|
التجريب شرط هام لتأكيد أن الإنسان مازال
حيا يستطيع الابتكار والاكتشاف والتطور
حوار مع الدكتور: يوسف الريحاني
أجرى
الحوار: عبد العالي السراج
إذا جاز لنا أن نحدد اهتمامات النقد المسرحي العربي الآن في ظل
سيرورة التحولات والتبدلات التي صار يشهدها المسرح العربي في
السنوات الأخيرة ، نقول أن "سؤال التجريب" صار يشكل اغلب هذه
الاهتمامات إن لم نقل كلها- خصوصا بعدما صرنا نلمس في خطابه في
الآونة الأخيرة نوعا من التحرر من بعض الأسئلة التي باتت الآن على
الأقل محسوم في أمرها- كسؤال الهوية والتأصيل والتأسيس...ولم يكن
النقد المسرحي المغربي باعتباره جزء من هذا النقد بمعزل عن هذا
الاهتمام بل هو الآخر انخرطت أهم أسئلته وانشغالاته في متابعة
وقراءة هذا السؤال في سيرورة التغيرات التي صارت تسكن رهانات
الابداعية المسرحية العربية إما في شكل كتابات نقدية أو مقالات
ودراسات أو حوارات لم يكن
الحديث عن التجريب فيها يحضر بنفس الطرحات والأسئلة بل كانت تتنوع
الإشكالات وتختلف القضايا باختلاف طبيعة وحجم هذا الحضور.
في هذا السياق وتجاوبا مع هذا الاختلاف وتفاعلا مع كل
اهتمامات النقد المسرحي المغربي بسؤال التجريب في المسرح العربي
يأتي هذا الحوار مع الأستاذ الباحث الدكتور يوسف الريحاني الذي
ارتبط اسمه بمسرح الأفق وبمساهمته الفعالة والمتميزة في تنظيم
دورات مهرجان تطوان للمسرح التجريبي الذي تنظم فعالياته منذ
سنتين بمدينة تطوان المغربية بحضور أسماء فاعلة في المشهدين
الإبداعي والنقدي والمسرحيين العربيين (سوريا، مصر، ليبيا،الكويت
...) و هو بإنجازاته يعد امتدادا مهما لمهرجان القاهرة الدولي
للمسرح التجريبي في بعض خصوصياته وإنجازا مهما للحركة المسرحية
المغربية في أزمنتها الجديدة.
·
ماذا يعني بالتجريب ونحن نتحدث عن المسرح؟
ما مفهوم وحدوده وأهدافه؟ وما مراميه وتطلعاته؟
وهل يمكن القول بتعريف نهائي أو متكامل على
الأقل لهذا المفهوم؟
لم يعد خافيا اليوم ذلك الجدال حول معنى
مصطلح التجريب-مصطلح لا مفهوم-، هذا الجدال وإن لم يحدد معنى ثابتا
للتجريب إلا أنه ما فتئ يطور باستمرار الاتفاق الحاصل حول هذا
المصطلح في المسرح بمعنى انه إذا لم يكن هناك معنى ثابتا، فهناك
اتفاقا حاصلا: والاتفاق هنا بمعنى الدلالة والدلالة مرتبطة بالعمق
والجوهر عكس المعنى المرتبط بالسطح المتغير باستمرار
لذلك فمعنى التجريب يتغير بتغير مرجعياته، لكن دلالته ثابتة، وهي
(محاولة ارتياد أشكال جديدة في التعبير الدرامي..)
أصر هنا على التجريب المسرحي باعتباره لصيقا
بهذا البحث عن الجديد لكن ليس أي جديد!! بل الجديد الذي يحقق اللذة
الناتجة عن الأثر الجمالي المبتكر، وإلا سنكون فقط إزاء محاولات لا
تحقق نتائج فعلية ولا تقدم لنا العمق الإنساني والعلمي للتجريب
ولأن الابتكار والجدة سمتان أساسيتان من سمات
التجريب المسرحي، كان لابد أن يكون هذا التجريب في حد ذاته تخريبا
لكل ما هو ثابت ومستقر
إنه كلما تسابق الجمهور الانطباعي إلى ترك قاعة المسرح أثناء
عرض ما
كلما كثرت الكتابات الوصفية سالبة من هذا العرض صفة (مسرح)؛
كلما كان ذلك مؤشرا جيدا على تجريبيته
فلا عجبا إذا نعتت عروض مهرجان
القاهرة الدولي للمسرح التجريبي من لدن كبار المسرحيين العرب
أنفسهم، بأنها مسرح تخريبي لأنها بالفعل كانت تخريبا وتدميرا للصيغ
التقليدية التي عرفوها ومارسوها نقلا عمن سبقهم. من هنا، فالتجريب
لا ينتج عنه سوى مسرح مشاكس
منفلت عن السلطة
مسرح حدودي جذوره غامضة وعلاقته بالمركز هشة
غير مجبول على تقديس العادات وينحو على الدوام نحو الهامشية
وغالبا ما يكون غير مرغوب فيه لأنه لا يهدف إلى خدمة أي ماض مجيد
ما دام يراهن على الآتي في مواجهة براثن الماضي.
وبغض النظر عن جينيالوجيا المصطلح، فإن التجريب سمة جوهرية لصيقة
بالإبداع خاصة وبكل أفعال الإنسان عامة
فهو شرط هام لتأكيد أن الإنسان ما زال حيا يستطيع الابتكار
والاكتشاف والتطور
يغير رؤاه للعالم بتغير المحيط من حوله لذلك، ينبغي أن نميز
بين التجريب الطبيعي الذي صاحب ممارسة الإنسان للمسرح منذ الأزل
وهو ما أسميه بالتجريب الإكتشافي
التلقائي
الذي يختصر كل المحاولات التي أحدثت قفزات كبرى في مسار المسرح
العالمي
وبين تجريب التحديث
الواعي
المقصود لذاته، وهذا هو الذي أفضى إلـى المســرح التجريبي
المختبري الذي بدأت ملامحه تتشكل في أوربا منذ أواخر
القرن التاسع عشر على يد أندري أنطون (Andrι
Antoine)
وبشكل أعمق مع ألفريد جاري (Alfred
Jarry)
إن المسرح التجريبي وهذا هو المهم: ممارسة اختيارية وواعية
ومدروسة، هدفها هدم الأنماط المكرورة وإبداع مفردات مبتكرة لتحديث
التعبير الدرامي
أو بعبارة أوضح: إنه حالة إبداعية
جوهرها الأصالة لا التقليد والتكرار
تعبير بكر عن ذواتنا وعن العالم من
حولنا.
·
إذن هل التجريب ظاهرة؟
اتجاه؟
نظرية؟
مقولة نقدية؟
وردت الإجابة على ذلك متشذرة أعلاه، ومفادها أنني أتصور أن التجريب
لا يمكن اعتباره اتجاها أو تيار، بل على العكس من
ذلك يمكن الحكم على بعض الاتجاهات والتيارات بكونها تجريبية أم لا.
التجريب في جزء منه أقرب إلى الظاهرة
ظاهرة حياتية- فهو يتحدد بداية كتكنيك يتطور ليغدو أسلوبا
في الأشتغال، ومن ثم نمطا في الحياة كما في الإبداع
لذلك، فهو ليس تقنية فارغة، وإنما
أداة لتكوين معارفنا المتجددة باستمرار وعملية يبتحقق النتاج
المسرحي من خلالها...
لأجل كل ذلك، كان المجرب (بكسر المراء) المسرحي في حاجة إلى تعميق
معارفه الإنسانية، فلا عجب إذا وجدنا أغلب المجربين المتميزين
عالميا ولجوا المسرح من باب تخصصات بعيدة عن التكوين الأكاديمي
الجاف والميت كما تنهجه أغلب المعاهد المسرحية التقليدية معظم
هؤلاء المجربين جاؤوا من تخصصات متمايزة: (فلسفة؛ آداب؛ علوم
اجتماعية؛ تاريخ؛ فكر إنساني؛ رياضيات؛ هندسة؛ سينما؛ تشكيل؛ طب؛
صيدلة؛ جيولوجيا؛ فيزياء؛...
·
هل يمكن الحديث عن التجريب في المسرح العربي؟ ما دلالته وجوده
الاختلاف والتقاطع بينه وبين التجريب في المسرح الغربي؟و هل استطاع
المسرح العربي تأصيل ظاهرته بالتجريب لينتقل إلى زمن التأسيس
الجديد والمغاير؟ وهل الشرط الحضاري مناسب لخلق حالات تجريبية
عربية؟
التجريب
في المسرح العربي أضحى قضية واقعة وملحة، تكتسب ممكناتها الوجودية
من السياق الحضاري الراهن، خصوصا بعد أن استكمل هذا المسرح في كل
الوطن العربي فترة تحوله من مرحلتين: الطقوسية (التعزية؛ المواكب
الدينية؛
) والفرجوية (الحلقة؛ البساط؛
الحكواتي؛ السامر؛ خيال الظل؛...) إلى المرحلة الحديثة (مسرح
البناية والمؤسسة المدينة).
وهذا التحول لم يتم
كما
هو شائع- بفعل التقليد الأعمى أو الاستيراد فقط، ولكنه تحول طبيعي
وحتمي يتماشى وتحول المجتمعات العربية مع بدايات القرن العشرين من
نمط العيش البدوي والزراعي (البري) نحو نمط العيش الصناعي (المدني)
فظهور المدينة العربية الحديثة بمصانعها ومطابعها وصحافتها
كان مسببا أساسيا في تطور المسرح العربي نحو الشكل الحديث
(الإيطالي)، وكلما ازداد هذا الشكل رسوخا كلما أضحت الحاجة إلى
التجريب والابتكار ملحة، إنني أعتقد جازما بأنه كلما انطمست ملامح
البداوة من مجتمعاتنا العربية كلما انطمست معها أشكل الفرجة
التهريجية التي تطلع عليها تحت تسمية المسرح التجاري
وبات المجال مشرعا أمام المسرح التجريبي القادر لوحده
على
اختلاف مدارسة وتيارته واتجاهاته- على مجابهة تحديات الانتقال
لمجتمع ما بعد الحداثة..
من هنا، فإن أي حديث عن التمايز بين التجريب
المسرحي العربي ونظيره الغربي هومن باب الجدال العقيم. إن المسرح
التجريبي قد، يبدو للبعض غربيا لأنه بالفعل غربي النشأة-بفعل ظروف
تاريخية ليس إلا-، لكنه إنساني العمق، وهمه سواء في الشرق أو الغرب
هو واحد: اختراق الطابو(le
Tabou)
وأقصد: كل منظومة تدعي امتلاكها حقيقة ثابتة ونهائية. عند هذه
النقطة (كسر الطابو) يتقاطع كل تجريب مسرحي ضمن تركية عالمية واحدة
وعند تلك النقطة أيضا تتمايز التجارب في اقتراحاتها واجتهاداتها،
وإلا صار التجريب هو الآخر منظومة ثابتة مما سيناقض عمقه الإنساني.
هناك حضارة إنسانية واحدة، قد نختلف إن كانت
شرقية أم غربية، لكننا لن نتنازع طويلا حول عمقها الإنساني
الحضارة لا تقوم إلا بالحوار وتلاقح
جميع الأجناس بعاداتهم و ثقافاتهم المختلفة
الحضارة واحدة عمقاها الحوار، والتجريب كجزء من هذا الكل لا يقوم
هو الأخر إلا على أساس التقاطع .إن المسرح الأوربي لم يتخلص من
راديكاليته إلا عندما فتح رواده (آرطو؛ بريخت؛ مايرهولد؛ جروتوفسكي؛
بروك؛ باربا؛
)
حوار مع الفنون والثقافات الأخرى كالهندية والصينية والإفريقية
والعربية
وكذلك المسارح الأسيوية والإفريقية والعربية لم تستكمل عناصر
تحولها نحو الحداثة (على تفاوت هذا التحول) إلا بالحوار مع الفكر
الغربي
فأين هو هذا المسر ح الغربي المحض أو الشرقي المحض
إن قيمة التجريب أنه هجنة الأفكار
والاجتهادات المتلاقحة ضمن خط حلروني لا يعرف سوى الامتداد الدائري
نحو اللانهاية
إنه هجنة تخون أسطورة الأصل ونقاءه وصفاءه
يعلمنا كبشر أن نتخلى عن عصابياتنا
وأنانياتنا العضال
أن ننسى أسماءنا
وألا نميل إلى الأصل والجدر ولكن لما وراءهما
يثير الحاجة الملحة فينا لنتحول إلى رحالة لا نكف عن الترحال
والترحال
إذن، في عصر جديد يطل علينا اليوم
وسيفرض
علينا نفسه ولو بالعنف والقوة!-عصر تتوحد فيه أسئلة الجمهور
العالمي الذي بدأ ينتظر من السياسة والإبداع الثقافة والعلم والفن
نفس الأجوبة
أليس كل ذلك شرطا محفزا لخلق حالات
تجريبية في العالم العربي الذي ما يزال مترددا في اقتحام عصر ما
بعد الحداثةPostmodernity ؟
إن دولة أوربية واحدة ذات جذور عربية وإسلامية كإسبانيا تنتج اليوم
ما ينتجه كل الوطن العربي!!
كما تدل أرقام البنك الدولي للتنمية لسنة 2004 أن العالم العربي
يشكل أقل إسهام عالمي في الرفاهية العالمية!!!
ما السبب!؟
أكيد أن هذا الوطن الشاسع لا تنقصه الثروة البشرية والمادية
لكن ينقصه عقل جديد : إنساني، مغامر ومجرب
يحتاج هذا الوطن لأن يجعل من التجريب ظاهرة حياتية
الشرط الحضاري يلح اليوم على مسألة التجريب أكثر من أي وقت مضى،
المشكلة أن الزمن لا يرحم ولا ينتظر أحد؟
من يتقدم ويقتحم يواصل سيرورته الحلزونية نحو اللانهاية، ومن يتوقف
ويتردد ينغرس مكانه
ينطمس شيئا فشيئا
لينمحي إلى الأبد.
·
هل استطاع التجريب في المسرح العربي أن يتخلص من ثقل مجموعة من
الأسئلة من قبيل: التأصيل؛التأسيس؛ العلاقة بالآخر؛ الهوية؛
للانفتاح اكثر على ما هو إبداعي وجمالي؟ أم أنه لا زال رهين هذه
الأسئلة التي ظلت ملازمة له من البداية حتى الامتداد؟
لأن التجريبي ينبني على ما أسميه
ب«الاستقلالية المسرحية» فإنه لا يتنافى مع مبدأ «التأصيل»
بمعنى أن التجريب ليس صورة طبق الأصل
لما هو مستقر بل هو محاولة لإيجاد الجديد
لكن ما هو هذا الجديد!!؟
إن هذا الجديد وفق أدورنو(Adorne) هو في حالة ذاته القديم
فالقديم بجد نفس في الجديد ويصبح مفهوما أكثر من خلاله.
علينا أن تقتنع بأننا يمكن أن نبدع انطلاقا من أي شيء مهما تبدى عتيقا أو
مبتذلا عبر تفسير مبتكر له يحقق التواصول مع الجمهور بعض النظر عن
اختلافاتهم اللغوية أو الثقافية.
العمل التجريبي يحمل روح عصره لأنه تعبير عن هموم الإنسان
المعاصر وقضاياه،
عن الخلل الكامن فيه والحادث له
وهنا بالضبط يكون التجريب في عمقه تأصيلا؛ محاولة دائمة للتوصل إلى
أسلوب جديد بمسرح القديم من وجهه نظر مبتكرة
لذلك، فقيمة للتجريب في أصالته وليس
العكس
من هنا، كان مبدأ التجريب المسرحي هو قدره المجربين على التفسير
فمسار المسرح العالمي لم يتكلم عن
المخرج المسرحي كخالق إلا مع تبلور المسرح التجريبي الذي شرع الباب
واسع أمام مهام جديدة في العملية الإنتاجية: الدراماتورج؛
السينوغراف؛ المخرج المفسر؛ الخ
·
هل هناك تراكم حقيقي المسرح العربي حتى تصير قضية التجريب موضوعا
للقراءة والمكاشفة والنقد؟
إذا كنت تقصد التراكم من حيث الكم،.. نعم هناك تراكم يحققه المسرح
العربي باستمرار في كل الوطن العربي مما يجعل من قضية التجريب
المسرحي موضوعا للقراءة النقد والتنظير، خصوصا بعدما عرف هذا
المسرح منذ سنة 1987 تنظيم مهرجان عالمي سنوي للمسرح التجريبي
بجمهورية مصر العربية وهنا ينبغي التنويه بصاحب هذه الفكرة الفنان
فاروق حسني وزير الثقافة المصري وكل المثقفين المصريين الذين
ساهموا معه في جعل هذا المهرجان منارة عالمية للبحث والتجريب وعلى
رأسهم الدكتور فوزي فهمي أحمد.
لكن المشكلة هي افتقاد المسرح العربي لسياسات محكمة تجعل منه
تقليدا حيويا في المجتمع العربي-استثنى من ذلك مصر- فالمسرح في
الوطن العربي لم يتحول بعد إلى منتوج ثقافي استهلاكي، وقاعات
العروض ما تزال قليلة وعروضها غير متصلة
وما تزال أقوى العروض التجريبية لا
تقدم سوى الليالي معدودة
ناهيك أننا تفتقد دور نشر متخصصة في
المسرح، وعدد الدوريات والمجلات المتخصصة ضئيل جدا
كل ذلك يحد من مقدرة المسرح التجريبي على التأثير في مرجعياته
لكن ذلك لن ينفي على الإطلاق وجـوده وكينونته ولو في بيئة صعبة-فهو كائن بالفعل، وعمليات قراءته ونقده
ممكنة إن لم نقل ضرورية.
·
كيف قرأ وتلقى النقد المسرحي دينامية التجريب في المسرح العربي؟
وكيف تقصى حقائقه وأهدافه ومراميه؟ بمعنى: هل استطاع النقد المسرحي
العربي أن يواكب التغيير الذي حدث ويحدث في المسرح العربي؟وهل
يمتلك الأدوات التي يستطيع بها أن يقرأ هذه التجربة؟ وهل استطاع أن
يغير أدواته ومناهجه بخلق أخرى جديدة قادرة على استيعاب خصوصية
المرحلة ورهاناتها الكبرى؟
طبيعة المسرح التجربي ألا ينسجم والحساسية النقدية السائدة. لأنه
يمثل تحديا للمعايير المتواضع عليها لكن، ينبغي الفصل بين البحث
المسرحي والنقد المسرحي. فمثلا، الدكتور علي الراعي أو الدكتور حسن
المنعي باحثان متميزان في المسرح، لأن لأول بحث في ظاهرة المسرح
العربي بينما طور الثاني أبحاثه من ظاهرة المسرح المغربي نحو البحث
في علم المسرح، وتوج أبحاثه في (صناعة الفرجة؛ النقد الجديد؛
السيميولوجيا؛ الجسد؛ الأنتروبولوجيا؛
) بإنشاء مختبر المسرح المغربي. أما النقد المسرحي فهو محاولة
لقراءة وتقييم الإنتاج المسرحي في قطبيه (نص/عرض) متوسلا في ذلك
بأدوات إجرائية مستمدة من خصوصيات المسرح الأجناسية.
استنادا إلى ذلك، فإن مزاولي مثل هذا النقد من منظور علمي متماسك
ومنسجم في الرؤى والأدوات ما زالوا قلة، وجلهم ركزوا مكانتهم منذ
عقدين على الأقل: (بول شاؤول؛ عبد الرحمن بن زيدان؛ نهاد صليحة؛
أسامة أبو طالب؛ رياض عصمت؛
) ورغم بروز أسماء أخرى جديدة خصوصا
في مصر-عمرو دوارة؛ وفاء كمالو؛ ناهد عز العرب؛ نبيل بهجت ...) أو
في المغرب، إلا أن حركية النقد العربي الجديد لا تزال غير فاعلة في
تقديم حقول عمل أكثر أهمية للممارسة اعتبار لضعف النشر وانعدام
مجلات ودوريات متخصصة في متابعة جديد الخشبة العربية تلقى توزيعا
ورواجا في كل الوطن العربي.
كما أن العرض التجريبي يطور باستمرار من أساليبه (الكلمة؛ الحركة؛
اللون؛الخيال؛ الضوء؛ الصورة؛
)
في حين يظل معظم نقدنا المسرحي أدبيا بامتياز، مما لا يسمح ببلورة
قراءات معمقة لخلفيات المسرح الجديد واستيعاب خصوصياته إلى درجة
تجعلني أؤكد بأنه لم يظلم جيل من الأجيال في تاريخ مسرحنا، كما
يظلم الجيل الجديد اليوم الذي يبتكر دون حركية نقدية قوية تواكب
ابتكاراته بأدواته ومناهج تماثلها في الجدة والابتكار:( تطعيم
النقد بمنجزات السيميولوجيا والتداولية مثلا) لكن مع ذلك ينبغي ألا
ننتظر استجابة فورية للتجريب فنحن نحتاج لفترة معينة حتى يتمكن
النقاد الجدد من استيعاب هذه الابتكارات وإيصال جوهرها للجمهور؛
تماما كما حدث مع مسرح العبث أو فيما بعد مع تجارب ما بعد الحداثة
(نصوص برنارد ماري كولبيس
Bernared Marie -Koltθs
نموذجا).
لهذا على المجربين أن ينتزعوا من وعيهم فكرة الناقد وأحكامه
الصارمة وهم يجربون ويبتكرون
عليهم أن يبدعوا ضد تيارات النقد السائدة وضد كل نجاح فوري
وبالمقابل على النقاد الجدد الذين نحن في أمس الحاجة إليهم، أن
يفتحوا أفقهم باستمرار على التجارب الجديدة لكي يتمكنوا من ترهين
إنجازات المسرح التجريبي، فإذا كان المسرح العربي مطالب بالبحث لكي
يتجدد ويتطور، فإن النقد بدوره مطالب بذلك
وهنا المفارقة الجميلة، إذ ليس النقد الذي يطور المسرح فقط،
ولكن المسرح التجريبي يصبح بدوره محفزا لتطوير النقد من هنا فكل
التجارب المبتكرة في وقتها تلازمت وبروز نقد مبتكر: (مايرهولد
= الشكلانيين الروس) (بريخت = حلقة براغ)؛ (مسرح العيث = مارتن
إيسلن)؛ (حلقة المسرح اللبناني =بول شاؤول)؛ (الاحتفالية=النقد
الاحتفالي مع الدكتور عبد الرحمن بن زيدان)، (مسرح الحر= نهاد
صليحة).
لذلك فالتجارب الجديدة في المسرح العربي في الحاجة إلى نقد جديد
ونقاد جدد .المسرح العربي يعرف اليوم تجارب رائدة:(ربيع مروة
بلبنان وسهام الناصر أيضا؛ باسم عوض وحكيم حرب بالأردن؛ شادي عاشور
بالسعودية؛ عمر غباش بالإمارات؛ رولا فتال بسوريا؛ يوسف الأكرم
بقطر؛ تجارب الفرق الحرة بمصر؛ عز الدين المهدي بليبيا؛ تجارب مسرح
الأفق ومسرح الشامات ومسرح الأصدقاء: المغرب إلخ...)
كل هذه التجارب الجديدة في حاجة إلى نقاد جدد يمتلكون مفاتيح
متعددة وعيون مغايرة اكتسبوها من تمرسهم بفنون أخرى: (تشكيل؛
كوريغرافيا؛ موسيقى
) حتى بتمكنوا من فك علامات العمل
التجريبي المبتكر.
·
هل ستظل رهانات الغموض والتعتيم والحرص على خلخلة كل التوابت شروط
ضرورية لولوج بوابة التجريب؟ أليس مثل هذه الرهانات "بدعوى
التجريب" هي التي أفضت بالمسرح العربي إلى & |