حد كبير مع فلسفة (ميكافيلي) ،
من ان الغاية تبرر الوسيلة وهذا يدخل من باب التفسير السياسي و
الايديولوجي للشخصية .
ولكن لو لم تكن هذه العوامل ذات تأثير سلبي على ريتشارد،
أي لو تبدلت هذه العوامل و عاش فيها ريتشارد لتغيير اسلوب حياته و
من ثم سلوكه (فمع تغيير البيئة واختلاف الذوات الداخلية يختلف
اسلوب حياة الفرد )(م:4،ص600). نحصل على شخصية سوية تسلك صحيحاً
ولكن عند ذاك نفقد هذه الشخصية العميقة المؤثرة في تكوينها
الجسماني واسلوب حياتها الذي صار درساً يبتعد عنه كل ذو عقل راجح .
4.الذات الخلاقة :
عندما يعاني المرء عن عوق ما، يصاحب ذلك العوق انفعالات
مدمرة وهذا امر طبيعي للغاية (و قد تشمل هذه الاستجابات مشاعر
اليأس و القلق حول المستقبل و فقدان وتقدير الذات)(م:7،ص200).
وبذلك يصبح ازاء هذه الانفعالات امر حتمي بحكم قوانين الطبيعة
والمجتمع و لا يمكن تحديد صور الانفعالات اذا كانت حبيسة الدواخل
لكن الاستجابة لا تتحقق –العدواني منها و السليم- الا بوجود الاخر
، الانسان ،الحيوان ،الطبيعة و حتى الجماد ،احياناً وحسب التفاعل
معهم اذ ان كثيراً من الشخصيات المعاقة فسلجياً او المشوهة خلقياً
تكتم عدوانيتها بطريقة و اخرى امام اخر مسالم يحاول ان يحتوي
عدوانيتها و شرها ، و بالعكس تستمر العداوة في حالة الاخر المشاكس
.
و اذا لم تجد العدوانية المساحة الكافية التي تنفجر فيها
، فأنها تتحول لداخل الذات . وهنا تتصاعد العدوانية داخل الفرد
وتتحول الى وسط تعذيب هادئ ، لذلك اصبح ايمان ريتشارد بالقصور هو
(الحافز الرئيس الذي يدفعه الى محاكاة قدرات الاخرين)(م:4،ص595).
ومحاولة الانتصار عليهم عبر وسائل و ادوات شتى و راح يخطط
لنفسه بالسر دون ان يعلن مشروعه لاحد ، وكان يبغي التفوق عليهم لسد
النقص الفردي بحالة تعويض اجتماعي كبير ، فهو تجاوز الفردي نزوعاً
الى السلطة و الحكم لانه المطلب الوحيد الذي يسد القصور الذي ناقشه
مع دواخله ، والذي يفرض من خلاله على الاخرين حاجاتهم اليه كرجل
وتقرير مصائر الاخرين (ولكي نفهم الفرد اصبح لازماً علينا اكتشاف
الهدف الذي يرمي اليه في الحياة و كما يدعي ادلر فأن هذه الهدف
يظهر في كل فعل منفرد يقوم به الفرد )(م:1،ص243)سوياً كان او
معتلاً فعلى الرغم من اننا لا نشاطره اهدافه الاحقة التي كان يصبو
اليها لكننا لا ننكر وقت رسمه الطريق الذي يسلكه حيث كان عميقاً
ومخططاً له تخطيطاً ذكياً وخلاقاً . فهو الى جانب الذوات المحيطة
به كان اكثرها خلقاً لذاته بتحقيق اهدافه و رسمه للوسائل التي
توصله الى أغراضه و اطماعه خاصة و ان الذات الخلاقة هي (ذات مبدعة
تخلق شيئاً لاعلى غرار سابق تخلق شخصيه فريدة فهي اذن ذات خلاقة
)(م:4،ص604).
حيث تتحقق لامن تفرد حاملها فحصب بك و ضعف قدرات الاخرين
المحيطة بها لانهم سلكوا طرقاً و استخدموا وسائل بالية في التعامل
مع جديد الاحداث و الوقائع و فعلاً هكذا كان ريتشارد في خلقه و
تحقيقه وتأكيده لذاته في و سائل و اهداف حياته . حيث كانت الذات
الخلاقة له (يمكن ان يعني ذلك موقفاً لا اجتماعياً عندما يصبح
الشخص الذي لم يؤكد ذاته من خلال انجازه الموجب مثار انتباه
الاخرين بواسطة سلوكه الحياتي المضاد للجميع)(م:1،ص245). ان تحقيق
ذات ريتشارد اصبح على حساب المجتمع لبلوغه اهدافه بوسائل غير نزيهة
فالكذب و النفاق والقتل ، وسائله التي تشبثت بها لتحقيق مأر& |