السنة الثانية                                        موقع ثقافي فكري يعنى بالفنون المسرحية                   آخر تحديث 5 - 10 -2004

 

 

الإصدار الخاص بيوم 30 - 9 - 2004

وقائع مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي السادس عشر

 

تحذيرات «الغول» الليبى .. عرض ينتمى لمسرح القوة

إن المشاركة الليبية في هذه الدورة لفرقة المسرح الوطني بطرابلس تعتبر الأميز والانضج عن كل المشاركات السابقة شكلا وموضوعا .. تقدم الفرقة هذا العام عرض «الغول» تأليف العراقي الدكتور محمد صبري .. إخراج الليبي الدكتور حسن قرفال ، ونص العرض يحمل في طياته فكرة براقة تتفجر بالدلالات والإيحاءات والأحاسيس .. فنحن أمام كائن هلامي مفترس لديه القدرة أن يتشكل في أي هيئة يريد .. يفترس البشر والحيوان دون شبع أو توقف .. الفزع والارتباك يسيطران علي الحياة ، وينتقل إلي الصالة هذا الفزع والارتباك من خلال شخصيات المسرحية الأربع «أم ، أب ، ابن» يراقبهم ويوجه أفعالهم وردود أفعالهم شخصية ملحمية ، إنه «المذيع» يرتدي بذلة سوداء وقبعة سوداء ويميز قميصه ببيون أحمر وحزام عند الوسط أحمر أيضا ، وجهه مدهون بالابيض وشعره مسترسل علي كتفيه وظهره .. إنه بلا ملامح ولا تعبيرات دلالة عن الاختلاف .. انه الساحر الذي يدير اللعبة من الخارج ويتحكم في المصائر .. كل الشخصيات ترتدي السواد إلا من لمسات بسيطة .. كاب رمادي للأب .. خطوط ثلاثة حمراء علي صدر قميص الابن .. مريلة مطبخ مشجرة علي ملابس الأم .. صوت فزع من الخارج «إنه جارهم العجوز الذي لا نراه ولكنه حاضر طوال الوقت ينقل لنا ما يحدث في الخارج» هناك رجلان معقلان ميتان .. أحدهما حي يضحك .. والآخر حي يبكي «أحياء موتي أم موتي أحياء؟» .. ما الذي يجري في الخارج ؟ العدل يجري والكلاب تعض ساقية مجاميع بشرية تتجه في كل مكان كإعصار مجنون .. مخلوق غريب وجد في صندوق القمامة ليس له أنف ولا فم وله عين واحدة في رأسه .. ربما سقط علينا من جوف غيمة مذعورة .. ثم أحراق عشرين ألف طن من علب الصفيح بعد أن ثبت أنها معبأة بلحوم بشرية .. «إذن لا طعام» .. يقال بأن الموت أنجب توائم عديدة وهو الآن يجول الطرقات بحثا عن طعام لهم .. «المذيع في خبر هام» انشق رحم الكون وهبط إلي المدينة مخلوق غريب يتشبه بأي هيئة يشاء لا تغادروا منازلكم .. لا تفتحوا الأبواب لأي طارق .. فهو قادم إليكم .. ربما بهيئة بائع اللبن أو شرطي المرور أو جار أو صديق أو ابن أو حتي زوجك أو زوجتك .. أو .. أو .. إنه يختار من يشاء ويتشبه به في لمح البصر .. يخرج الابن ليستطلع ما يحدث في الخارج وعندما يعود ويطرق الأبواب المغلقة يخشي الأب من فتح الباب له فقد يكون هو .. الأم تفتح له بينما يخضعه الأب للتحقيق حتي يتأكد أنه هو .. الأم : إنها إجراءات فحسب يا بني ..
إعلان من المذيع : مسحوق يذوب في الماء الساخن .. سريع المفعول لإزالة بقع الحب من رداء القلب .. الصوت الخارجي للجار المفزوع يستغيث «افتح الباب أتوسل إليك فابني يلاحقني كأفعي جريحة .. إنه يقترب مني .. لا .. لا .. يا للهول .. لقد قتله الكائن المتشبه بابنه .. الشخصيات تتوحش شيئا فشيئا إما للدفاع عن نفسها أو أنها الكائن فعلا .. «تخرج الأم بحثا عن أي طعام» فالحصار حولهم جعلهم يأكلون لحم قطتهم لكنها لا تكفي لسد شراهة التوحش والشك والريبة التي بين البشر .. الأب : تبا لها فقد أطعمتنا تلك القطة الملعونة ، ومع ذلك فقد كانت لذيذة حقا .. «طرقات علي الباب» لن أفتح لها فيقينا لا أستطيع أن أميز بينها وبين المخلوق «تتسلل الأم داخلة من الشرفة» هيئتها مزرية وشعرها مشعث لقد توحشت تماما .. انظر يا زوجي الجاحد .. في هذا الكيس طعام كثير .. فتشت جيوب الموتي .. مددت اصبعي في أفواههم ومن بين أسنانهم التقطت قطع الخبز .. هذه قطعة ملوثة بصبغة حمراء .. لا ضرورة لمسحها كلها كما هي فهي ألذ وأطعم .. يطارده بفأس .. تسمع ضربات ثم صراخ .. الأب : قتلت ذلك الكائن وانتهي إلي الأبد .. المذيع الساحر يخرج من جيبه ثلاث أوراق كوتشينة يمزق ورقة «البنت» ويعيد الباقي إلي جيبه ، الابن يخرج علي هذه الفوضي يري جثة أمه يتجه إلي أبيه : أخيرا ظهرت أيها الكائن اللعين .. يطارده .. يتراجع الأب أمامه .. لا تقتلني أيها الكائن .. الابن : كم أنت ضعيف .. بصرك ضعيف وقلبك ضعيف لا يحتمل ضربه من هذا الفأس «يقتله بينما الساحر يمزق ورق الشايب» الابن : امتزجت كل ألوان الحياة وباتت بلون واحد .. من ينزع وجهي كي يعرف من أنا .. يا للبؤس لا أحد .. اذن علي أن أفعل ذلك بنفسي ولكن بقليل من الألم «يدلي له المذيع الساحر أنشوطه كالمشنقة يلفها الفتي حول عنقه .. بينما يمزق الساحر آخر كارت» قضي الأمر .. صمت ويسود الظلام .. يخرج الجمهور وهو يسأل نفسه من هو الغول .. هل هو الآلة الجهنمية الاعلامية التي تصوغ حركة العالم نحو المجهول .. أم هو تلك القوي الهائلة التي أصبحت تمتلك صياغة أفكارنا وتوجهاتنا وحياتنا من خلال ما نمتلك من أجهزة وسائط تقود الناس في الاتجاه الذي تريده وتهيمن علينا رغما عنا وتصنع حتي معارضتنا .. كما يقول د. حسن قرفال مخرج العرض ومصمم سينوغرافيته الذي استطاع أن يهيمن علي كافة عناصر عرضه فجعل منه شيئا مدهشا يدعو للتأمل فقد اختار ممثليه بدقة متناهية فكانوا خير موصل لفكرته، فهذا علي الشول ممثل يملك كل أدوات التعبير جسديا وصوتيا فكان الساحر القابض علي ايقاع العرض ، وهذه منيرة الغرياني التي تستطيع بهذه الطاقة المتقدة أن تكون واحدة من أهم ممثلاتنا العربيات فقد أدهشتنا خاصة في تجسيدها للتوحش الذي انتقلت اليه متحولة من حالة الأم الرؤوم إلي هذا الوحش الكاسر بمنتهي اليسر بما يوحي بتحكمها المذهل في أدواتها ، وهذا علي القبلاوي الأب ذو الصوت المعبر المنتقل بأحاسيسه وتعبيراته إلي منتهي التأثير ، والابن جمال الميس المشع بايقاعه الذي لم يهدأ إنه طاقة تبشر بممثل متفهم لأبعاد الشخصيات الدرامية المختلفة .. وأخيرا مفتاح الفقيه الجار العجوز الذي استطاع أن ينقل بصوته كل الفزع والهلع والفوضي خارج مساحة التجسيد علي الخشبة إلي الصالة بحس درامي يحسد عليه . وكانت موسيقي المخرج الموسيقي فتحي كحلول خير إطار للأحداث فانتقل بنا بموسيقاه إلي كل الأحاسيس المضمنة في العرض .. هنيئا لليبيا هذا المستوي الرائع وإلي مشاركات ، علي الأقل ، بنفس المستوي .

إيمان الصيرفي


حصاد المهرجان:

عروض متعددة الطرح متنوعة الشكل
تميزت عروض الدورة السادسة عشرة بالتنوع في الطرح والتعدد في التناول مما نتج عنه غني وحيوية وخصوبة سادت أروقة وليالي المهرجان ، فمن بين العروض التي تميزت بدقة بناء وصياغة المشهد وإحكام الدلالة إلي سيادة اللغة المسرحية من صورة ومسمع واختزال شبه كامل للغة المنطوقة إلي سيادة كاملة للغة المنطوقة ، ومن أداء حركي يقترب من الباليه والرقص الحديث إلي أداء تمثيلي متقن يصل إلي حد التقليدية ، مما أرضي أذواق ومشارب الكثيرين من رواد المهرجان ومريديه .
ومن العروض التي أحكم صانعوها صياغة مشاهده ورسم الفضاء المسرحي بكل تفاصيله وإحكام دلالات جميع التفاصيل وعلاقة كل تفصيلة بالأخري في دقة مذهلة ، عرض فرقة أوليهاب الفرنسية «جزء الداخل» حيث قدم بناء في كتلة من متوازي مستطيلات متراصة ، وترك فتحة برز منها جسد الممثلة وهي فنانة تشكيلية في حالة إبداع طوال العمل ، وقام بعمل أشكال نحتية للتعبير عن الحالات الذهنية والنفسية والفلسفية التي أراد توصيلها للتعبير عن معاناة هذه المبدعة التي هي رمز لإنسان العصر الحديث في عالم الحضارة الراهنة القائمة علي سيادة المادة والعنف غير الضروري والنزعة الاستهلاكية .
كذلك العرض الانجليزي «أشياء مفقودة» والذي رسم أرضية حيز التمثيل علي شكل مربع وضع في خلفيته المواجهة للنظارة الذين أجلسهم فنان العرض علي شكل مربع ناقص ضلع .. وضع في هذه الخلفية تركيبين من أعواد الحديد علي هيئتي متوازي مستطيلات غطاهما بقماش أبيض مرن علي شكل مثلثات ، بحيث تظل فتحة مرنة في المنتصف تبدو كما لو كانت رحم الغيب يخرج ويغيب فيها الممثلون أو البشر الذين تقدمهم لنا المسرحية في حالة فقد .. حيث تعيش الانسانية ومنذ لحظة الميلاد حالة كاملة من فقد العمر والأحباب ثم النفس في النهاية ، وخلال هذه الرحلة المأساوية يتم فقد الأشياء المادية البسيطة: ولاعه ، سلسلة ، مفاتيح ، كرت ، صورة .....إلخ ويتميز هذا العرض البديع بالإضافة إلي إحكام الصياغة المشهدية بالبساطة المذهلة في الأداء التمثيلي المتقن والحركي الممتاز ، وباستخدام رشيق وسلس للغة المنطوقة والتي أُدخل المتفرج إلي عالمها بالتدريج حيث بدء بالنطق البطئ وبترجمة إلي العربية ثم اختفي المترجم وتزايد ايقاع الإلقاء ، ولم يجد المتفرج أي عسر أو عنت في التلقي ، مما عبر عن براعة تامة من صانعي هذا العرض السهل الممتنع .
أما العرض الفريد للفرقة السويسرية «داموتوس» المسمي بـ «أوربانتروبوس» فقد استطاع صانعه أن يعيد صياغة حديقة وساحة الأوبرا ، واختار مواقع الأداء ببراعة كاملة لتعبر عن الحالات الذهنية والنفسية ، بل وعن طبيعة الزمن والعصر الذي يمكن أن يقع فيه هذا الحدث الذي تتم فيه أداء هذه اللقطة أو تلك ، وأيضا تم ذلك من خلال ملابس خاصة من خامة مرنة وفضية اللون تعطي انطباعا معدنيا ومستقبليا لاثنين فقط من الممثلين بدا أنهما أنثي وذكر لمخلوق وصف في كتيب العرض بأنه «سلفي أو مستقبلي» وأنه كائن لا يعنيه الزمان أو المكان أو النوع يظهر فجأة بيننا ويبقي للحظات ويرحل دون أن ننتبه ، ليدعونا أن نقف ونتأمل أنفسنا وما يحيط بنا في هذه الحياة ، .. نعم هو هذا هو ما حدث بالضبط ولكن ببراعة تامة فقط جعلنا الفنان نلهث في البداية بحثا عن العرض ، ثم نشتبك مع مخلوقه الغريب في حوار صامت عجيب .. هذا المخلوق الذي نحت له اسم «أوربا نتروبوس» وهي نطق خاص لوصف يوناني بمعني «الانسان الجميل» وهذا المخلوق يمثل الانسان الذي يلقي به فجأة في هذا العالم ويرحل عنه بالموت فجأة ، وكذلك بدأ رحلة حضارته مع النبات ثم الحيوان سواء الأسماك أو الزواحف وغيرها في رحلة وصفها داروين في «أصل الأنواع» وحتي الحضارة الراقية التي نحت فيها آيات الفن التشكيلي فن المسرح الجميل ، وذلك في تلخيص جميل وفريد للحالة التي عليها الانسان الذي يحيا في عزلة ولا يمل في محاولة التواصل مع الآخر والعالم من حوله رغم فشله المتكرر وحياته القصيرة وموته المفاجئ .
وبالاضافة إلي عرض «جزء الداخل» الذي استخدم الفيديو والكمبيوتر وتقنيات ومنجزات التكنولوجيا الحديثة وتوظيفها في المسرح ، استطاعت عروض أخري فعل ذلك مثل عرض «يقال عني» الهولندي الذي أخرجته ومثلته كريس نيكلسون ببراعة اعتيادية بالنسبة لها .. حيث تميز العرض باستخدام أسلوب الارسال الهوائي للفيديو «اريال» وتقنية «فالكرو» في استخدام الأزياء والأدوات خاصة الثلاثة المجسمات التي تم استخدامها بشكل متعدد الأغراض ، مرة شاشات عرض فيديو ومرة حيزا للتمثيل حيث كانت تصعد وتهبط عليها الممثلة عن طريق الحبال وتلتصق بأسطحها عبر قفزات هائلة لتبدو في صور نحتية رائعة تعبر عن معان متعددة يراد توصيلها وتناسب طبيعة مضمون العرض البسيط والمعقد في آن واحد حيث يقدم العرض الانسان والآخر في حالات متناقضة تجعلهما -بل الجميع- ضحايا وقتلة وجلادين في ذات الوقت وتظهر الجميع في أفراحهم وأتراحهم ، كما هم عليك أن تقبلهم بعبلهم ولا تحاول أن تغير من أمرهم شيئا حيث إن هذه هي طبيعتهم ، إنها دعوة لحب الحياة والآخر والوجود بالرغم من كل شيء .
وكذلك تميز عرض «بامبي» الهولندي بصياغة مدهشة للمشهد حيث قدم تكوينا لمطبخ لاتزيد مساحته علي ثلاثة أمتار احتوي علي العالم أجمع واستطاع ممثلون بارعون رسموا «بالابداع الجماعي» حركة متقنة في تزامنها ودقة تعبيرها عن مضمونها في سلاسة ويسر مدهشين وخلط الممثلون بين المأساة والملهاة والذي هو طابع الحياة المعاصرة وقدموا حالة من الأمل رغم الحصار والهزيمة السائدين علي هذا العالم .
ولم يخل الأمر من عروض جيدة وذات طابع تقليدي سيطرت عليها اللغة المنطوقة ، بل وظلمتها حيث صرفت عنها الجمهور سريعا بالرغم من جودة طرح هذه العروض ، مثل العرض اليوناني «بروميثيوس مقيدا» والذي أعاد تفسير الأسطورة اليونانية الأصلية بطريقة معاصرة انتقد فيها حضارة السلاح والعنف والاستبداد والذي يروح ضحيتها أصحاب «الفكر المتقدم» كما يعني اسم «بروميثيوس» باليونانية وأصحاب النوايا الطيبة الذين يفعلون كما فعل ذلك التيتان الذي سرق النار من الآلهة لينير بها حياة الانسان فدفع الثمن عذابه الرهيب حيث حكمت عليه الآلهة بأن يصلب علي صخرة في جبل شاهق وينهش نسر ضخم كبده كل يوم .
وهذا التنوع في الطرح والتعدد في التناول يكشف الفن والحيوية اللذين صاحبا فعاليات هذه الدورة التي تعتبر ناجحة من وجهة النظر هذه ، وإن كانت حلاوتها لم تستطع أن تطغي علي حلاوة مذاق وبهاء ورونق دورات سابقة .

محمد زهدى

سهام ناصر .. مخرجة العرض اللبناني «كلن هون»

الحنين دائمًا إلي مصر يجذبني للحضور والمشاركة في المهرجان
استفدت من وجودي بأمريكا .. وعرضي خطوة متقدمة في فن الارتجال

تقدم المخرجة اللبنانية سهام ناصر عرض «كلن هون» ضمن فعاليات المهرجان وهو عرض بوليفوني متعدد اللغات وشخصياته من شخصيات صموئيل بيكيت يأخذ منها الممثل دلالات وجملا ضمن تشكيل مسرحي يؤكد علي الوحشة والوحدة والاغتراب .. والمخرجة سهام ناصر درست الأدب الانجليزي وأستاذة بمعهد الفنون الجميلة بالجامعة اللبنانية .. ولها عدة أعمال متميزة من خلال محترف باسمها وقدمت مسرحية «طواف في شارع الحمراء » احتجاجا علي مقتل رشيد كرامي رئيس الحكومة الأسبق وكان العرض صرخة احتجاج علي ما يحدث في لبنان .
 

أجرينا معها حوارا حول مسرحها ودراستها في أمريكا فقالت :
كانت تجربة الدراسة بأمريكا دراسة شيقة حيث قمت بدراسة الكلاسيكيات وعدت إلي لبنان وأسست المختبر المسرحي ضمن معهد الفنون وبدأ العمل من هناك حول الضفة الأخري من الجريمة والعقاب وتوليف من فيلم هيروشيما حبيبي للكاتبة الفرنسية مارجريت دوراس ومسرحية «لا مفر» لجون بول سارتر العمل الذي تلي هذا «كلن هون» وقمت بإهدائه إلي القاهرة لأنه أول عرض .
وخرج هذا العمل من ورشة بدأت بالعمل مع عدد كبير من الممثلين وبقي منهم أربعة أشخاص هم بترا وحسن وشادن وزياد ، وانضم إليهم دانيا وحمود ومايا زبيب «مؤدية» جاءت إلي مصر واشتركت «بالجيب السري» ونالت جائزة أفضل عمل 1992 وهذا العمل هو توليف من مرجع أساسي «الكاتب الجزائري رشيد بو جادرة» وهذا عن روايته «الجزون العنيد» والمرجعية الأساسية ميديا لايروبيديس وميديا «جون اينول» . وبعد ذلك قمت بتوليف عدة روايات لصموئيل بيكيت ونصوص مسرحية أسميتها «جدار» وبعد ذلك اعتمدت رواية الجريمة والعقاب واسم العرض المسرحي جاز .
وحول العرض المسرحي «كلن هون» : تجربة أساسية بالنسبة لي وهو خطوة متقدمة لفن الارتجال والتخلص من سيطرة النص والمشاركة الفعلية مع الممثلين لتوليف هذا العرض المسرحي فالحجر الأساسي لهذا العمل هو نتاج عمل الممثلين في العقل الكتابي للسيناريو الذي يتجه إلي العمل التجريبي حتي توصلنا إلي توكيد فكرته الأساسية وهي علاقة الفرد مع نفسه وعلاقته مع الآخر معتمدين علي مجرد الحيلة نصوص متعددة لبيكت حول فكرة وحشة الإنسان .
أما عن تجربتي في مصر فقد كانت تجربة مفيدة وكل العرب يحلمون في مرحلة من حياتهم بالإتيان إلي مصر وهذا لأنها بها اللغة الحنونة والمدنية الغنية منذ أول التاريخ حتي الآن عندنا حنين منذ الطفولة إلي القدوم إلي مصر وعندي نفس الاحساس كلما أتيت إلي مصر وهذا المهرجان الضخم يتيح المساحة للتلاقي مع مختلف الثقافات . والحوار وشاركت أكثر من مرة بندوات في المهرجان وقابلت كثيرا من الفنانين المصريين والعرب وهي تجربة مهمة للفنان العربي أمام كل هذه التجارب ، واستغرقت ورشتي 4 أشهر وسنستكمل البحث داخل العمل المسرحي وسوف لا نتوقف عند ذلك .

أسماء حجازي

عوالم ٌمتشابكة وبنيً مفتوحة وعزلةٌ لا تنتهي ..

لا شيء يحدث ... فقط هم ينظرون إلي العالم من حولهم في دهشة وغربة ، يتحركون ببطء يتحدثون بإيقاع حياتي ممل ورتيب ، يتعاملون مع الأشياء من حولهم بنفس هذا الإيقاع ، الأفعال - إن كان هناك ما يسمي بهذا الاسم - تتم بالهدوء ذاته ... هذا هو ما يحدث بالضبط في بعض العروض هذا العام مثلا كالعرض السويسري «أوربانتروبوس» والذي يمثل ظهور كائنين غريبين عن العالم ينظران بدهشة وغرابة للناس من حولهما ، ويحاولان البحث عن أي مكان ، زمان ، حالة ، .. يستطيعان خلالها أن يكونا جملا مفيدة مع العالم ، هنا تظهر بينهما وبين العالم حلقة مفقودة هي نفسها الحلقة المفقودة بين بطلة عرض «جزء الداخل» الفرنسي فهي فنانة تصنع التماثيل وتخلق علاقات كثيرة معها تستعيض بها عن علاقاتها مع العالم من حولها ، إنها تصنع عالمها بنفسها وتنغمس إلي آخرها فيه ، تقيم علاقات ، تهدمها ، تفرح ، تبكي ، تصرخ ، ترسم ، تصمت .. هي فقط المسئولة عما يدور داخل هذا العالم الصغير الذي صنعته من حولها لا تبالي بكل ما هو خارج عن هذا العالم ..
وفي العرض السويسري استخدم مخرجه الفضاء المفتوح لحديقة الأوبرا ليعبر عن هذه العزلة ، وهذه الحالة النفسية المتأزمة وغير المتصالحة مع الواقع ، فكانت التماثيل ، الأشجار ، الناس ، ... هي أدواته لتشكيل هذا العالم ومن دون أه عناصر عرض أخري ، أما العرض الفرنسي «جزء الداخل» فقد استخدم خسبة مسرح تقليدية وبني عليها هذا العالم الذي يحتوي الفنانة مستخدما في بنائه وسائط فنية متعددة كالفيديو بروجيكتور ، الصلصال ، المكعبات ، النحت ، ...
أما عرض «سالومي» الأوكراني فقد عبر عن العزلة من خلال بطله الذي يتصارع طوال العرض مع أفكار العنف والحرب المحيطة به داخل هذا العالم ، فهو يرفض هذا العنف ، ويستدعيه بقوة داخل عالمه الإيهامي لينفيه عبر ذلك لدي الجمهور المشاهد للعرض ، انه يسرد علينا تاريخ العنف في العالم ويعبر عن ذلك بصراعاته الداخلية مع قطعة العجين الموجودة فوق إحدي المناضد الثلاث التي تشغل المسرح المكشوف بالأوبرا ، ثم ينتقل الصراع لأشيائه الخاصة ، ثم للمنضدة وهكذا حتي ينتهي العرض .
والملاحظ هنا أن هذه العروض الثلاثة لها بنية مفتوحة مكانيا ، زمانيا ، حديثا ، بمعني أنها من الممكن أن تقدم في أي مكان ، وأي زمان ، هذا بالإضافة إلي أنها من الممكن أن يستمر عرضها لساعة أو لأكثر حسب المعلومات والطريقة التي نود قولها بها ، فأحداث أي من هذه الأعمال تقبل الإضافة والحذف ، وبناء علي ذلك فهي مرنة إذا ما تحدثنا عن زمن تقديمها . وعلي نفس وتيرة البنية المفتوحة نجد عروض «قصيدة النار» الروسي ، «كلن هون» لبنان ، «القول والبندير» الجزائر ، «هبوط اضطراري» مصر ، «مشاعر الكترونية» ، المجر ، ... فكل هذه العروض من الممكن أن تبدأ في أية لحظة ، وتنتهي في أية لحظة أيضا ، يمكنك أيضا إعادة ترتيب مشاهدها في ذهنك إذا لم يرق لك ترتيبها الذي وضعت به .
فمثلا في «قصيدة النار» نجد العرض يظهر وكأنه عرض للباليه وليس له أية علاقة بالمسرح ، فالموسيقي ، الرقص ، التشكيلات والتكوينات الجمالية بالحركة ، والرقص هي عناصر فن الباليه والتي من الممكن أن يحتويها المسرح لكنها إن ظلت محتفظة بنفسها كما حدث هنا فيمكننا أن نصنف هذا باليها وليس مسرحا ، فالفكرة داخل العمل تتحدث عن علاقة الإنسان بالله وتستعين في تصوير ذلك بالتآلفات الموسيقية المختلفة والمتنوعة ، والعرض يعتمد علي بنية مفتوحة - كما تحدثنا - تماما أيضا كالعرض اللبناني «كلن هون» الذي أخرجته سهام ناصر فهو يعتمد في تركيبته علي مجموعة من الشخصيات مقطعة العلاقات ببعضها ، فكل منهما يتميز بعلاقة قلقة مع الآخر ، هناك عدم تواصل حادث ، المذيعة تلقي مونولوجا طويلا عن الخلاص ، عن الوجع ، القلق ، الموت ، ... وعلاقات أخري للحب غير مكتملة ، ... والعالم الذي يصنعه العرض هو عالم ممزق يشي بالتوتر وعدم الثبات ..
والعرض الجزائري «القول والبندير» هو الآخر يستلهم داخله شخصيات من التراث الأدبي والتاريخي كـ «عطيل» من شكسبير ، «الحلاج» ، «عنترة بن شداد» ليصنع عبر تجمعهم حالة من الدهشة ، ومن مناقشة التحرر والتمرد داخل كل من هذه الشخصيات ، والعرض بهذا الشكل كان من الممكن أن يستلهم أكثر من شخصية لأن الأمر ليس مقصورا علي هذه الشخصيات الثلاث فيستمرون إلي ما لا نهاية ، والعرض استخدم مجموعة من العصي ، السيوف ، الملابس التاريخية والعصرية ، والمشاعل والمرفأ َالذي اعتمد عليه ، فقط غلب عليه طابع الثبات والملل في كثير من لحظاته التي بدت مكررة .
أما «هبوط اضطراري» والذي مثل مصر في المسابقة الرسمية فهو الآخر يعتمد علي هذه البنية المفتوحة التي نتجت عن ورشة ارتجال فهو يظهر كوحدات مشهدية منفصلة ، متصلة تدور حول الآني والراهن من المشكلات المؤقتة والمستديمة التي يتعرض لها المجتمع المصري والعربي ، وبنهاية كل مشهد تنتهي وحدة مشهدية كاملة لها بدايتها ووسطها ونهايتها هذا في حين أن العمل كله لا يعترف بهذا فهو يتميز بلا بداية محددة ولا نهاية محددة ، انه يقدم العالم كما يراه هؤلاء الشباب بكل صراعاته وآلامه وما يعترضه من قضايا ويحرص المخرج خالد جلال أن تكون نهايات هذه المشاهد ساخرة في كثير من الأحيان ، وموجعة في أحيان أخري ، فالدهشة داخل عيون شخصيات المسرحية تطل في لحظة نهاية المشهد ، والسخرية تقتحم المشاهد جميعا ، إننا هنا نضحك من وعلي أنفسنا ، والأشياء تقدم نفسها بصراحة وبمباشرة ، وبدون رابط فني ، عضوي ، درامي .. فقط يمكن أن نلحظ عناصر ربط أخري كالكوميديا الساخرة التي تقتحم العمل ، التشكيلات والتكوينات الجمالية في بدايات ونهايات المشاهد ، الشخصيات المسرحية التي تلعب جميع الأدوار .
أما عرض «مشاعر الكترونية» المجري فهو يتعرض لنوع الآلية في المشاعر والأحاسيس تلك التي اقتحمت عالمنا اليوم بفعل الازدحام ، الالكترونيات ، ... لذا فالعرض يقدم لنا مجموعة من الرقصات والأداءات الحركية المختلفة التي تعبر عن آلية علاقة الحب بأشكال متنوعة ومختلفة تصل في لحظة من اللحظات إلي الملل لتكرار شكل اللوحات وما يحدث داخلها ..
ومن العروض التي تعتمد علي نوع من المتن الحكائي الذي يضمن لها قدرا من التقليدية ونستطيع أن نلمح داخلها هذا المثلث التقليدي «البداية ، الوسط ، النهاية» كعروض : الفرقة الخالدة / عمان ، درويش في القطار / تركيا ، الكراسي / رومانيا ، أهل المخابئ / المغرب ، كل شيء من أجل الحب / بولندا ، القطار / كوريا ، اعتذر استاذي لم أقصد ذلك / العراق ، شيخ محضر / مصر .
فعرض «الفرقة الخالدة» يتعرض لرحلة إنسان يخوض كثيرا من المخاطر من أجل توصيله لمقولة ما أو كلمة يقتنع هو شخصيا بها بغض النظر عن قيمة هذه الكلمة ، ويستعين العرض بوسائط القماش ، البخور ، الدفوف ، الأقنعة ليحاول عبر دمج كل هذا الوصول إلي مناطق تشكيلية غنية .
أما عرض «درويش في القطار» والذي اعتمد علي نص توفيق الحكيم «يا طالع الشجرة» فانه يدور حول رحلة أخري للبحث عن سيدة مختفية ، وقد اعتمد العرض علي الحوارات الطويلة التي أفقدته جزءا كبيرا من سحره المتوقع ، أما عرض «الكراسي» الروماني فقد قدمه مخرجه بطريقة العرائس الأراجوزية ثم باثنين من الممثلين يتحدثان عن حياتهما في ملل ودون أن يحدث شيء وبلا أي استخدامات للكراسي التي هي عصب النص الأصلي ، أما العرض المغربي «أهل المخابئ» فقد اعتمد علي فكرة الطنطنة العربية من خلال الاجتماعات التي لا يحدث فيها أي شيء غير الحوارات الطويلة ، المملة ، .. والجميل في العرض هو شكل السينوجرافيا الذي حول الفضاء المسرحي إلي صندوق بلاستيكي كبير يحوي عالم العرض بشخوصه ، بديكوراته ، بإضاءاته ، ... أما عرض «كل شيء من أجل الحب» البولندي فقد ركز اهتمامه علي عرض تيمات متقاطعة للحب ، وشكل المحبين والعلاقات القائمة بينهم ، والخيانة ، وقد بدأ العرض من خارج قاعة المسرح بشكل احتفالي يتخذ من الحنطور مفردته الأساسية .
وعرض «القطار» الكوري يعرض علينا عوالم متقاطعة من شرائح مختلفة للناس في حالة سفر وما يمكن أن يحدث من مفارقات وغرائب . وجميل العر