|
ما بعد الحداثة ...
"والخروج
علي الطاعة
"
محمد سمير الخطيب
تفتقر
ما بعد الحداثة في الوطن العربي النظر لها معرفيا ، في ظل اتهام
البعض لها بالمروق والثورة علي السلف المسرحي والخروج علي النموذج
المتداول والمعلن من قبل الخطاب المسرحي العربي ، بالإضافة إلي
الوقوع في أسر العاب لغوية تفتقد المعني فانشغل الفنا نون
والمنظرون بقراءتها ايديولوجيا ، غافلين القراءة الفعالة التي
تنتهج طريقة الكشف عن المسكوت عنه في الخطاب المسرحي السائد بدلا
من أن تقرأه قراءة فعالة بمنطقها الحدثي .
تحاول ما بعد الحداثة التحرر من التصورات الكبري للتاريخ التي
حاولت بعض التيارات الفكرية المختلفة كالماركسية علي سبيل المثال ،
وتفكيك الأوهام حول بعض الثنائيات مثل الشعبي ، النخبوي ، الذكورة
الأنوثة ، الذات ، الموضوع ، فحاولت إعادة الإنسان إلي فرديته ونفض
عنه الأفكار الكلية الأخلاقية والمعيارية أو الفرد كمفهوم تاريخي
نائب عن مجتمعه فطرح ميشيل فوكو شعار جمالية الوجود كغائية للسلوك
الفردي ، أو كما يقول جيل دولوز بانه ليس هناك مركز وحيد «للعالم»
لكنه مركز مبعثر غير منفتح تماما علي العالم ، فعلاقة الإنسان
بالعالم ليست بالبساطة والشفافية ولا يمكن أن ندركها بعوامل التمثل
والتيقن ، فالعلاقة بين الإنسان والعالم علاقة مركبة .
من هذا المنظور أصبحت ما بعد الحداثة «حدث» يبرر مشروعيته ووجوده
خلال محاولة اختراق مناطق التباسية للحفر في طبقات الخطابات
المعرفية لإحداث قطيعة معها فهي لاتري وجودا حقيقيا في هذا العالم
، وأن الحقيقة هي صناعة وابتكار وليست شيئا جاهزا أوناجزا ، وظهرت
دعوات لموت الإنسان مقابل إعلاء الجسد ، فحاولت إحداث قطيعة مع بعض
العبارات والمقولات الدينية مثل : في البدء كانت الكلمة إلي في
البدء كان الجسد .
لذا انبنت ما بعد الحداثة علي صيغة أفكر /الجسد مقابلا لصيغة أفكر
/ العالم ، فجسدي هو وسيطي أو نقطة التلاقي مع «العالم» فهو مكاني
الذي احتله من العالم ، لذا اهتمت بمكانية الجسد عن زمانية الذات ،
بدلامن اعتباره الناقل للمعرفة أي جسرا لهذه المادة المعرفية ،
فطرحت ما بعد الحداثة سؤالا هو كيف يشتق الإنسان الفعل الحر من
الجسد بوصفه فعله المادي الأول وبوصفه وسيطيا إلي العالم .
كان هذا السؤال هو نقطة انطلاق ما بعد الحداثة في المسرح تحفر
معرفيا الميراث المسرحي «مادته من تراث متشكل عبر حقب كتابية وعصور
تأليفية » لذا حدثت خلخلة للغة الخطاب المسرحي الغربي ، واهتزت
اركان سلطته وذلك عن طريق الانفتاح علي بعض التجارب المغايرة مثل
جنوب شرق أسيا كما فعل جروتوفسكي وبيتربروك وباربا ، فأدي إلي
تهجين اللغة المسرحية وتطعيمها بمفردات وتقنيات جديدة غريبة عنها
لخلخلة اللغة الأساسية وتجويفها من الداخل حيث تتغير المفاهيم
الكلية فاستندت ما بعد الحداثة في المسرح إلي الحرث - في - الجسد ،
بدلا من الحرث في الكلمة ، حتي لايظل المشهد المسرحي كما يقول
دريدا لاهوتيا طالما هيمن عليه الكلام أو إرادة الكلام ، فاصبح
يرتكز المشهد المسرحي إلي بعض السمات :
1- نفي مركزية الفعل عن النص المكتوب أو النص المنطوق «الحبكة
المتشظية »
2- إعلاء مغامرة الفعل وإرجاء المعيارية
3- إن حقيقة العرض هي لقاء وليست كشفا فهي خاصة بالفرد
4- إعادة الاعتبار للجسد ليس بوصفه حاملاً المعرفة والاهتمام
بمكانيته
5- نض فكرة المؤسسة «كالمؤلف ، الناقد ، .. »
تلك السمات تثير تساؤلات حول ولادة مفهوم ما بعد الحداثة، في بيئة
لغوية مغايرة لمفرداتها الأصلية لاتقتصر علي معني الترجمة بل علي
اعادة انتاج المفهوم في بيئة ثقافية مغايرة ، لاتستند إلي الحقيقة
العلمية بل الحقيقة الدينية فتنحل رؤية أفراده إلي ثنائية الحلال
والحرام فينشأ الفرد علي الانصياع إلي المعيارية الأخلاقية ، واذا
نظرنا إلي الخطاب المسرحي العربي في هذا السياق لدينا فهو كأي خطاب
مشروع سلطة تتأسس وتنبني غالبا علي بعض العناصر المضمرة، تعيد
انتاج الخطاب الثقافي السائد .
في اطار الخطاب المسرحي لدينا تتأسس سلطته علي انه اعتمد علي النص
/ الكلمة كمركزية للتعامل مع العرض المسرحي من خلال الإنصات إلي
الطوفان الجارف من الألفاظ ، واستعادة ذاكرته المعيارية فيعتمد في
تلقيه علي أساس مخاطبة الأذن وهي بمثابة حاسة التلقي الأولي فثقافة
الأذن كما يقول عبد السلام بن عبد العالي هي ثقافة السمع والمحافظة
، فيصبح حكمه علي العرض المسرحي ينطوي علي معيارية أخلاقية ،
ويتجول الجمهورر أشبه بالكل المتجانس في أفعالهم وردود افعالهم ..
ويصبح دور المؤلف الذي يدعي تمثيل دور الجماعة هو استعادة النموذج
السلفي المسرحي في ارتداده إلي الذاكرة الجمعية حول مركز ينضح
بكلمات مثل الالتزام أو الأصالة وغيرها من الشعارات الرنانة .
إن الفارق في تلقي عروض مابعد الحداثة والعروض التقليدية ، أنه إذا
كانت الثانية تعتمد علي الأذن ، فإن الأولي تعتمد علي العين وتعدد
منظوراتها وزوايا نظرها ، فتنتفي الطبيعة الخطية في استقبال العرض
المسرحي عن طريق بعض الاستراتيجيات كالاختلاف والإزاحة والباروديا
أو المحاكاة الساخرة ، لتحاول أن تكون جمهورا مختلفا .
وكنتجة لهذه الاستراتيجيات تتغير ذات الناقد في عروض ما بعد
الحداثة ، فهو لا يمتلك المعني الوحيد للنص / للعرض وللحقيقة
المسرحية وقراءته للعرض محاولة للقبض عليها وذلك بالاستناد إلي
مرجعية معينة ليأخذ النص أو العرض إلي زمنية ماضية تنتمي إلي مرجع
ما لمابعد الحداثة فهي تنفي فكرة المرجعية ومشتقاتها المختلفة ،
وأن المعني هو ابتكار أو صناعة فتنقض مؤسسة الناقد بوصفة الحارس
علي المعني الذي يصبح مشاعا ، تصنعه الأعين والذوات المختلفة
وأخيرا اذا كان المسرح ذا علاقة وثيقة بالسياسة ، الا ان ما بعد
الحداثة استعملت السياسة بمعني الاجتماع الحر للأفراد ين الممثلين
والجمهور ، عن طريق اعادة رسم العلاقات بين خشبة المسرح سواء
بالممثل أوالجمهور ، ورفض المعني المتعالي الكلي، هذا ما يجعل
المتفرج العربي يصاب بالارتباك والحيرة في ظل عروض تستعصي علي طاعة
ذاكرته المستقرة .
المراجع :
مطاع صفدي / الحداثة وما بعد الحداثة، الفكر العربي المعاصر /لبنان
ميشيل فوكو ، الكلمات والأشياء، البنان
عبد السلام بن عبدالعالي ، ثقافة الأذن ، ثقافة العين ، المغرب
|