السنة الثانية                     مؤسسة  ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية                         آخر تحديث  6 - 12 - 2004

 

 

ألبناء الفكري لشخصية البطل

في مسرحية صموئيل بيكيت

(في إنتظار غودو)

  د.عبد الفتاح مرتضى 

مشكلة البحث والحاجة اليه

   عندما بدأ المسرح عند ألإغريق ، كانت الشخصيات المسرحية الوحيدة فيه هي شخصية قائد الجوقة ، وبتقدم وتطوّر حركة المسرح نحو زيادة عدد شخصياته وتشعّب أحداثهُ، بَرَزت شخصية البطل وأكّدَتهُ معظم النصوص ألإغريقية دون سائر شخصيات مسرحيات تلك الفترة ، كأوديب وأجاممنون وإلكترا كأبطال فَرديين او تعوِّل على مجموعةٍ من ألأشخاص وفَرْزهم بإتجاهِ شخصية البطل في المسرحية كما في الضارعات وغيرها .

وعند تحوّل المسرح الى الرومان ثم ألإنقطاع في فترةِ حُكم الكنيسة، أصبحت شخصية البطل متمثلة في المخلِّص والمنقذ ألإلهي وليس المرتكب لحماقات سواء مع الآلهة او غيرها كما كان عند ألإغريق او بطلاً يمتلك نقطة ضعف ...الخ من صفات شخصية البطل في العهد القديم للمسرح .وبعد إنفلات المسرح من رقابة الكنيسة، باتت شخصية البطل تتفاوت مابين ساحر او متمرد او ملك او قائد متغطرس او خائن دموي كما في اعمال شكسبير ومارلو .

وعند بداية عصر الفلسفة والعلم ، بدأ المسرح يساير هذه العلوم المحدثة وأثَّرت في كثير من أحداثهِ وأفكاره وبنائه العام وشخصياته ، وبدت شخصيات هذه الفترة تتعامل بحذر أو بتضاد مع تلك العلوم أو دخلت ميدان الفعل الحقيقي في الدراما كما في (ألإبن الطبيعي ) لديدرو و ( ألأب ) لسترندبرج أو ( ألأشباح ) لإبسن ...الخ. ومافعله ألفريد جاري في ثلاثيته ألأبوية أو أبولينير في ( ثديا تريسياس )، كان سبقاً في أنهما أدخلا شخصية البطل بلباس حديث متطور رغم انهما لم يكن يعلما فيما فعلاه، ولكنه كان مدخلاً اساسياً وكبيراً في بنية شخصية البطل عند مفتتح القرن العشرين ، حيث ألغيا كل ماسبق في تصوير هذه الشخصية ( ألبطل )، وجعلاه شخصية خرقة او مجنونة ومشوهة وبيدها مصير شعوبها، تلعب بها الاهواء بما تفعله وتصب مآسي أفعالها على شعوبها وبلدانها، وهذا ماحصل في الحربين العالميتين ألأولى والثانية وكل تفاصيلهما، والتي أدت بالتالي الى ظهور إتجاه مسرح اللامعقول، والتي اكدت على ان شخصية البطل هو فرد ما كائن مايكون من هذا المجتمع ، قد يكون بيده الحل لإسعاد وإرضاء الشعوب او تدميرها ، وهو كائن غير مترابط لا منطقي، عبثت به الحياة ورمته الى اسفلها دون ان يدري لماذا او الى اين يؤدي به هذا المصير ، واصبحت حياته عبارة عن ولادة دون إرادة منه وموت ايضا بلا ارادة ، بل يتحكم به في مولده إثنان لا يعلم ماهي الصلة الحقيقية بهما ، وبموت لا سيطرة له ، مما وَلَّـد له في نفسه مرارة الحياة وسقمها وعدم اهميتها بالنسبة له . حتى الموت فإن ذهب اليه فإنه يهرب منه لأن الموت ليس بإرادته هو بل بإرادة قوى اخرى يجهلها، فهو لا يعلم لماذا يعيش ولماذا يموت وهذا واضح في مسرحية ( في إنتظار غودو ) لصموئيل بيكيت ( موضوع البحث ) ، حيث ان ( المسرحية تقدم صورة لحياة إنسان مفصول عن تاريخه ومجتمعه ..ان ركود الموقف ألإنساني ينبيء عن فراغ هائل يتمثل في ألإنتظار غير المجدي ) ( 1-13 ) .

ان تحول شخصية البطل من أنصاف آلهة ( عند الاغريق ) الى المُخَلّص والمُنقِذ ( المسرح الكنسي ) الى ملوك وقادة حروب وخونة ( النهضة ) الى ابطال عاديين لكنهم يحملون وزر مازرعوه هم او مازرعه آباؤهم ( الطبيعية ) الى الانسان الواقعي الذي دمرته ماكنة التصنيع والايديولوجيات والارهاب ( الواقعية ومابعدها ) حتى وصولها الى منتصف هذا القرن ،حيث اصبحت شخصية البطل عبارة عن هشيم غير مترابط مفتت لا حول له ولا قوة ولا رأي ولا إرادة، تتحكم به كل القوى ولا يستطيع التحكم بذاته هو، فأصبح منقاد لما يريده ألآخرون ، هذا هو انسان القرن العشرين كما يطرحه بيكيت في معظم اعماله . وهذا ماسنقوم بدراسته في هذا البحث حول شخصية البطل..

ومما تقدم فقد صاغ الباحث موضوع بحثه للاجابة على السؤال ألآتي :

ماهي الخصائص الفكرية لشخصية البطل في مسرحية ( بانتظار غودو ) لصموئيل بيكيت ، وبناءً على ذلك فقد اصبح عنوان البحث مايلي :

البناء الفكري لشخصية البطل في مسرحية صموئيل بيكيت ( في انتظار غودو )

 

أهمية البحث

1-   تتولى اهمية هذاالبحث في ايجاد طريقة حول الكيفية التي تتم بها معرفة شخصية البطل في مسرحيات صموئيل بيكيت عامة و ( بإنتظار غودو ) خاصة.

2- تفيد هذه الدراسة الباحثون والطلبة الدارسون في كليات ومعاهد الفنون الجميلة والمؤسسات الفنية والجهات ذات العلاقة .

 

حدود البحث:

  مسرحية ( بإنتظار غودو ) لصموئيل بيكيت

 

أهداف البحث :

الكشف عن البناء الفكري لشخصية البطل في مسرحية صموئيل بيكيت ( بإنتظار غودو ).

 

منهج البحث :

إختار الباحث المنهج التاريخي التحليلي .

 

تحديد المصطلحات :

البطل : بطل درامي – في غالب الاحيان يكون الشخص او الدور الذي يمثل نقطة التمركز في التكوين الفني او الادبي .. وعادة مايكون البطل مؤهلا لتعاطف الجماهير او الفرار مُستَقْبِلاً لكافة غضبهم وسخطهم وهو لذلك يتأرجح بين الايجابية او السلبية . ( 2-68 ) .

إلاّ أن الباحث وضع تعريفا إجرائيا يتماشى وخطة هذا البحث وهو :

البطل هو شخص عادي يمكن ان يكون اي انسان حتى من ادنى الفئات الاجتماعية ، منقاد بوعيه الى قوى اكثر منه تسلطا وهو كضحية للوضع العام للبشرية ، وهو لا يتبوأ أية مكانة بارزة ولا يستطيع الخلاص من وضعه حيث لا يمتلك أية إرادة حرة لكي يفكر ويفعل ويحس ..

 

مفهوم شخصية البطل الدرامية

 

أولاً : شخصية البطل تاريخياً

 

     لقد نشأ الفن المسرحي في اليونان معتمدا بشكل مباشر على الاساطير والملاحم وبالذات ملحمتي هوميروس ( ألإلياذة وألأوذيسة ) وفي بعض منها من مشاكل الناس الاجتماعية وظروف حياتهم ومعاناتهم كما في الكوميديات . وبالتالي فان شخصية البطل في هذه المسرحيات ( التراجيديا بشكل خاص ) كانت تنبع من واقعهم ( الاسطوري والملحمي )، فكانت شخصية البطل في هذه التراجيديات تمثل ابطال حروب او ملوك وهم انصاف آلهة، وكان الصراع الاساسي بين شخصية البطل في الدراما الاغريقية تتم بينه وبين الآلهة ومفرداتها ( الكهنة وكبيرهم والقدر ) ومثال ذلك مسرحية ( اوديب ملكا ) . وقد استمر هذا الصراع بين الانسان والقدر تتسم به معظم التراجيديات الاغريقية حتى انتهى دور المسرح بعد سقوط الامبراطورية الرومانية، فتحول الصراع الى الانسان والشيطان او مايمثله من رموز الشر على الارض وفق الايمان الجديد ( الديانة المسيحية ). وكان الصراع ايضا بين الانسان والقدر من خلال تحكم الخالق بمقدرات الانسان ، وبقي الصراع كما هو في الدراما الاغريقية بين الانسان والخالق والقدر .ثم توالت الاختراعات والبحوث والاكتشافات في عصر النهضة ،وبدأ عصر الفلسفة، فكان صراع الانسان مع اخيه الانسان او مع مفهومات مادية وجودية ابتعدت في كثير منها عن الايمان السماوي ( الغيبي ) وهو واضح في ادب القرن التاسع عشر وحتى الان .

ان تحول الصراع من القدر ( الغيبيات ) الى  الانسان ( الماديات ) ادى بالتالي الى ضرورة التغيير في مفهوم البطل ، فبدلا من ان يصارع اشياء لا يراها او لا يفهمها او انه محتم عليه ان يطيعها وينفذ اوامرها ، تحول الى الصراع مع اشخاص او افكارهم وبشكل مباشر دونما حاجة لأي حاجز او فاصل بينهما ، وهذا التغيير في الفكرة الاساسية للمسرحية ادى الى تغيير في بنيتها وبالتالي الى بناء شخصياتها واحداثها وحبكتها ..الخ .

كان البطل الاغريقي قَدَرياً لا يسمح له بمخالفة تعليمات الالهة ، فان فعل ذلك كان فيها هلاكه ( اوديب نموذجا ) ثم تحول الى بطل خلاصي ( ابان حكم الكنيسة ) يصارع الشر متمثلا في الانسان الذي يتملكه الشيطان ( روح الشر )  محاولا اعادة الوضع لميزانه المستقر في انتصار الخير عليه ، وهو محكوم بعدالة سماوية الهية مشروطة بقوانين لا يمكن تجاوزها وإلاّ فالعقاب هو الموت . ثم جاءت مرحلة العودة وظهور الكلاسيكية الجديدة متشبهة بالتراجيديا الاغريقية بلباس محدث تحت غطاء المسيحية ، ثم الرومانسية التي اكدت البطل الخلاصي ، رغم ان معظم اعمال هذا النهج هو في ابراز دورالبطل الرومانسي في تنفيذ اهدافه على حساب كثير من القيم العقلية حيث طغى المضمون على الشكل كما في ( روميو وجولييت ) لشكسبير .

بعد هذه المرحلة بدأت الفلسفة الطبيعية في الظهور والتسلط من جديد بعد تخلص العلم من كل قيود الكنيسة، فانتصرت الطبيعية بعلومها المختلفة إضافة لإنتصار الثورة الصناعية وثورة فرنسا للحرية ، فأدى الى انقلاب شامل في الادب والفن لم تستطع الرومانسية مسايرته ففرضت الطبيعية قيودها رغم ماتحمله من اخطاء في بعض منها.

وكانت هناك بعض العوامل التي ادت الى موت المأساة وظهور الدراما الحديثة والبطل التراجيدي الحديث ..( فحينما بدت موجة الطبيعية والواقعية في الظهور ادى ذلك الى تغيير مفهوم البطل المأساوي ومدى مسؤوليته عن مأساته وكان لعلم الاجتماع وتفسير السلوك عن طريق الوراثة والغريزة والبيئة أثره في حرمان الانسان من اية مسؤولية حقيقية إزاء أعماله . كما ان الاكتشافات العلمية اثرت الى حد كبير في مدى امكانية ان يعيش الانسان ابن الحضارة الحديثة دونما حاجة الى تفكير في الالهة العلوية، ولذلك تحولت قوى الصراع المعارضة من صراع رأس ديني الى صراع افقي اجتماعي ونفسي وبيئي . وتم التنصل من كثير من المعتقدات المثالية والاخلاقية وبدا كثير من الكتاب المعاصرين يؤمنون بأن مهمتهم ملاحظة الحياة وتصوير تناقضاتها المريرة .) ( 3-83 ).

وهكذا  تحول الصراع من صراع ديني علوي الى دنيوي سفلي ، واثّرت العلوم الحديثة على الكثير من الكتاب وظهر ذلك في كتاباتهم المسرحية بحيث اصبح الصراع مع الامراض المزمنة والمتوارثة وتحول الصراع برمته من صراع قدري الهي الى صراع اجتماعي انساني.واصبح الانسان الشخصية في ظل العلوم الحديثة انسان مفكر يحلل ويجيب على الاسئلة المعقدة المتشابكة ويعقد المقارنات ويستثير العقل للوصول الى نتائج اكثر علمية وايجابية ، واصبحت شخصية البطل في تلك الاعمال هي الشخصية الايجابية والسلبية في آن واحد (هذه الشخصية هي اشبه بالبطل "النقيض" لأنها شخصية قادرة على الايحاء بالتعقيد لأنها بشكل ضمني تدير جانبين او اكثر نحو المتفرج.والاكثر من هذا انها تستدعي رد فعل او اكثر واحد ايجابي وآخر سلبي وكل الظلال بينهما .فشخصيات مثل "بيرجنت"في مسرحية ابسن او "ويلي لومان"في مسرحية ميللر تستحوذ علينا وتذكي السرور والالم فينا حيث يميل البطل المثير للضحك والرثاء وهو مخلوق بشري جدا بحيث انه في وقت الازمة يتذكر ويتامل بدلا من ان يطيع ويعمل) (4-86) .

وهكذا كان لتاثير مختلف العلوم والظروف التي مر بها كل مجتمع واضحا على سيرة الادب المسرحي وبالذات منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى الان.وكان لتاثيرات الحروب العديدة التي حصلت في القرن السابق وبداية القرن الحالي التاثير الاكبر على ضرورة التغييرات التي يجب ان تحصل على سلوك الافراد والمجتمعات، فتحولت شخصية البطل من فرد يعول عليه في تغيير كفة الصراع لصالحه الى ابطال مسحوقين وشراذم متنوعة من المجتمع ينهل الكتاب منهم تطابقا فيما بينهم وبين اؤلئك القادة الذين دمروا شعوبهم في حروب طويلة لا داعي لها او كبت وتدمير ثوراتهم التي عولوا عليها طلبا للتغيير نحو الحرية والرقي. فظهرت بدايات الكوميديا السوداء بشكل غير ملفت للنظر كثيرا في (مكبث)لشكسبير في شخصية البواب ثم في مسرحيات موليير وبالذات (طرطوف) وصولا لسترندبرج وأبسن بحيث(اصبح المهرج المسحوق تحت وطأة وجوده بفعل قوى ميتافيزيقية او اجتماعية هو "البطل" اذا صحت التسمية ،يبث الاحساس بالمأساة ولم نعد نشعر كما في الماضي ان ابطال التراجيديا هم اشباه الهة ولا انهم اعلى منا مستوى بل اصبحنا نشعر بهم مثلنا او دوننا نزداد توحدا معهم ) ( 5-9 ) .

هذا اذن انسان القرن العشرين ، شخص لا يعلم مايريد لانه لن يستطيع الوصول لهدفه مهما حاول ، فهناك القوى الاكثر تسلطا عليه ،اكثر واوضح من الاله وهي التي تتحكم بمصيره ومصير الشعوب وتتحكم في كل معطيات حياته المادية والروحية، فأصبح مجرد اداة لتنفيذ مايؤمر به وما عليه الا ان يطيع وينفذ، فتحول الصراع من صراع بين الانسان والالهة بحكم القدرية الى صراعه بين الانسان والتسلط او بينه والالهة بحكم القوة .كما ان هناك قوة خفية تتسلط عليه في ولادته ومماته لا يعرف كنهها ولِمَ يعيش وكيف ولِمَ يموت ولماذا !!؟؟ وهنا تدخل اسئلة حول حياته المحصورة مابين فجوة الولادة وفجوة القبر دون ان تتحكم به ارادته هو ، فعاد انسان القرن العشرين للتحديق بما يتحكم به في الكون وهل هو الاله الغائب الذي يوعد ولا ينفذ ام ماذا؟!!

وكان لهذه التساؤلات مصدرها المتنوع في العلوم والفلسفات التي وجدت في القرنين الماضيين وبالذات في القرن التاسع عشر خصوصا بعد كتابي نيتشه ودارون ، فاصبح مصير الانسان مجهولا مشتتا ضائعا تلعب به الاهواء ماتشاء، فخلق في ذاته إرباكا في العودة الى السؤال الابدي : ماذا في السماء ؟ وما هو مصير الانسان ؟ فوجد مسرح العبث من خلال كل تلك التراكمات سواء الوجودية او غيرها لتولد منه فعلا يؤسس عليه الادب القادم الذي نعت باللامعقول ( ان مسرح العبث مثله في ذلك مثل المسرح الاغريقي يعتمد على ربط الانسان بالمطلق سواء كان حاضرا او غائبا متجاهلا تماما واقع الانسان الاجتماعي والتاريخي وهكذا ظل البعد الميتافيزيقي يهيمن على الانسان في مسرح العبث كما كان يهيمن عليه في المسرح الاغريقي ) ( 6-81 ) ، وهذا مايؤكده كليفورد ليتش حين يقول ( ان الناس معا يتجهون بالضرورة الى تاكيد حق السيطرة من جهة وحق الاستماع الى بديهة طاغية توحي لهم بما هو الصواب من جهة اخرى ) (  7- 203 ) .

وعليه فان العودة الى الطغيان والتسلط من قبل فرد او افراد وبتسميات مختلفة ( الراسمالية والاشتراكية ) والتي افرزتهما الثورة الصناعية والفكرية والعلمية وفي شتى الميادين والمجتمعات حثت الكتاب المسرحيين الى ايجاد صيغ ووسائل جديدة للحد من هذا الطغيان الهائل. فحينما كان البطل التراجيدي الكلاسيكي هو الضحية اصبح الان الضحية هو نحن !) ( 8-84).وهذا التفاوت في شخصية البطل وتغييره من الفرد الى المجموع اصبحت مفارقة درامية كوميدية لكنها قائمة، فاتجه الكتاب الى اسلوب الكوميديا السوداء كما فعل (الفريد جاري)في ثلاثيته الابوية او (جيوم ابولينير)في (ثديا تريسياس).فقد انتهى دور المسرحية في تقديم قصة واقعية محبوكة بدقة ذات بداية ووسط ونهاية وتقدم شخصياتها بشكل منطقي وذات احداث متسلسلة  مترابطة، وما على المتفرج سوى مشاهدة هذه المسرحية التي تعطيه كل شيء بما فيه الحل في النهاية ،تقدم له درسا وعظيا اكثر مما تحيله الى دلالات وتثير فيه التفكير والتحليل والتامل. وهذا هو هدف الكاتب الحديث حينما حدد واجبه في اقلاق المتفرج وعدم السماح له بالنوم في مقعده في الصالة، بل الى تلقي الصدمات التي تستمر منذ بداية العرض وحتى نهايته ،وحتى النهاية فهي غير مكملة لمشكلة طرحتها المسرحية بل نهاية مفتوحة تنتظر من المتفرج ان ينهيها ( 9-6) .

 

ثانيا : شخصية البطل في اللامعقول

     فيما سبق توضح لنا أن مسرح اللامعقول قد هشَّم كل البنى ألأساسية للمسرح التقليدي ووضع أُسساً جديدة ، وشخصية البطل إحدى هذه ألأُسس في أية مسرحية ( في هذا المسرح نجد ان الكاتب لا يتقيد بالمواصفات والعرف في البناء المسرحي ،فالشخصيات قد تغير سنها او جنسها وملامح شخصياتها مراراً في نفس المسرحية وقد لا يكون المكان المسرحي محدد المعالم . ولأول وهلة تظهر أحداث المسرحية كأنها سلسلة من العشوائيات التي لا تربط بينهما صلة ما ولكن يراد بهذا ألأسلوب المسرحي إظهار المفارقة بين حلم ألإنسان في الحياة وواقع الحياة نفسها ( 10 – 2).

   وتؤكد نهاد صليحة موضوعة الشخصية في مسرح العبث في قولها ( القاريء لمسرح العبث نادراً ما يجد شخصيات متفردة محددة الملامح في إطار سياق إجتماعي تأريخي محدد ، فشخصيات هذا المسرح تقترب الى حد كبير من النمط ألإنساني الذي كان يقوم بدور البطولة في المسرحيات الدينية في العصور الوسطى وكان يسمى ببساطة ألإنسان او (Every Man ) أي رمز جميع البشر ) ( 11-82).

    هذا البطل هو أشبه بالبطل الخلاصي الذي ترفضه الوجودية بل وتحتقره لأنها لا تؤمن بالفردية الخلاصية ( ان الثورة الوجودية تمثل الرومانسية منقلبة على نفسها وآخذة في التعفن ومع ذلك فالثأر الوجودي الذي يحتقر المُثُل الخلاصية أشد ألإحتقار ولا يؤمن أبداً في الفردية الخلاصية يبدي بقايا من المطالب الراديكالية القديمة فهو رومانسي جديد ثائر على وجود يشعر بالعار لكونه بشراً يشمئز من الجسد نفسه ) ( 12 – 20 ) .

   هذا ماهو واضح في معظم شخصيات مسرحيات اللامعقول، فلا نجد بطلاً بالمعنى السائد لهذا المصطلح ، وأصبحت شخصية البطل هي من تنقل أفكار المؤلف المسرحي وبكل دقة وإختصار وقد لا تجد هذا متمثلاً في شخصية محددة وإنما تتوزع على معظم الشخصيات، او قد تكون في فكرة معينة او حدث معين في مسرحية وليست في شخصية ما وهم بهذا ايضاً قد كسروا ألأسلوب السائد في ان تكون لشخصية البطل في المسرحية حدودها وملامحها وأفكارها وأهدافها .

 

ثالثاً : شخصية البطل لدى بيكيـت

     يتناول بيكيت شخصياته بشكل يختلف عن زملائه في نفس النهج اللامعقول ، حيث يضخ في هذه الشخصيات أفكاره التي يريد لها ان تظهر .. وبما أنه لا يطرح موضوعاً محبوكاً محدداً وإنما يقدّم أفكاراً مُبعثرة على مجموع شخوصه ، لذا فإن شخصيات بيكيت هي أفكار تُقدّم على شكل أشخاص اكثر من ان تكون أشخاصاً إعتيادية ( 13 – 54 ) ، وبذلك فإن بيكيت لا يقدم شخصيات مجسدة على المسرح بلحمها ودمها بل يقدم أفكاره هو على هيئة شخصيات مسرحية . وبهذه النقطة يمكننا ان نحدد شخصيات بيكيت بأنها أفكار تتحرك على مساحة الخشبة (ان بيكيت يجعل شخصياته تلعب دور الممثل الذي يعيش الحقيقة – واللاحقيقة في وقت واحد )(14 – 24 ) ، وهذا هو واقع الحياة في هذا القرن ،حيث تعيش المجتمعات ذلك الخواء الروحي والتمزق الذي أصابها بسبب تمزق العالم الى كتلتين تسعيان كل منهما على حدة لتدمير ألآخر ،وعاش المجتمع الدولي على امل ضربة زر كهربائي واحد لدمار نصف العالم .هذا التمزق والدمار النفسي الذي اصاب النفس البشرية في اجيجها نحو الخلاص والحل جعل من بيكيت يقدم أشخاصه (البهلوانيون)كنماذج من هذا المجتمع الذي يعيش على بحر آسن عفن ( ان الانسان عند بيكيت يعيش في عالم لم يصنعه بنفسه وان هذا العالم يقاوم ما يبذله الانسان من جهود ليفهم الغاية منه )(15-71) .

هذه الغاية التي لا يعرف كيف يحققها لأنه لا يفهم ماهي الظروف المتبناة التي جعلته هدفاً ووسيلة لتحقيق غايات رؤسائه حيث ( أن ألإنسان في عالم بيكيت هو إنسان محروم من أية حرية للإختيار بل انه محروم من الحرية ذاتها.إذ أن هناك قُوى أكثر فعالية منه تتحكم فيه لهذا فإن جل مايأمله هو ان يكون هناك بعض التغيير ) ( 16-46) .

  وعند هذه النقطة نجد ان بطل بيكيت ( إناسه كما يسميهم هو ) لا يرغب في شيء سوى بعض التغيير ( اما البطل عند بيكيت أيّاً كان إسمه فليست له أية حرية في التصرف في ذاته او في عقله ونفسه إنما يحيا داخل دائرة خاوية قد أُغلقت بإحكام وأُسلم العنان لعدم ألإدراك وللجنون والصمت وأحياناً تنبعث منه حشرجة أنسان موثق اليدين والرجلين او أنين إنسان يلهث وقد حُكِمَ عليه بأن يحيا في هذا العالم دون ان يرجو من حياته شيئاً ان يتوسم فيها خيراً . ذلك هو مصير شخصياته الغريبة الذين يرون ان الموت عسير المنال لا سبيل اليه ) ( 17- 264 ) .

   ويمكننا في نهاية الموضوع ان نقدم رأياً ل(ناثان سكوت ) حول أبطال بيكيت يراه الباحث أنسب ما ذكر وكتب حول هذا الموضوع ، فيقول ان ( أبطاله رجال مُسنّون عُور وسكارى وعُرج ومحطمون نفسياً وطريحوا الفراش او يعتمدون على عكّازات او حتى يرتدّون أحياناً الى الزحف على سطح ألأرض وليسوا هم فقط مشلولين لا يستطيعون ان يتحكموا في مساندهم فهم ايضاً عالة يُغطّي عُريهم بنتف من الخوف ومسكنهم تحت شجرة جرداء او في صفائح النفايات او المصحّات العقلية او على رقعة من الارض الباردة المهجورة تحت سماء فارغة لا تقدم عزاء.. إنهم عقيمون وجهلاء بلا يقين عما من هم او اين هم عاجزون عن ألإستحواذ على اللحظة الراهنة في اي نوع من العلاقات المتماسكة من الماضي . إنهم وحيدون بلا علاقات وحتى حين يعثرون على منبوذ آخر في وحشتهم وقد فقدوا براعم التواصل فإن تمتماتهم وهمهماتهم لا يمكن ان تكون اداة تواصل وهكذا فإن الصورة السائدة التي يشكلها مورفي ، وات ، مولوي ومالوني ، فلاديمير وإستراغون هي صورة التعرية والتجريد وألإجهاض والخُسران ) ( 18 – 26 ) .

البناء الفكري لشخصية البطل في مسرحية بيكيت ( في إنتظار غودو )

  يقول بيرايميه توشار ( إنّ الفعل هو الحركة العامة التي تيسر لشيء ما ان يولد وينمو ويموت بين البداية والنهاية ) ( 19- 24 )  ، وهذا ما يمكن تطبيقه على فعل الشخصية والحدث والصراع ، فأما عن الشخصية في مسرحية ( في إنتظار غودو ) وهو موضوع بحثنا فالمسرحية موزعة على خمس شخصيات حاضرة مادياً بكل عوالمها وشخصية سادسة غائبة مادياً وحاضرة فكرياً وفعلاً متمثلة في ( غودو ) . لقد خلق بيكيت من الشخصيات في مسرحية ( بإنتظار غودو ) نماذج أصيلة تمثل مظاهر معينة من حياة ألإنسان ، ففلاديمير وإستراغون يمثلان في الحقيقة واقعاً إجتماعياً يسود فيه فقدان ألأمان والضمان وتبرز فيه حالة اليأس المُضحكة التي تُذكّر ألإنسان بشخصية المُهَرِج الساذج الذي إعتاد الكُتّاب المسرحيون السابقون على تقديمه في مسرحياتهم ، فهما مُشَرّدان ليس لهما أي جذر على ألإطلاق في اي مجتمع مستقر . فالمُتشَرّد يمثل من خلال خشونته ومظهره الرث وفُقره حالة ألإنسانية بصورة عامة كما يراها بيكيت حالة العزلة وألإنفراد وألإهمال التي تكون أصلاً معنى ألإنسان وبنفس الطريقة، كما يمكن ان يمثل ( بوزو و لَكي ) نوعاً آخر من النماذج ألأصلية في حياة ألإنسان ولو انهما يمثّلان العلاقة بين المُستَغِـل وضحيته المُستَـغَـل ،ولكن بيكيت الذي يختلف عن بريخت لا يحاول ان يجعل من هذه العلاقة مجرد رمز للعلاقات ألإقتصادية وانما يجعل بألإمكان ان تفسر على انها رمز لعالم غير ذكي يمثله ( بوزو ) الذي يستخدم التفكير ممَثَّلاً ب ( لاكي ) وكأنه لعبة بين يديه ( 20 – 57 ) .

     عليه فإن شخصيات المسرحية الرئيسية ألأربع تمثّل زوجان لكل منهما :- فلاديمير وإستراغون من جهة وبوزو ولاكي من جهة اخرى ،والمجموعة ألاولى يُمثّلان الجسد والعقل وهما يُمثلاننا نحن بنو الإنسان لأننا نعرف قبل ان تنتهي المسرحية أنهما أنفسنا فنضحك على غرائبهما قبل ان نبكي على جنونهما ( 21 – 87 ) ، ويؤكد ذلك Ÿ