|
قراءة في
كتاب
الدكتور عبد الكريم برشيد
" الكتابة بالحبر المغربي في كتابات د. عبد الرحمن بن زيدان"
اعداد نعيمة الحرشي , باحثة في المسرح
بين الكتابة و القراءة
يتابع المبدع عبد الكريم برشيد مشروعه الإبداعي في هدوء وروية، المناسبات
المسرحية المقامة هنا و هناك ـ هي التي تبحث عنه و تستدعيه، و قراؤه
يتجاوبون مع صدقه الإبداعي بصدق مماثل.
لا ينفصل حضور الذات عنصرا خلاقا في تشكيل الفضاء الإبداعي عن حضور
الكتابة الحيوية التي يريدها برشيد "كتابة تقرأ نفسها بنفسها، و تعيش
العالم، في صوره الكائنة
و الممكنة، و تقرأ مشاهده و أحداث العالم و علاماته، و تتواصل مع
الحقيقة
و الناس، و تعادي الفكر الأحادي، و تخاصم النمطية في الكتابة، و
المدرسية في النقد والبحث "[1].
هكذا تشبه الكتابة عند برشيد الفعل، و تمارس هذا الفعل كالتنفس، و تبتعد
عن كل نمذجة و تنميط فيتم تبادل الأدوار بين المبدع و الباحث تأكيدا
لحرية الإبداع، و ليس مجرد تطبيق لنظام جاهز و مغلق.
هكذا يصدر الدكتور عبد الكريم برشيد مولوده الجديد المسمى "الكتابة
بالحبر المغربي في كتابات الدكتور عبد الرحمن بن زيدان"، و العنوان هذا
لم يوضع بشكل اعتباطي فهو ذو حمولة دلالية تبئر الأفكار التي يقوم عليها
هذا الكتاب، و عتبة ضرورية للولوج إليه، فالكتاب يعد بمثابة قراءة في
كتابات الدكتور عبد الرحمن بن زيدان و هو كتب بحبر مغربي و ليس حبرا
صينيا، و هو نفس الحبر الذي يكتب به الدكتور بن زيدان، يقول الأستاذ
برشيد: "بهذا الحبر المغربي ـ الطبيعي ـ كتب عبد الرحمن بن زيدان عن
المسرح في العالم، و عن العالم في المسرح، و به أيضا استطاع أن يلامس
القضايا و الإشكاليات و الاختيارات، و أن يقبض على المفارقات و
الاختلافات، و أن يكون مع الناس كل الناس، من غير أن يكون ضد نفسه، و أن
يكون أيضا، مع الثقافة الشعبية و العالمة، و من دون أن يكون ضد الطبيعة،
و أن يكون مع العلم، من غير أن يكون ضد الشعر"[2]. و تأتي فرادة هذا الحبر المغربي و تميز هذا القلم المغربي بالنظر إلى
حامله، إذ يستحيل دراسة المسرح المغربي و العربي دون الوقوف عند محطة
تجربة الدكتور عبدالرحمن بن زيدان، و الوقفة هذه المرة وقفة رجل خبر
أسرار هذا المسرح إبداعا و تنظيرا، فقدم شهادة تكشف عن تمرسه الكبير في
فعل القراءة، و عن قدرة لديه تجعله يفلت من إسار الكتابة الميكانيكية أو
الكلاسيكية لصنع كتابة نابضة بوعي العصر
و
وعي الكتابة الاحتفالية فكيف قدم الدكتور
برشيد هذه الشهادة / الكتاب؟ الشهادة جاءت عن قراء متأنية و عالمة
لإصدارات الدكتور بن زيدان إنطلاقا من "المقاومة في المسرح" مرورا بـ
"أسئلة المسرح العربي" و "خطاب التجريب في المسرح العربي" و صولا إلى
"قضايا التنظير في المسرح العربي من البداية إلى الامتداد" و "المسرح
المغربي في مفترق القراءة".
شهادة التاريخ و المقاومة:
يقول الأستاذ برشيد "لا شيء يولد من لا شيء، فالإبداع تركيب و تغيير و
تطوير و تحويل للجهاز، و التركيب ـ في حقيقته و جوهره ـ هو تحقيق للإتصال
بعد الانفصال. هو الوصول إلى الوحدة بعد التعدد و التشتت، و ذلك لتحقيق
التناسق بعد الفوضى و الجلاء بعد الخفاء". بيد أن المغامرة الحقيقية و
الصعوبة هي الإنطلاق من الفراغ بغية ملئه في النهاية، و طرق للأبواب
الصامتة، و خطوات ثابتة في أرض لم يطأها أحد قبل، و من هنا تأتي أهمية "المقاومة
في ا لمسرح المغربي" في كونه أصبح فيما بعد مرجعا لدراسة المسرح
المغربي بالرغم من كونه لم يعتمد على مراجع سابقة، إذ فضل الكاتب كما
يقول الأستاذ برشيد "أن يكون البحث قائما في عمق الفن المسرحي
و ليس في طوله أو عرضه، فهو لم يربط الإبداع بالتاريخ ربطا
ميكانيكيا كما أنه لم يفهم هذا التاريخ و ذلك على أساس أنه خط مستقيم"[3]
. ينطلق من النضالي، و ذلك باعتبار أنها بنيات إبداعية متفاعلة مع الخارج
تؤثر و تتأثر، تفعل و تنفعل"[4].
تكمن أهمية الكتاب في مزاوجته بين التحليلين التاريخي و النقدي، و بين
المنهجين الاجتماعي و السيكولوجي، وفي دراسته للإبداع كفعل في الواقع و
ليس انعكاسا له، و من هنا يرى الأستاذ برشيد أنه "من السخف أن ندرس هذا
الإبداع بالرجوع إلى التاريخ وحده، و ذلك لأن هذا الإبداع هو نفسه
التاريخ"[5]
هكذا تتجلى الكتابة كواجهة للدخول إلى عالم الأسئلة و دهاليزها في تجل
آخر موسوم "بأسئلة المسرح العربي"، و نتساءل مع الأستاذ برشيد: "ما هي
قوانين و مفاتيح قراءة المسرح في هذا الكتاب؟ و ما منهج الناقد في خطابه
النقدي؟"[6].
يصرح الأستاذ برشيد "إنه لا شيء حاضر في هذا الكتاب إلا الكتابة، و هي
كتابة للكشف و الاكتشاف، اكتشاف المسرح العربي من خلال اكتشاف قوانينه أو
مفاتيحه الأساسية"[7]،
نعم إنه الجديد في الكتاب الرابع للأستاذ بن زيدان، إنه المسرح العربي،
إذ تناول في الكاتب أسماء و تجارب مسرحية عربية، بدءا من دراسة عروض
مسرحية، ثم الانتقال إلى تقصي ذبذبات أسئلة النص من خلال نماذج متنوعة،
تتعلق بما هو وجودي و اجتماعي و سياسي، قبل دراسة صيغة مسرحية متجددة هي
المونودراما, لينهي الأستاذ برشيد قراءته بطرح أسئلة النقد و التنظير لدى
الأستاذ بي زيدان مشاركا إياه صهد الأسئلة باعتبارها مفتاح الطريق
اللانهائي أمام المعرفة الإنسانية يقول الأستاذ برشيد: "إن المبدع لا
ينتهي إلا ليبدأ من جديد و لا يخرج من تجربة إلا ليدخل أخرى غيرها، إنه
السندباد في رحلاته التي لا تنتهي، فقد يكون في صمته أبلغ من كلامه، و قد
يكون في غيابه أكثر حضورا، ففي حياة الكاتب لا شيء يفصل بين الكتابة و
الكتابة"[8].
هكذا ينتقل الدكتور بن زيدان إلى "خطاب التجريب في المسرح العربي"، فكيف
قدم ذ. برشيد شهادته بخصوص هذا المرجع؟
شهادة التجريب و التنظير
يؤكد د. برشيد على أهمية الكتاب في كونه " قفزة عن مسائلة المسرح العربي
في إطار التأسيس و التأصيل إلى مساءلة التجريب كضرورة ملحة أملتها مرحلة
أخرى من تاريخ المسرح العربي"[9].
هكذا يطأ الأستاذ بن زيدان تيمة جديدة في الكتابة المسرحية، تيمة لا
يطالها القدم
و هي تيمة التجريب الذي يعده "قفزة نوعية حققها المبدعون المسرحيون في
الوطن العربي للعصف بالقناعات الكسولة و الخطابات السطحية، خصوصا بعد ما
أصبح استيعاب الثقافات ضروريا، و أضحى التمثل الحقيقي للتجارب العالمية
محركا للأسئلة المقلقة حول المفاهيم الرائجة و حول الأساليب المستعملة في
الكتابة"[10]،
و هي كتابة عرفت امتداداتها من خلال طرق باب آخر من أبواب المسرح العربي
هو باب التنظير من خلال مؤلف "قضايا التنظير للمسرح العربي من البداية
إلى الامتداد" إذ في هذا الكتاب كشف الحجاب عن فعل جديد كما يراه
"بالنسبة لتاريخ المسرح العربي، لقد جاء محاولة لملئ الفراغ... فراغ
مسرحنا من كل تصور نظري يعطي للفن المسرحي أبعاده الحقيقية، و يحدد
وظيفته و أدواته"[11]،
إن هذا الكتاب في شهادة د. برشيد "يتضمن كل قضايا التنظير للمسرح العربي،
قضاياه الفكرية و التقنية، و قضاياه الإبداعية و النقدية، و قضاياه
المضمونية و الشكلية، و قضاياه التنظيرية و التجريبية، و قضاياه الوجودية
و الاجتماعية، و قضاياه القطرية و القومية و قضاياه الأدبية الفنية"[12].
لقد دخل الكاتب إلى هذه القضايا عبر بوابة الأسئلة فهو " يثير الأسئلة، و
يستخرج الأسئلة من الأسئلة، و يجدد الأسئلة القديمة بالأسئلة الجديدة"[13]،
و لا نكون مجانبين للصواب إذا قررنا أن معظم الأسئلة المحورية التي اشتغل
عليها الناقد في هذا الكتاب وغيره لم تكن نابعة من ذاته الحضارية و
الثقافية المستقلة فقط بل هي تعبير عن الحالة التي وصل إليها تطور النقد
في العالم العربي، و يمكن اعتبار جدة هذه الأسئلة و حيويتها من أهم
الأسباب التي يعزى إليها هذا التوفيق، بعبارة أوضح إن أمهات الأسئلة التي
يواجه بها الخطاب التنظيري، و يطلب منه أن يجد لها إجابات، تعبر عن
صيرورة فعل القراءة و سيرورته، و هي إفراز طبيعي لمنظومته الثقافية، و
استحقاقاته المختلفة، فكيف تجسدت إذن هذه الصيرورة في "المسرح في مفترق
القراءة"؟ و كيف يشهد الأستاذ برشيد على هذه التجربة؟
شهادة القراءة العالمة
يقول الأستاذ برشيد: "و في هذا الكتاب يهتم أيضا بموضوع هذا المسرح، و
بين الكتاب الأول (1978) و هذا الكتاب (2002) استطاع أن يوسع رؤية
مواضيعه و خطابه النقدي و دراسته، و ما يعرف عنه أنه لم يحصر بحثه في
فضاء و إطار المسرح المغربي فقط، بل إنه قارب التيارات و الاتجاهات و
التجارب المسرحية في العالم و في الوطن العربي"[14]،
بهذا النسق الرؤيوي المتكامل حول المسرح المغربي قدم
د. بن زيدان قراءته للمسرح المغربي من خلال تقديم أسماء فاعلة في هذا
المسرح،
و هي قراءة تبنت منذ البداية منهجا تحليليا بعيدا عن العفوية و
الانطباعية بغية استكمال مشروعه القرائي، الذي يعتمد الجانب التنظيري
بجانب قراءة العروض بأدوات دقيقة و منهجية امتلكها في خضم معايشته لعوالم
المسرح و الثقافة المسرحي، سواء في المغرب أو في الوطن العربي.
يقول الدكتور برشيد:" إن زمن الكتابة قد يمضي
و لكن القراءة باقية و متجددة باستمرار، و بهذا تتجدد الكتابة بالقراءة و
ترحل عبر اللغات بالترجمة"[15].
هكذا إذن تنتهي شهادة الأستاذ برشيد، و هي نهاية للكتاب و ليس للكتابة
باعتبارها فعلا متواصلا خاصة عندما يتعلق الأمر بالأستاذين بن زيدان و
برشيد الذين يعدان بحق مؤسسين لبنى جديدة و أشكال منوعة في الخطاب النقدي
المغربي و العربي، بعيدا عن التعايش المهادن أو التركيب الموهوم، و إنما
بهدف هدم و تقويض مبدأ الأجوبة المقولبة و الجاهزة و الدخول إلى سراديب
الدهشة و الأسئلة المحرقة التي تقود حتما إلى إطلاق النقد المسرحي من
عقال التقاليد البالية إلى حرية التعبير الديمقراطي المدني الملازم لنمو
أية واقعية نقدية حقيقية.
[1]
د.
عبد الكريم برشيد " الكتابة بالحبر المغربي في كتابات د. عبد الرحمن
بن زيدان، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى (2003) ص : 61.
[8]
جريدة الأيام، ص: 27 ـ العدد: 72 ( 06-12 فبراير 2003)
[9]
د. عبد الكريم برشيد، م س ، ص: 101.
[12]
د. عبد الكريم برشيد، م س، ص: 112.
[13]
د. عبد الكريم برشيد، م س ، ص: 120.
[14]
د. عبد الكريم برشيد، م س ، ص: 142.
[15]
جريدة الأيام، ص: 27، العدد: 72 (06-12 فبراير 2003).
|