إشكالية النقد في المسرح العربي
د . فاضل خليل
tamimfk@yahoo.com:
E-mail
النقد : نشاط فكري يطمح في إيصال المنجز إلى احسن
حالاته ، عن طريق التحليل والتقيم البناء . فالنقد لايعني الكشف عن
العيوب وعن الجوانب السلبية فقط ، وانما هو فعالية فكرية هدفها
الارتقاء بالظاهرة المسرحية من خلال المنجز الإبداعي . بل هو معرفة
خالصة ، وابتكار معرفة جديدة . وكما يستحيل وجود النقد من دون
إبداع يحركه ، كذلك يستحيل الإبداع من دون نقد يحركه ويشاكسه، ذلك
لأن في النقد كنتيجة هو امتحان الإبداع التي منها ينطلق السؤال
التالي وهو هل النقد " طبقة واحدة ولذلك سرعان ما يموت ؟ أم هو على
العكس طبقات ؟ تموت طبقة فتولد أخرى ؟؟ "(1) . من البداهة أن تكون
الإجابة في كونها عملية متداخلة أو قل مبطنة تتكشف عن حقائق تتحمل
الكثير من التأويل في كل جزء من أجزاء المنجز الإبداعية . ولا يمنع
من أن يكون لكل منها رأي يختلف عن الرأي في الجزء الآخر يحمل ذات
الوزن المعرفي الذي يحمله الرائي (المتفرج) . أن التعددية في
التأويل هذه تذكرنا بقول [وول ديورانت] في كتابه قصة الفلسفة (أن
في الجمال آراء بقدر ما في العالم من رؤوس)(*) . وهي ذات المعادلة
التي أطلقها أدونيس ، في أن النقد طبقات ، وقناعات يتولد منها
الرأي والرأي الآخر . الذي ينشأ منه رأي ثالث ورابع وربما أكثر
بفعل التعددية التي تحكمنا . لا يحسمها إلا رأي الناقد الذي قد
يختلف عن كل الآراء وربما يتفق مع أجزاء من بعضها . وانطلاقا من
ثقة الآخرين برأي النقد القادم من داخل المسرح تراهم يتنازلون عن
بعض آراءهم التي لا تخلو من أهمية ، لكنها لا تتجاوز التلقي الذي
لايعني المساهمة في العملية الإبداعية .
إلى هنا ويظل السؤال قائما : هل لدينا الناقد الذي
نثق به كل هذه الثقة التي تجعلنا نتنازل عن آراءنا أو نعدلها وفقا
لآرائه النقدية المتقدة المتجددة المكتشفة للعيوب والحسنات
والزيادات التي تحتاج الحصافة التي تعمل على إزالتها من جسم العرض
؟ أم أننا لازلنا بانتظار ولادته التي يراها البعض مستعصية ؟ أنا
شخصيا اشك في قيام هكذا نقد إلا إذا كان قادما من منطقة المسرح
حاملا معه هموم المسرح وأسراره ، لكي لا يقع في فخ الانطباعية
المستهجن في الناقد كصفة ، وشتيمة يوصم بها الطارئين القادمين من
خارج النقد ومن خارج المسرح . المعتقدين خطأ في أنها المهمة الأسهل
، انطلاقا من كونهم يتمترسون خلف ثقافة خرافية . تجعل من
كتاباتهم في منطقة المسرح حالة متدنية رغم انهم لا يمتلكون شيئا من
ثقافة المسرح . لأن اطلاعهم على ملخصات النصوص المدرسية التي شعروا
بأهميتها عندما فكروا بالكتابة للمسرح وهي كافية لان تدخلهم هذا
المعترك بسهولة . إذن هي ليست اكثر من مهنة البطر التي لا تحتاج
إلى العلمية . بل إلى القليل من موهبة الذم والمدح . إن هذا ليس
من مكانة الناقد ولا أهميته في شئ ، ولا هو من دوره في المسرح الذي
لايقل شأنا عن أهمية دور الكاتب أو المخرج ، أو أي من العاملين
المهمين في المسرح . فكما للممثل جمهوره فأن للناقد أيضا جمهوره ،
الذي يثق به ويلتزم برأيه وقناعاته . انطلق من هذا التفكير في هذا
المعنى ، فقط لكي اثبت أن للناقد مكانته التي لا يعوضها غيره ،
وأنا هنا بصدد تصحيح الفهم الخاطئ – قدر الإمكان - لما تعارف عليه
المسرحيون لدور الناقد في المسرح المنطلق من انه المدلل المتفضل
الذي لا يعلى على رأيه رأي .
في البدء يجب على [النقد] أن يكون موضوعيا . فهو ليس فن
إظهار العيوب والسلبيات لما نرى أو نسمع أو نقرأ . انه ذلك تحليل
العرض من اجل التفكيك واعادة التركيب مضافا إليها النص . لكن
العرض يبقى هو الحلقة الأهم لأنه ينطلق من الوصف الخارجي ، الخالي
من التحليل والبعيد عن الأعماق التي لابد من تناولها وسبر أغوارها
وما يدور في فلكها من أهميات ، التي تشكل بالتالي انطباعا يجب أن
يرقى إلى كل الاهميات . ولكنه في الواقع لا يرقى إلى مستوى المنجز
الإبداعي إلا نادرا . لأنه غالبا يظل حبيس المدح والذم الذي لا
يتجاوزه . وبهذا يظل فعلا لا يرقى إلى صفة النقد وصفات الناقد الذي
يستحق الاحترام .
إن التوجه بالنقد إلى من قام على توظيب العرض ، غير
مبالين بالمبدع خالقه . يكونون كذلك غير آبهين بتقيم العرض الذي هو
أهم و لا بتقويمه . متناسين بأن لغة النقد في المسرح إنما تكمن في
دقة التحليل له : فالتحليل فيه يوصلنا إلى مكوناته وبالتالي إلى
تركيبه ، وصولا إلى معانية التأويلية المتعددة التي تكون منها . "
فالنقد في افضل حالاته عملية إبداع يحركها إبداع آخر "(2) والتي
تحتم على الناقد أن يتوجه إليها بقراءة العرض البصري المنبثق من
النص فكر التأليف ، بعيدا عن أحكام القيمة في إطلاق الجاهز من
الآراء و المفردات : في أن يكون هذا العمل [ رديئاً] أو [جيداً] ،
إن في هذه الأحكام انطباعات ، تدخل في مفهوم أحكام القيمة ، التي
ستبعدنا حتما عن النقد العلمي الذي نطمح إليه . ونطمح في الوصول من
خلاله إلى النقد الموازي الذي لا يقلل من أهمية العرض على حساب
النص بل يرتقي بها . وبما أننا نعرف أن في كل نص قراءتين هما :
·
الأولى/ في الذي يقال ضمن
الحوار .
·
والثانية/ في ما يدرج بين الأقواس من إرشادات المؤلف للمخرج ،
وهي غالبا ما يغادرها المخرج ولا يلتزم بها .
إن مهمة المخرج تكمن في تأليف العرض وفي مقدار احتفاظه
بالخصوصية التي تميزه عن غيره . وفي ما يجعله حر التعامل مع
المتفرج الذي من خلاله يستطيع الخروج بقراءته الخاصة المختلفة عن
القراءات الأخرى المكونة للعرض ، والتي نطلق عليها اصطلاحا [نص
المتفرج] . ليصبح معها لدينا ثلاث نصوص أو قراءآت وهي : نص المؤلف
- أو قراءته ، نص المخرج - أو قراءته ، نص المتفرج - أو قراءته .
فالنقد إذن هو : تفسير وتحليل ، وتعددية في تأويل
الاستقبال وفي حرية الرأي والتلقي . يدركها الناقد بعد اطلاع و
معرفة جيدة لمكونات العرض التي بعكسها سيتحول النقد من خطاب علمي
إلى خطاب [مدرسي-إنشائي] هدفه الوعظ والمديح أوالذم غالبا . إن "
النقد كالفكر ، أو هو فكر لا يتغذى ولا ينمو إلا بالتساؤل المستمر
"(3) . انه يضع المنجز أمام تساؤلات مستمرة ، وأمام مشروعية لاعادة
النظر من قبل المبدع بمنجزه . وخاطئ من يرى في مهمات النقد غير ذلك
، لأن النقد مشروط بثقافة الناقد وموقفه المنتمي إلى العمل .
وكلاهما يولدان من رحم المسرح . فليس النقد مزاج شخصي ، أو مصلحة
فردية يحدوها أمل ناقد في الشهرة أو في الانتشار السريع بين الناس
. فالناقد الذي تنقصه المزايا التي ذكرناها ، والذي لا يمتلك موهبة
استقبال شفرات العرض بمكوناته من : نص ، واخراج ، وتمثيل ، وأخرى ،
يصعب عليه تقديم الفهم المتقدم في العمل الذي يتصدى لتقويمه .
والذي سيكون هداية للمتلقي يعتمدها في الوصول إلى قراءته الخاصة ،
التي تضاف للنص وتفاصيل العرض ، وبها ستكون رأيا أو قراءة أخرى غير
التي أرادها المؤلف . لكن قراءة المخرج ستبقى الأولى في تسلسل
الاهميات من بين القراءات المتعددة بما في ذلك قراءة المتفرج .
فلقراءة المخرج معناها الذي يقول أنها : حصيلة الجهود طويلة الأمد
التي كونت خبرته التطبيقية التي تضاهي حصيلة استقبال الناقد الذكي
الذي ينطلق من التجريد في إطلاق الرأي إلى التحديد فيه . فما بالك
بالناقد الذي يسلك طريق النقد الكاشف للعيوب والسلبيات ، الذي
يقترب في قراءته من قراءة المتفرج مع شئ من الإضافة البسيطة غير
المحسوسة .
يعاني المسرح العربي والعراقي بشكل خاص ، من غياب الناقد
الموضوعي البعيد عن وجهات النظر الانطباعية والجاهزة أحيانا في
اعتمادها على رأي الآخر والتي تسبق المشاهدة في أحايين كثيرة . إن
للناقد طريقه السالكة في الدخول إلى العرض بذكاء ، ذلك الدخول الذي
لا يتكئ فيه على رأي الآخرين . فهو وحده من يمتلك زمام المبادرة في
إسناد العرض أو عدم إسناده . لأن مهمته كما يصفها برتولد بريخت :
هي التي تستدرج الجمهور إلى المسرح .فهو يمتلك حق النصح والإرشاد
بمشاهدة العرض أو عدم مشاهدته ، أما النتائج التي تأتي أحيانا عكس
المطلوب فستضيع ثقة المشاهد بالنقد وبالمسرح . بل هناك من يذهب
أبعد من هذا حين يضعون اهتمام المخرج بجمهوره بنفس موقع اهتمام
الناقد بجمهوره . في معرفة الجمهور ومعرفة اهتماماتهم وأذواقهم .
إن من أولى مهمات الناقد تكمن في حرصه على متابعته للعمل
المسرحي منذ اختيار النص وقراءته من قبل الممثلين وبقية العاملين
في المسرح وحتى خروج آخر المتفرجين من صالة العرض ، وهو ما يلزمه
بامتلاك حق القول في العرض الذي يكتب له نقدا ، وعليه يجب أن يقول
فيه رأيا لابد أن يختلف عن الآراء الأخرى إن لم تكن اكثر أهمية
منها جميعا . " إن الناقد قد يعلم المبدع ربما دون وعي منه ،
الكثير من صنعته وقد ينبه المتلقي إلى ما ينبغي أن ينتبه إليه "(4)
يمكن أن يكون قياسه بمقياس الآراء الكبيرة في العرض : مثل رأي
المؤلف والمخرج وبقية العاملين . لأنه رأي عن قرب ، بل قل من داخل
المسرحية ، لا رأيا انطباعيا جاهزا تكون من مشاهدة واحدة ولاول يوم
من أيام العرض الذي غالبا ما يكون عاجا بالأخطاء . هذا الذي يتبعه
النقاد في كتابتهم عن العروض المسرحية وهومايستهجنه المسرحيون
ويجعلهم موقنين من أن النقد يشكل الحلقة الأسهل في عمل المسرح .
كل ما تقدم من اهميات في من يتولى مهمة النقد في المسرح
. لكنه لا يمنع من وجود الناقد الذكي الذي نريد والذي استكمل عدته
. فليس من كتب انطباعات مزاجية يرفضها منطق العلم يطلق عليه في
المسرح نقدا . فهو ليس بالمتابعات الصحفية اليومية ، ولا هو
التوثيق المسرحي ، رغم أهمية الاثنين في الحياة الثقافية لكنهما لا
يدخلان في النقد المسرحي . أن النقد من يعني بإعادة الصياغة للعمل
الفني ، هو يعني هداية المخرج إلى ما فات العرض من قيم جمالية ومن
اكتمال موهبة وإيصال معنى راق ، لم يتمكن المخرج أن ينتبه إليها
لانشغاله بخيوط العرض وتشعبات قنواته التي تصبو إلى التكامل . فلدى
المخرج العديد من المخاوف التي يخشاها ومنها خوف الانزلاق بما هو
استهلاكي يومي يبعده عن تحقيق الفعل الراقي في المسرح . بل خوفه من
الانزلاق في المسرح التجاري الذي غزى مسرحنا العربي وبات هما يعاني
منه كل المبدعين في المسرح . لقد اجمعوا فيه كونه لا يدخل ضمن
اهتمامات النقد والمسرح ، حتى بلغت الشكوى منه اوجها حين شاع وأخذ
الحيز الكبير من حجم الفعاليات المسرحية ، فلم يجد المبدعون عن
ماذا يكتبون او يتحدثون . ولنا في شكوى الدكتور لويس عوض واحد من
أهم نقاد العرب الذي قال عن غيابه عن ساحة النقد المسرحي :( ماذا
أنقد ؟ للأسف أن ما يعرض حاليا لا علاقة له بفن المسرح ، لا من
قريب ولا من بعيد )(5) . هذا أنموذج لكثيرين انقطعوا عن الكتابة
للمسرح في التأليف أو النقد والذين صاروا يبحثون عن المنقذ الذي
ينهض ثانية بالمسرح الذي نريد ليعود من خلاله النقد الذي نريد .
وكما أسلفنا في بداية الحديث عن استحالة نقد من دون إبداع يحركه .
وقد نؤشر هذا لغياب سلبا على جمهرة النقاد بل وكل المهتمين بالمسرح
، الذين هم مدعوون من جديد للوقوف مع ظاهرة المسرح لتأخذ دورها
الفاعل في النهوض به . كما كان دورهم في ستينات وسبعينات القرن
الماضي الذي شهد نهضة نقدية أفرزت العديد من النقاد المهمين الذين
ازدهرت بهم حركة المسرح . وقد نعطيهم العذر حين نؤكد بأن النقد
يزدهر بازدهار الحركة المسرحية لكن العكس صحيح أيضا . ، ذلك لأن
صاحب الرأي يعلم مسبقا " أنه دوما عرضة لخطأ ما ، فتعود المحاولة
رأيا ومعرفة بشأن النص الواحد ويبقى الإمكان قائما لاكتشاف جديد
"(6) وبداية جديدة فالرأي يولد المعرفة ويجعلها تنهض من جديد .
الهوامش : 1)أدونيس : كلام
البدايات ، دار الآداب ، بيروت 1989 ، ط1 ، ص190 .
*) أحفظها .
2)د.ماجدة حمود : علاقة النقد بالإبداع
الأدبي ، منشورات وزارة الثقافة ، سلسلة (دراسات
نقدية عربية ) ، دمشق 1997 ، ص 90 .
3) أدونيس : نفس المصدر السابق ، ص 190.
4)
جبرا إبراهيم جبرا :
معايشة النمرة واوراق أخرى ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ،
بيروت 1992 ، ط 1 ، ص 35 .
5) د . لويس عوض : أزمة المسرح المصري..ومثلث النص ، الممثل
، والنقد . جريدة الجمهورية ، الخميس26/4/1984 ، ص7 .
6) جبرا إبراهيم جبرا : تأملات في بنيان مرمري ، دار رياض
نجيب الريس للكتب والنشر ، ط 1 ، بيروت 1988، ص 38 .
|