|
من ذاكرة المسرح العراقي
تجارب رائدة في تأسيس الفعل المسرحي
الدكتور عبدا لرحمن بن زيدان
ـ 1 ـ
نهب العراق مخطط العولمة في زمن الاحتلال
العراق دولة موجودة قبل النفط، وستوجد بعد النفط، لأن سبب وجودها هو
عمقها التاريخي والحضاري الذي أضاف إلى الحضارة الإنسانية فكرا
وأدبا وقانونا وفلسفة وأشكال عمران وكل ما كانت تتوج به موقعها
الجغرافي في الشرق، وكانت تصوغ به مكانتها في العالم فكانت العراق
كلما علت قامتها، وكلما أصبحت بعطائها الإنساني قوية بصوتها في
الزمان والمكان، إلا وتصير مرمى كل رام، وهدف كل غاز، وقبلة كل من
يريد أن يكتشف أسرار الشرق فيها ليأخذ منها إكسير الحياة.
بغداد رمز أزلي بهذا العمق التاريخي يريد الغزاة قتله أو إلغاءه
ليحل محله رمز آخر يأتي دوما من الأبعاد ومن الأقاصي ليدك آياته
وإشعاعه ويضع في نبضه الأصفاد.
من أراد أن يستولي على العالم، ويفرض هيمنته على أكوانه، عليه أن
يستولي على بغداد التي تعرف كيف لا تنهزم، وتعرف أن أعداءها لا
يعرفون كيف ينتصرون على وجود الإنسان فيها.
بغداد هي العراق، والعراق هي بغداد، هما معا يعطيان للرمز معنى
الامتداد في كل المدن العراقية، ويهبان للامتداد معنى الانتماء إلى
الأزمنة والتواريخ والمآسي التي كتبت علاماتها في تاريخ العراق
بالبهجة وبالدم وبالصراع حول السلطة، أو الصراع بين مد التحرر في
روح العراق، وبين قوة الأسر والاحتلال الذي يخطط دوما لمحو العلم
والثقافة من عمر العراق.
بغداد تحكي عن الغزوات والكر والفر والنصر والهزيمة، تحكي عن غرائب
ومغربات تغريبات من غادرها مضطرا حاملا معه رمزه وأزمنته ومعاناته
ليلقي بنفسه في دوامة المجهول وفي الغربة المرة وفي المنفى
الجارح.هذا الحكي لا يحكيه إلا من يعرف كيف يحكي عن أزمنة بغداد
والنجف وكربلاء والبصرة والموصل وأم قصر ويعرف كيف يحكي عن دهاليز
الحبس القديم والجديد ،و يحكي عن الشد والترحال ، وعن الذهاب بدون
عودة ، أو العودة بلا عودة.
من بغداد تكون الهجرة، ومن المطلق تكون العودة إليها.منها تبدأ
الكتابة الأولى والحرف الأول، والبسملة الأولى والبسمة الثكلى
والفضاء المستباح.إلى بغداد تعود الجيوش وقد تأبطت قوتها، وامتطت
آلاتها ومزمجراتها للوقوف على الخراب الذي لم يكن فكان بدخولها
نارا ومشواة للأبرياء ضحايا الزمن الردئ، وضحايا الأزمنة الموجعة
في مشاهد الحرائق التي لم تكن قد اندلعت فاندلعت بعد ولوجها بئر
البترول. أثناء الدمار وفي زمن الحريق القاتل تسمع أصوات وأنات
وآهات، تحترق بسببها الشفاه والحواس والبشرة وما هو تحت البشرة
والجلد والعظم. بسبب قدوم قوات التحالف التي أشعلت حياة الدمار
الشامل بين الناس لتطفئ حياة الناس بعد هذا الدمار الشامل الذي أتى
على اليابس قبل الأخضر، وأتى على الإنسان قبل الأخضر واليابس.
في زمن قياسي، وفي لمحة البصر، وخارج الزمن الاعتيادي هوى كل شيء،
هوت القنابل العنقودية والحمم فوق رؤوس الناس، و اندكت المنازل فوق
الرؤوس وصار الانفلات الأمني سيد الفوضى والنهب و الاغتصاب.
بعد تعبئة الشارع العربي بالخطابات، كانت أمريكا تعد منذ سنوات خططها
المدروسة المتقنة للإطاحة ـ ليس بالنظام الحاكم في العراق ـ ولكن
الإطاحة بقدرة العراقيين على التحمل والمكابدة والعطاء كشعب له
حضارة وكيان في التاريخ وفي الأزمنة الغابرة والحاضرة لتقويض العقل
العراقي والحد من قدراته في التطور وفي البحث العلمي والتكنولوجي
والتحكم في موارده وتراثه وثوراته وإبعاده عن فكرة الحفاظ على
تعدده الذي يحافظ على الوحدة وعلى التراث المشترك والمصير المشترك
خارج التخطيط الإمبريالي الذي يريد تقسيم وحدة العراق إلى مناطق
خاضعة لكل السيناريوهات التي أعدتها قوات التحالف لخدمة المصالح
الغربية والتحالف الغازي.
لقد دخلت أمريكا وحلفاؤها العراق، وتوزعت القوات المدربة في العراق
لتحقيق ما يسمى "تحرير العراق "، ودعمت ذلك بإعلام قوي صار يتحكم
في مصادر الخبر والصورة، وجندت جنودها وحاملات الطائرات وأسلحة
الدمار الشامل، والأسلحة المعلومة والمجهولة للدخول إلى بغداد، أو
الدخول إلى القلب العربي لاحتوائه وتدجينه بمجموعة من الاحتمالات
التي جعلت القوات الأمريكية بعد سقوط بغداد تتلذذ بحوادث النهب
والإحراق المتعمد لكل البنيات التحتية التي هي ملك لتاريخ العراق
بكل أزمنته المظلمة أو المضيئة.
إن التفرج الأمريكي على ما يجري في أرض العراق، يدخل ضمن المخطط
الشامل والعام الذي يحقق محوا آخر للذاكرة العربية، ويحقق أيضا
توسعا آخر، واحتلالا آخرا وهيمنة أخرى بمخطط يمثل في العراق وفي
العالم المعاصر أكبر وأقوى انقلاب عسكري قادته الولايات المتحدة
الأمريكية لتغيير نظام بعثي بنظام انتقالي يقود إلى الغموض الذي
يخدم مصالحها.
إنه انقلاب يوسع رقعة احتلال الوطن العربي، ويضمن أمان العمق الأمني
لإسرائيل، ويضمن ويؤمن أشكال النهب الذي ضرب بعرض الحائط الشرعية
الدولية والأعراف والمواضعات والاتفاقيات وكل ما يضمن حق الشعوب في
تقرير مصيرها والحفاظ على تراثها.
لقد تعقدت مهمة الأمريكيين قبل وأثناء الغزو، لأن العالم الحر اكتشف
أن البعد الاحترافي الماهر والمتقن في سرقة التراث العراقي، وأن
العنف الذي كان يدك القصور الرئاسية هو نفسه الذي كان يدك الأحياء
المدنية الآهلة بالسكان، وكان هو نفسه الذي ينطق بلغة الموت
الجحيمي وبالعنف وبالشراسة أثناء الحصار، وأثناء إتلاف المختبرات
العلمية وإحراق المدارس والكليات وكل المؤسسات العلمية، وضرب
المستشفيات، وقتل الصحافيين، للوصول إلى ضرب عمق العقل العربي
وثقافته وعلمه وتقدمه المحتمل.
إن حساب الحرب على العراق هو حساب الشركات البترولية الغربية
وتنافسها، وهو حرب حساب المضاربات الاستثمارية، وحساب الصناعات
الحربية، وحساب الأوراق الانتخابية للرئاسة، وحساب التغلغل
الصهيوني في دواليب السياسة الأمريكية، وحساب تصفية ما تبقى في
الصف العربي من إمكانيات رأب الصدع للوقوف وقفة رجل واحد أمام هذا
الغزو العولمي على الوطن العربي.وهو حساب الحفاظ على الخارطة التي
تحجم من الوجود العربي بتجريده من حدوده ومن كيانه ليصير دون قوة
فكرية أو ثقافية أو علمية.
هذا يعني أن الصورة واضحة في العراق بعد الضربة الاستباقية التي سبقت
كل التوقعات وكل التكهنات حول معنى وأهداف الحرب على العراق.هل هي
الإطاحة بأخطاء النظام السابق ؟أم تبرير الحرب بهذه الأخطاء للدخول
إلى المنطقة تحصينا للمصالح الإمبريالية في العالم،والدخول إلى كل
أعماق الوطن العربي لتجريد الشعب العربي من كل قدراته التي صارت في
الشرعية الجديدة أسلحة دمار شامل، وهو ما برر التواجد العسكري في
العراق حين بدأ يغير السيناريوهات كل ما جد جديد، فصار يتحدث عن
السياسة أكثر من حديثه عن التخطيط والتعمير، وصار يتحدث عن التقسيم
دون الحديث عن أحوال العراقيين العزل، وصار يتحدث عن تشكيل الحكومة
الجديدة دون الحديث عن الإجماع العراقي أو الإجماع العربي أو
الدولي في هذا التشكيل.
الحل والعقد في يد الأقوى، أمريكا دولة ديموقراطية، تؤمن
بالديموقراطية، وتريد إرساء أساس الحكم العادل، والمجتمع الحر
والسيادة الحقيقية للشعوب على أرضها ومائها وهوائها وثوراتها
وعلاقاتها.لكن مرارة الاحتلال، ونهب المتاحف، وإحراق المكتبات،
بخطة محكمة، وسرقة المكتبات بخطة محبوكة، وإحراق كل الوزارات إلا
وزارة النفط، وسقوط بغداد على عجل،وإحراق دار الإذاعة والتلفزيون
جعل سقوطها التراجيدي يثير أسئلة الغموض أكثر من إثارة أسئلة
الوضوح حول سقوط ملتبس معقد أفقد الصراع بين الغزو ومعنى الحرب على
العراق حلقات الوضوح والفهم وتتبع التسلسل المنطقي أو العبثي
للسقوط.إن السقوط قدم شكل صراع الديموقراطيات والديكتاتوريات داخل
أسرار صراع الديكتاتوريات مع الديكتاتوريات، وتأكد أن قانون الأقوى
هو الشرعية المفروضة على الشرعية الدولية، وأن الشرعية الدولية في
مهب الريح، وأن الريح تجري بما تشتهي مصالح الأقوى لتحصين مصالحه
وما يفيد قوته، ويكون مجديا لسياسته.
بعد السقوط، هل يمكن الحديث عن صفقات واتفاقيات سرية لتجنيب العراق
أهوال الحرب أم أن الأمر أعمق من ذلك؟
إن الشرعية الدولية هي شرعية أمريكا وحلفائها، وهي بعد العولمة
الجديدة في هذه الشرعية، وهي بعد الشرعية المحمية بهذه العولمة،
وهي المسوغات التي تبرر رسم خارطة جديدة للعالم، أو وضع تضاريس
جديدة للعلاقات الدولية في العالم، وهي وضع حد للإرهاب، وتوقيف
انتشاره، وضرب مواقعه الظاهرة والخفية في العالم الموجود والمعروف
عند أمريكا، أو خلق فزاعة الإرهاب لتبرير الأقوال والأفعال.
لكن وأمام الجريمة المنظمة لسرقة تراث العراق، ونقل المسروقات خارج
العراق، وإتلاف الآثار العراقية، ومحو ذاكرة الحضارات البابلية
والآشورية والسومرية والإسلامية والكردية أليس هذا نوعا من الإرهاب
الفكري المنظم؟.
إن النظام العراقي قد سقط، وصار الفراغ سيد المكتبات التي كانت
عامرة بالأسفار والمخطوطات والوثائق النادرة النفيسة، وصار الفراغ
سيد المتاحف، وصار الفراغ سيد الفراغ.وصارت المكتبة الوطنية
العراقية ذاكرة مستباحة للنهب.
فراغ هذه المكتبات والمتاحف لا تعوضه الأزمنة القادمة لأن امتلاءه
هو عطاءات الأزمنة والإنسان والحضارات والعبقريات التي تميز أصالة
الشعب العراقي.
والآن ماذا بعد سقوط بغداد؟
وما مصير الثقافة ؟وما مصير المثقفين في العراق؟
إن حضارة دجلة والفرات تحمل معها دوما الخصب والنماء والعطاء وشارات
التحول، وعلامات النهوض من جديد لأن العراق سيبقى للعراقيين خارج
المساومات، وسيظل وحدة موحدة بالتاريخ المشترك الذي يوحد العراقيين
لتجاوز كل التراجيديات والملمات التي ألمت بهم، لأن صرخة الحق
ستجعل العراقيين يحكمون العراق بعمقهم التاريخي الذي به يتكلمون
وينطقون لبناء حضارة مستقبلية تعمر ما دمرته الحرب.وسيظهر أدب جديد
وأدبيات جديدة وإبداع جديد يؤرخ لكل الأحداث والصور التي ضاعت زمن
السقوط، ويؤرخ لزمن النهوض الجديد في المعادلات الصعبة والصراع
الجديد والخرائط التي يضعها الأقوى . كيف يمكن الرجوع بالعراق إلى
طبيعته لخلق حوار بين النخب العربية ؟
لقد ربحت أمريكا الحرب و لكنها لم تربح السلم، ربحت دعم الحلفاء
لكنها لم تربح التأييد المطلق للعراقيين، العراق الآن في مساره
الجديد مطالب بمصالحة وطنية، وبمشروع وحدوي واحد، ومطالب أيضا
بإعادة ترتيب الوحدة الوطنية وفق الرهانات الجديدة بثقافة جديدة
تعيد الصوت إلى صوته والبصر إلى الأحداق والحق إلى أصحاب الحق وهو
الشعب العراقي ضحية المؤامرات السرية والعلنية، لأن العراق يعيش
اليوم مرحلة الحسم لتقرير مصيره بما يضمن سيادته وديمقراطيته من
أجل مجتمع مدني متماسك.يبدأ بالمصالحة مع الذات لتوكيد المصالحة مع
العالم الذي يعطي الشرعية الدولية مكانتها في العلاقات الدولية.
من هذا المدخل أريد أن أجعل ذاكرة المسرح العراقي تتكلم عن التجارب
المسرحية التي عمل بها المسرحيون العراقيون على إبراز جانب مهم من
الإبداع المسرحي العربي ، وإظهار الجوانب المشرقة في التعامل مع
التراث أو مع الواقع من خلال الرمز ، أو من خلال قناع التراث
للحديث عن واقع مختل، أو واقع ملتبس، والقراءة هنا تعتمد على تلقي
كثير من العروض المسرحية في أزمنة مختلفة سواء في بغداد أو في
مهرجان قرطاج، أو الرباط،عروض أرخت لمرحلة سالفة،لكن التأريخ لم
يضع،لأن زمن الكتابة يحمل زمن الرؤية المستقبلية ، وزمن التنبؤ بما
كان سيحدث،أو حدث، والنماذج المقروءة هي فعل ممارسة إحياء هذه
التجارب كفعل له ثقافته ومرجعياته التي كونت المسرح بمواضيع الواقع
والتاريخ والحلم والضياع والبحث عن البديل في زمن السلم وفي زمن
الحرب، والنهوض والسقوط،من هنا يحضر في هذه القراءة الدكتور صالح
القصب،وعادل كاظم،ومحسن العزاوي ويوسف الصائغ ،وهاني الهاني.ويوسف
الصائغ وقاسم محمد .وعزيز خيون ومحمود أبو العباس، والحضور مجاله
إما كتابة النص الدرامي أو الإخراج أو التمثيل.وتأتي هذه المقاربة
النقدية لتقديم ذاكرة المسرح العراقي بقراءة المسرح العراقي .
مسرح
الدكتور صلاح القصب
من
متاهة الحلم الجميل إلى الأسئلة الموجودة
الدكتور صلاح القصب مخرج لا يعرف تقليد الصورة أو النموذج أو
الكتابة السابقة لأنه في جديده يتوخى خلخلة السائد و المعروف، و
يعمل على ضرب ثوابت الفعل المسرحي بحثا عن صورة مغايرة تكون محملة
بدلالاتها الجديدة، و تكون ناطقة بعلاماتها في فضاءات حالمة بحلم
العشق الذي يسكن هذا المخرج المجدد.
إن
صلاح القصب في تعامله مع الواقع و الأدب و الفن و الجمال لا يريد
أن يكون مندهشا بما عند الآخرين، و لا يريد أن يجعل الإنتاجية
المسرحية تكرارا لتجارب سابقة، أو علامات أسستها تجارب سابقة، إنه،
و من خلال أعماله الإخراجية، يريد أن يقدم رؤية حالمة، و أن يقدم
صورة شاعرة، و يكتب خطابا هامسا بهذه الصورة بغية وضع المتلقي في
متاهات الحلم الجميل، و يضعه في سرابات السؤال التي تعيد انتباهه
إلى رشده في هذا الحلم الذي يتبخر بعد العرض ،لكنه لا يضيع لأنه
يصبح مرجعا لذاته و للمتلقي و لذاكرة المشاهدة.
و
كلما اقتربنا من عوالم الدكتور صلاح القصب إلا و نحس برهبة عوالمه
الغريبة غرابة خطاباتها و معانيها و أسئلتها الوجودية التي لا تخرج
عن سؤال الحلم أو حلم السؤال بوضع إجابات لهذا السؤال. إن عوالم د
صلاح القصب لا تدور في فلك فيه معاني نص العرض، و تلف حول محاوره
الموجودة، لأنه في كل عروضه يلح على أن العملية المسرحية هي في
أسطرتها و إخراجها عن العادي و المبتذل و السائد لتكوين مكونات هذه
الأسطورة بمغامرة إبداعية جديدة، و باكتشاف عمق الإنسان في تجربة
الإنسان في داخل شبكة العلاقات التي تنسج الوشائج بين الإنسان و
نفسه، أو بين الإنسان وواقعه أو بين الإنسان و سؤاله الميتافيزيقي،
أو أن هذه العلاقات تكشف عن عمق التناقض الذي يفتت حلم الإنسان و
يذيبه في عوالم الصراعات و المتناقضات التي تفجر سؤال الحياة
موازيا مع سؤال الموت و الفناء.
و
بين سؤال الحياة العبثي، و سؤال الموت المبهم يريد د صلاح القصب أن
يوسع من دائرة فهمه للعلاقة التي تجمع بين هذين النقيضين، و يريد
أن يكون هذا الفهم مفتاح الغموض الذي يبني به مسرحه الحالم خارج كل
السياقات المعتادة، لأنه مسرح وجودي فيه من العبث و الحقيقة و
الحلم و الأسئلة ما يقلق لغة صلاح القصب في كتاباته و في رؤيته و
في صوره المتتالية في كل عرض و في كل حلم و في كل سؤال. هذان
السؤالان ،حول الكتاب ،و حول الموت، هما سر الكتابة الدرامية عند ه
،و هما أساس التحويل الإبداعي للعلامات لديه، و هما شرط الأسطورة
التي تخلق أسطوريتها في عروضه المسرحية التي منها يبدأ و إليها
يعود، منها يحلم و بها يحقق حلمه و رؤيته في أسطورة العرض أو في
عرض الأسطورة أو في عرض الأسطورة حسب منهجه و قناعاته و منهجيته في
الإبداع.
إن
أسطرة الواقع، و أسطرة المسرح بهذا الواقع، و أسطرة الأجوبة عن
السؤالين المطروحين جعلا صلاح القصب يختار مسرحا كان يجد فيه صورة
هذا العالم بانفجاراته و دماره و صراعا ته حول المواقف و تقسيم
جغرافيا الإنسان و جغرافيا المكان و جغرافيا العلاقات حسب المصالح
التي تقتل من أجل المصلحة، و تفنى تحت إلحاح الرغبة في تحقيق
المصلحة، و تلغيه بغية تبديل موقع بموقع و رمز سياسي بآخر، و هو ما
جعل الدكتور صلاح القصب يرجع إلى وليم شكسبير بحثا عن جوابه
المحتمل في هاملت، و ما كبث، والعاصفة، و لير. هذه المسرحيات تعتبر
مدخلا لفهم الأسطورة في عروض الدكتور صلاح القصب، فهو حين يقدم هذه
المسرحيات فإنه يخضعها بحس إبداعي كبير إلى الاختيارات التي يدافع
عنها بسؤالي الموت و الحياة، و يعمل على إعطاء خطاب وليم شكسبير
أبعادا جديدة تولد الخطابات التي يصوغها و يكتبها كي تتقاطع مع ما
قاله شكسبير أو تدخل في حوارية شاعرة مع ما كتبه هو كمتمرد مسرحي
في أعماله الدرامية.
بمسرحيات شكسبير هاته كان يطل د صلاح القصب على مكمن الصراع في
عالم السياسة في دسائس القصور، و في سلوكيات الحكام، و في الصراع
حول السلطة التي تعصف بشخصيات و بشعوب مقابل نزوة عابرة، و هو حين
يقوم بفعل قراءة مكمن هذا الصراع كان يؤثث فضاءات العرض بالحضور
الإنساني مقابل الحضور الوحشي للشخصيات الرديئة، و كان يقدم هذه
العروض في الهواء الطلق، و في الساحات العامة موظفا كل ما توفره
التكنولوجيا لتوليد علامات الأسطورة التي يبني عليها أسطورة العرض
لديه، فإضافة إلى لغة الإنارة، و لحلم، و الممثلين فإنه يدخل في
أسطورة العرض الماكينات و الآلات و السيارات و المزمجرات لوضع
الإنسان أمام سطوة هذه الآلة التي تلغي إنسانيته في كثير من
الأحوال.
و
بهذه الرؤية كان صلاح القصب يوسع من دائرة حلم الأسطورة في عروضه،
و كان يختار النصوص المسرحية التي ينطلق منها للوصول إلى عالمه
الذي يبحث عنه، و بهذه الرؤية نوع من مرجعياته في هذه الأسطورة حين
قدم " طائر البحر " و " الشقيقات الثلاث " و " الحال " معتمدا على
واقعية وسخرية تشيخوف في بناء إمكانات التعبير عن القلق الذي يسكنه
حين يرى أن واقعه المعيش لا يقدم له الواقع كما هو و لكن كما تريد
له أن يكون كل المؤسسات السائدة.
إن
التقاء وليم شكسبير و أنطوان تشيخوف، أي التقاء موضوع الصراع حول
السلطة و الواقعية في بعدها الإنساني في عروض صلاح القصب جعله يحفر
في النص العربي و يعمل على استجلاء هذه التيمات بغية أسطرة النص
العربي و هو ما جعله يعود إلى خز عل الماجدي ليقدم له " عزلة في
الكريستال " و " حفلة الماس " لكن هذا الاختيار الذي يعتمد لغة
الصورة و خطابها و بهجتها هي التي أمدت عروضه بتراكم محير و رائع
كان يجعل المتلقي يبحث في هذا التراكم عن الدهشة الجديدة و الحيرة
النابضة و النفس المتقطع الذي تحد من حياة سطوة التكنولوجيا التي
شيأت العلاقات بين الإنسان و الإنسان، و ألغت كل دفء إنساني حالم
بحلم جميل. ووعيا منه بأن العالم هو سبب قلق الإنسان، و بأن هذا
القلق يزيد توترا كلما فهم المبدع أسباب القلق، فإنه اختار عملا
مسرحيا متمردا على أشكال الفرجة المألوفة، متخطيا كل الحواجز التي
تمنع دون الوصول إلى حلم النص أو حلم المبدع أو حلم الإنسان في هذا
الحلم، و هذا ما جعله يقدم " أحزان مهرج السيرك ، مستحضرا أدوات
الفرجة من الانكسار النفسي لهذا المهرج الذي يقدم انكساره بملحمية
معبرة في أسطورة العرض المسرحي.
و
باعتباره منظرا و مبدعا في الإخراج المسرحي فقد قام صلاح القصب
بالرهان الصعب، و بالمهمة الأصعب، وهي تقديم العروض الضخمة التي
تنافس السينما، و تجعل من لحظة تقديمها حدثا فنيا كبيرا يؤرخ
لتاريخ العرض المسرحي و كأنه يؤرخ لتاريخ إنجاز فيلم ضخم،و أهم
مايو صف به تاريخ العرض هو السمات التالية:
1.
الخروج من القاعات المغلقة إلى الفضاءات المفتوحة.
2.
إنجاز العرض بالوسائل التقنية الضخمة و إشراك كوادر و أجهزة و
اختصاصات كلها تخدم العرض و تدعمه فنيا و جماليا.
3.
إن بهجة العرض و احتفاليته تتولد من هذه الملحمية التي تحكي و
تؤسطر و تتساءل و لا تجيب.
4.
أن اعتماد خطاب الصورة أهم و أقوى و أكثر تأثيرا من الخطابات
اللغوية المنطوقة.
و
إذا كان عرض " الحلم الضوئي " بداية الاهتمام بالصورة، و كان بداية
وضع سيناريو خاص بالعرض فإن هذه المنهجية الفنية ستصير أهم ما يميز
العمل الإخراجي في رؤية صلاح القصب، و هو ما دفعه كي يعيد النظر
دوما في هذه المنهجية حين قدم مسرحية " العادلون " لألبير كامو أو
" أديرا الأميرة الضائعة ".
إن
الفضاء الأول و الكلمة الأولى، و الحركة الأولى، و الصورة الأولى
في التصور الإخراجي عند د صلاح القصب هي إدراك و فهم شبكة العلاقات
الدلالية التي يريد بها بناء النص، فهو يريد أن يؤول و يعطي لمساحة
التأويل مركزا أساسيا في الإبداع و في قراءة النصوص التي يتعامل
معه، لأنه مقتنع بأن الوجود الفعلي و الحقيقي للدلالة هو إدخال
تحويلات وتغييرات على المعنى، لتأسيس نظم العرض و سياقاته في
الاتصال و التواصل، و أساس هذا التأسيس التجريبي هو الشكل التنظيمي
للغة و الصورة، و هو يعتبر أن النص المسرحي الرمزي هو أفضل مثال
لإبراز هذا الشبكة من العلاقات القائمة بحكم ارتباطها البنائي
بمنظومات أخري هي منظومة الصورة القائمة على هذه العلاقات
الاستبدالية التي تتعلق أساسا بمعنى العلاقة نفسها. و هذا الإدراك
الذي هو أول تكوين للنص قبل أن يكتمل في صورة و هيأة العرض جعل
صلاح القصب يعطي لكل النصوص التي أخرجها أو كتب لها سيناريوهات
خاصة إدراكا لمعاني و أبعادا متعددة في نص العرض الذي ظل محكوما
بسؤال الحياة و سؤال الموت، و باختيار فعل الأسطرة لتوليد أفق
الكتابة، و مستقبلها و نبوءتها و هو ما جعل كل كتاباته ميلادا
جديدا للواقع، و حياة تعاش ز من العرض، و هزة عنيفة لدى المتلقي
حين يسترجع صور هذه العروض ليجد أنها تتحدث عن زمانه و حاضره و
مستقبله دون الاعتماد على الأساطير المعروفة، بل على الأساطير التي
تكتبها تجربة الدكتور صلاح القصب. وهو ما أبرزته تجربته في التنظير
لمسرح الصورة.
تجربة الدهشة في مسرح الصورة
من
شعرية الحوار إلى شعرية الفضاء
التجديد و غرابة الجديد في مسرح الصورة:
"مسرح الصورة بين النظرية و التطبيق" دعوة جديدة في الممارسة المسرحية
في الوطن العربي أسس معالمها و صوتها الخاص الدكتور صلاح القصب في
بحث قدمه للحلقة الدراسية لقسم الفنون المسرحية ببغداد عام 1988. و
تؤكد مكوناته و أهدافه و آفاقه على منطلقات نظرية واضحة تتماسك
أجزاؤها داخل رؤية فنية يراد بها زعزعة السلطة المسرحية و الأدبية
التي مارستها الدراما الكلاسيكية على الممارسة المسرحية العربية.
إنه الطموح الذي يتغيا بناء صورة أشكالها الجمالية متعددة و
متباينة، متحولة بتحول لحظة الإبداع و المعاناة أثناء تشكيل هذه
الصورة.
إنها الصورة التي لا تنكتب شعرا مسرحيا بالمعنى السائد و المألوف، بل
تبدع شعرا ينبثق من اللاوعي لتصبح ـ هذه الصورة ـ أثناء العرض "لا
تفكر بالطرق البدائية البسيطة" و إنما تكون على علم "بمجريات
الأمور النفسية، و بالوعي الجمالي و الفلسفي" الذي يحفز على طرح
الأسئلة المقلقة حول |