|
الطفل والتعبير المسرحي لمحمد سيف: المسرح والانفتاح علي عالَم
الطفل الجميل
محمد المزديوي
صدر كتاب جديد للكاتب المسرحي العراقي المقيم في باريس محمد سيف.ہہ
يتحدث الباحِثُ في البداية عن الهدف من تأليف هذا الكتيب: ان
كِتَابنَا سيُسَاعد، بكل تأكيد، المعلمين في المدارس والمدربين
المسرحيين الذين يعملون في مجالات مسرح الطفل المتعددة . لا يخفي
علي أحد أن محمد سيف خاض تحربة ثرة في محال المسرح، وخصوصا في مسرح
الطفل في مسارح عديدة من مَسارِح العاصمة الفرنسية وضواحيها. ونعرف
من البداية أن تجربة المسرحي محمد سيف في مسرح الطفل دفعته الي:
اهتمام بالطفل كشخص له مكوناته النفسية والبيولوجية والسوسيولوجية
والثقافية الخاصّة به . من أجل معاملته (أي الطفل) ليس كأداة
تُمكنّه (يقول محمد سيف) من الوجود فحسب، وانما أيضا تمكنه من فهم
نفسه والالمام بما يحيط به كل هذا من خلال تطوير امكانياته
التعبيرية والابداعية الكامنة في داخله أولا . ويعود محمد سيف
ليشرح لنا الأمرَ بوضوح لا لُبْسَ فيه في كيفية التعامل مع الطفل:
لم نتعامل معه علي أساس أنه مُتَلَقٍّ فقط أو كدمية نحركها مثلما
نحب وفي أي وقت نُريد وانَّما جعلناه يفجر نفسه بنفسه بواسطة
تمارين مسرحية اشترك هو في تأسيسها علي جميع الأصعدة الفنية:
تأليف، تمثيل، ديكور، مكياج، والي آخره من مكونات العرض المسرحي .
ومِمَّا يعطي لمحاولة محمد سيف قيمة اضافية هو كونُها تُشدِّدُ،
يقول محمد سيف، علي خلق (علاقة) جدلية بين العمل الفني للطفل
والواجبات المدرسية وذلك من خلال التعاون مع فريق المعلمين في
المدرسة . وهو ما يراه المُؤلِّفُ شرطاً أساسيّاً من شروط نجاح
مسرح الطفل كمسرح تربويّ، لأن نجاح العرض المسرحي للطفل يقاس بنجاح
وتفوق الطفل في المدرسة. ويجْدُر بنا أن نذكر بأنّ المؤلف يكتب
عصارة تجربته في التأليف وفي التدريس المسرحي. لقد قمنا باحياء
مَشَاغِل مسرحية داخل وخارج نطاق المدرسة مدة خمس سنوات كانت
الغاية من ورائها اعطاء فرصة لكل الأطفال في خوض تجارب مسرحية داخل
المدرسة وخارجها وذلك من خلال فسح المجال أمام الذين ينوون القيام
بعمل المسرح من تلقاء أنفسهم لبلورة تجربتهم الخاصة . لأنه بفضل
هذه المشاغل المسرحية استطعنا أن نمنح الطفل فرصة لمعرفة نفسه
ومعرفة المشاكل التي تحيط به ومساعدته علي تفجير طاقاته الخفية
للتغلب علي هذه المشاكل وذلك من خلال زرع الثقة في نفسه وبلورة
قدرته التعبيرية، لأنّ المَسْرَح بالنسبة له يعتبر مجالا أو نشاطا
من خلاله يستطيع الطفل أن يشعر بأهميته كشخص ذي قيمة اجتماعية
تمتلك قدرات خلاقة .
يتناول الكتاب كثيراً من القضايا التي تصب في دفع الأطفال الي
ابراز قدراتهم الكامنة والكمونية. يكتب بأنّ التمثيل الدراسي في
الصفّ هو عِبارةٌ عن مجموعة من التقنيات التربوية وليس دروسا في
تكوين الممثل المحترف . وفي خضمّ هذا التلقين المسرحي يستطيع الطفل
أن يفهم أن لكل كلمة معانيها المتعددة ومكاناتها المختلفة في
الجملة وطريقة نطقها، اذ يمكن أن تأخذ الكلمة معاني مناقضة لمعناها
المتداول، شأنها في ذلك شأن الحدث الذي يُعْرَضُ بكيفيات مختلفة .
الغرض من كلّ هذا، في نَظَر محمد سيف هو تعليم الطفل: أن يدافع
ويحافظ علي حريته وحرية فكره وتعبيره وذلك من خلال اكتشافه بأن
الحياة ليست سوي هذا المسرح الكبير .
نكتشف في هذا الكتيب أن تعويد الطفل علي التعبير المسرحي يخلق
علاقات متميزة بين المعلم والتلميذ. كلنا نعرف بأنّ هذه العلاقات
عادة ما تكون علاقات غير متساوية، علاقات يحس فيها التلميذ
بالدونية والرّهبة. ولكن درس المسرح يجب أن يكون في نظر المؤلف
حدثا غير عاديّ : لا بد أن يصبح كل درس من دروس المسرح بمثابة
احتفال وفرح غير مألوف. فهو نشاطٌ سوف نعيشه دون هواجس تقييمية
مقلقة مثلما هو نشاط ذو طابع مزدوج يسمح بالمغامرة الخالية من
الأخطار التي تقتضي البحث عن أفضل ما عندنا من امكانيات وحيويات .
يعتمد محمد سيف في تجاربه المسرحية علي كتب الأطفال التي تعتبر من
المصادر التي لا تنتهي خصوصا اذا كنّا نبحث عن موضوع نودّ اعداده
وتحويله الي مسرحية . ومن النصوص الذي اعتمد عليها محمد سيف في
مَشَاغِلِهِ المسرحية نعثر علي الأمير الصغير و كليلة ودمنة وألف
ليلة وليلة، كما أنه قام بتوليف قصة أحمد وأميرة الساحرات عن
حكايات ألف ليلة وليلة، وكذلك الملك الأميّ وهي من تأليف محمد سيف،
الخ...
الكِتابُ يعجّ بتفاصيل ضرورية وبالغة التأثير تَصُبُّ كلُّها في
مصلحَة اعطاء الطفل/التلميذ ما يجعله يتعلم، دونما عناء، ويَحْلم
بمَرَح وبيداغوجية لا تعنف الطفل، بل تتركه يعيشُ طفولته المَرِحَة
بكلّ حرية وتلقائية... في الغلاف الأخير من الكتاب نقرأ هذه
الكلمات للمسرحي التونسي الكبير المنصف السويسي: يبدو لي اهتمام
محمد سيف بمسرح الطفل يعود لكون الفنان لا يفقد أبدا طفولته بل
تكبر فيه الطفولة كلما طال عمره وشاخ. ولعل عالَم الطفل، بالنسبة
له، وُجودٌ مرتبطٌ بالقادم مشدودٌ الي المستقبل الذي ينبغي أن تضعه
طفولته اليوم ليتحقّقَ فيه الحلم الذي يسكن محمد سيف: قيام المدينة
الفاضلة .
لقد أحسنَ الباحث والمسرحيّ محمد سيف فعلاً بانفتاحه علي عالَم
الطفل الذي يُعانِي، مع الأسف الشديد، من مَشَاكِل نُدْرَة الكتب
والمؤلفات التي تتحدث عنه. انّ هذا النقص يوجد كذلك في مجال القصص
والروايات الموجهة للأطفال والتي تتحدث عن عوالمهم الجميلة والساحة
وتتَحَاوَرُ معهم بصفة نَدّيّة وواعية...
كاتب من المغرب يقيم في باريس
محمد سيف ـ الطفل والتعبير المسرحي ـ دار سحر للنشر ـ تونس 2003 ـ
100 صفحة
|