السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  23- 8- 2004

موسم العـز

 

مهرجانات بعلبك الدولية -  1960

د. مفيد مسوح

الإهداء:

إلى زوجتي الغالية

رفيقةِ أيـَّامي ..

بعـِزِّهــا ..

وبعَصْـفِ ريحِهـا

الملحمـة الفولكلورية الرحبانية

مَوســــم العـــــــزّ

مزامير للعمل والحب

د. مفيـد مســوح

ـ         ياشبـاب .. وْقـََـفو شوي ..

أنا بدي شيل مع أهل العريس

 

مسرعين ودون أيِّ ترددٍ يتحرك جميع المتوجسين لينهوا مشهد الحزن البالغ الذي خيَّم على الساحة قبل لحظات فتزول علائم الخيبة والوجوم التي اعترت وجوه أبناء وبنات الضيعة ورجالها ونسائها ومعهم الزوار أهلِ العريس، الذي سبَّبَ فشلُه بـ (شَيْل القـَيْمة) اضطرار المختار التوجهَ إلى العروس (نجـلا) بلهجة غنائية حزينة تكتنفها الحيرة والانكسار:

-                     نجـلا !! ..  نحنـا بدنــا نبقى هـَونْ .. روحـي وحدك !!

 

ولم يخفِ الجمع تعجباً كبيراًً ولـَّدتـْه تلك المبادرة من قبل الشخص القادم، ولم يكن حضورُه متوقعاً ولكن فرحتهم بالنتيجة السعيدة أبطلت العجب وأرجأت الاستغراب إلى حين، لمناقشاتهم اللاحقة بعد أن تستتبَّ الأمور .. فالمهم أن يبقى العرسُ عرساً!

 

رفْعُ العريس للـ (قـَيـْمة) باليدين إلى أعلى الرأس استعراضاً لفتوته وقوته أمام الحضور قبيل العرس شرطٌ للاستمرار بطقوسه وفرحه لا يجوز التنازل عنه أو المساومة به.

يعود هذا التقليد إلى مئات السنين وربما الآلاف .. وكون غالبية الناس من أهل المدن أو الجيل الشاب حتى من أبناء القرى لا يعرفونه، لا يعني أنه كان محدوداً فيما مضى .. فقد اعتاد أهل القرى في بلاد الشام في مئات السنين الماضية على ربط أفراح أعراسهم بمواسم جَنْي المحاصيل التي تأتي غالباً في فصلي الربيع والصيف وعلى تشكيلِ هذه الأفراح بطقوس جميلةٍ ذاتِ دلالات، فامتحان قدرة الفتيان على رفع أثقالٍ، قد تطالبهم الأيام والظروف بالتعامل معها أو مع أثقلَ منها، يُطمْئِن الأهلَ بأن أولادهم أصحاء أقوياء وهم رجال المستقبل ..

مباريات رفع هذه الأثقال لها من الأهمية ما تحظى به المواسم والبيت والتربية بأشكالها من عناية وهي تتطلب اختياراً دقيقاً لأثقالَ ملائمةٍ من حيث الشكل والوزن .. ومما يزيد من جمالية هذا الطقس أن (القـَيْمة) ليست حجراً عادياً عديمَ الفائدة بل هي إحدى مقتنيات البيت المستخدمة في تحضير الطعام (جرن الكبة أو طاحونة الحبوب - الجاروشة) أو في دكِّ تراب السطح دفعاً لتسرب مياه المطر عبر مساماته (المدحلة أو المحدلة بالعامية).

كانت أعراس القرى لا تخلو من تنافس شبانها طيلةَ فترة ما قبل العرس وخلاله .. وتكون مصاحبةً لحلقات الدبكة والتقاول بالزجل (القول) وأشعار المفاخرة والغزل والوصف والحماس إضافة للولائم العامرة بالمآكل التي تأتي التـَبُّولة وأنواع الكِبَّة في مقدمتها وبالمشروبات الروحية المصنوعة محلياً وعلى رأسها العَرق المنزلي الفاخر الـمُثلث التقطير (متلَّت).

 

طقوس أعراس الضيعة ومواسم جني المحاصيل المرتبطة بحياة الناس والمحاطة بهالات الحب والفرح والسلام والتعاون كانت المواد الثرية التي غَرَف من جرارها الأديبان والفنانان الكبيران الأخوان عاصي ومنصور الرحباني منذ أواخر خمسينيات القرن المنصرم ليقدموا لنا وللأدب الإنساني الخالد أعمالاً يفخر بها الوطن وتاريخ الفن فجاء هذا الأدب شعبياً واقعياً صادقاً محفزاً على فعل الخير وحب الوطن والإخلاص لمقدساته وصانعاً للفرح والسعادة ..

 

من هنـا جاء العمل الرحباني العظيم (موسم العز) الذي قُدِّم في مهرجان بعلبك ثم على مسرح مدينة معرض دمشق الدولي عام 1960 باشتراك صباح ووديع الصافي ونصري شمس الدين وفيلمون وهبي وغيرهم من رواد المسرح الرحباني ومن إخراج الكاتب والمخرج المصري كامل التلمساني (1918-1972).

"موسم العز" باكورةُ الأعمال المسرحية الرحبانية بدأ الأخَوان العبقريان بها المنهجية الواقعية في المسرح الغنائي بديلاً عن اسكيتشاتهم الغنائية السابقة فكانت بداية موفقة جعلت جمهورَهم في البلدان العربية وعلى الأخص في بلاد الشام ينتظر جديدَهم كلَّ عام في مهرجانات بعلبك الدولية ومهرجانات الأنوار ومعرض دمشق الدولي أو حفلات كازينو لبنـان أو قصر البيكاديلي في بيروت وغيرها. وقد سبق للرحبانيين أن ظهرا على المسرح الغنائي في أعمال أخرى كان أولها (مهرجان عيد الليمون) الذي أصبح بعده عيداً وطنياً .. لقد سَجلت أعمالُ الرحابنة وتاريخُهم هاجساً وشغفاً كبيرين لخلق أعيادٍ لفرح الوطن والشعب خارج الإطار الديني ومفاهيم العيد التقليدي الانعزالي!

محور هذا العمل الرائع والفريد من نوعه هو الحب والعمل في الضيعة اللبنانية النموذجية التي تكونت لدى أهلها عبر التاريخ تقاليدُ العمل الجماعي المنتج المرتبط بالأرض وباحتياجات الناس وبحياتهم ومشاعرهم وفنهم. وفي الحقيقة فإن ما يميز أدب الضيعة اللبناني على وجه الخصوص ارتباطه المتين بالطبيعة ومكوناتها الجميلة المتوفرة بكثرة في القرى الجبلية ذات التضاريس المتنافرة والمتنوعة والملونة والتي تتآلف عناصرها من جبال شاهقة صخرية ومكسوة بغابات الأرز والسنديان أو ببساتين الأشجار المثمرة إلى الوديان الجافة ووديان الأنهار المحاطة بالأشجار المتنوعة والسهول المزروعة والشطآن الصخرية الجميلة وضيوف كل هذه الأماكن من الطيور المتنوعة والحيوانات الأليفة إلى السمـاء الفسيحة وغيومِها تتعانق بحنان مترف معها قممُ الشوامخ من جبال لبنان الأخضر البديع.

في هذه الضيع تعلَّم الأهالي على مر العصور كيف يقاتلون الصخر لتمهيد الأرض وتنظيم الحقول ومواسمها وزرعها بما يفيدهم من نباتات وأشجار وتعلموا كيف يحافظون على صداقتهم الروحية والمادية مع طبيعةٍ انعكس جمالها على مفردات الناس وأدبهم وطقوسهم وعاداتهم وملامح الطيبة والود والجمال في وجوههم بأصدق التجليات، فكان الإنسان اللبناني الخلاق والمبدع والذي ما أن يلتقي بالجديد ويتقبلَه ويستوعبَه ويلمَّ بتفاصيله حتى تولدَ من داخله فكرةُ الإبداع الأجـدِّ والأفضل في أسفارٍ لا تنتهي، مداها الزمن كلُّه ومحطاتُها عتباتٌ تتلألأ عزاً وشموخاً وكبرياء في كل صفحات التاريخ الإنساني.

فلقد عرف لبنان في مراحل باكرة جداً صناعة الحرير من شرانق دود القز والتي خرجت أسرارُها بأعجوبة من الصين، بلدِ الحرير الأول في التاريخ والذي تكتَّم على هذه الأسرار على مدى قرون طويلة قبل أن تتكشَّفَ حقيقةُ هذا الخيط السحري لشعوب الشرق الأخرى وتصلَ بعدها إلى سوريا القديمة، حيث أظهر نسَّاجوها في ذاك الزمن مهارةً فائقة في تربية دود القز وصناعة الحرير وغزلـه وتلوينه، وغطَّت بساتينَ القرى اللبنانية والسورية أشجارُ التوت بأوراقها الخضراء النضرة، غذاءِ دودة القز، صانعةِ خيط الحرير الرائع.

ومن سوريا وساحلها النشيط انتشرت تربية القز وصناعة الحرير لتعمَّ البلدان الأوروبية.

في ظل النظام الإقطاعي المسيطر على الأراضي والصناعات المرتبطة بالمنتوجات الزراعية كانت صناعة الحرير حكراً على كبار الملاك ورجال السياسة الذين تحكَّموا بالفلاحين ومربِّي القز وكرَّسوا هيمنتهم الاقتصادية والاجتماعية واستغلالَهم للعاملين في هذه الصناعة الذين بقوا تحت رحمة المتحكمين بصناعة خيوط الحرير وتجارتها وتجارة المنسوجات الحريرية. إلا أن هذا الواقع المرير لم يلغِ استمتاع الفلاحين بعملهم وإنتاجهم وما يحيط بـ (قطف الحرير) و (موسم العز) من قدسيةٍ ومن طقوسٍ محببة ارتبطت بها حالةُ الرخاء والبحبوحة ورافقتها مواسم الفرح والأعراس.

كنا في الطفولة نستمتع إلى حد كبير ونحن نراقب نموَّ شرانق الحرير المنثورة على أوراق التوت النضرة فوق أطباق مصنوعة من شرائح القصب اليابس أو قش الحنطة أو خليط التبن مع روث البقر، محاطةٍ بأغصان (الشـِّيح) لتأمين الدفء اللازم لتسلق وعمل الشرنقة الذي أثار إعجابنا ..

يرقات القز تلتهم ورق التوت بشراهة وتفرز فيه لعابَها السحري الذي يتحول لدى ملامسته الهواء إلى خيط يلتف حول اليرقة مشكلاً الشرنقة البيضاء ذات الشكل البلحي. انهماك اليرقة بأكل أوراق التوت وإنتاج الخيط يُرهقـُها، لذا فهي تمر بفترات هدوء واستراحة يسمونها (الصَوم) .. ومن فمها يخرج عند إنتاجها للخيط 2.5 ميليمتراً في الثانية دون توقف إلى أن ينتهي عمرها القصير، وتعطي الشرنقة خيطاً يصل طوله إلى مئات الأمتار.

ونحن أطفال كنا نراقب جمع الشرانق في باحات بيوت الضيعة وتجميعها وتسخينها لقتل الفراشات داخل الشرانق وتحضيرها للبيع لتجار ينقلونها إلى دمشق أو بيروت إعداداً لتصديرها إلى أوروبا. كنا نتصور أن ربح هذه الشرانق (الفيالج) لا بد أن يكون كبيراً بالمقارنة مع ما يتطلبه الحصول عليها من جهد ولكن ظنَّـنا خابَ بعد أن أجابتنا مربِّيات القز بأن سعر البيوض المستوردة غالباً من اليابان وكلفة الشرانق النهائية ليست قليلة وأن الحصول على رطل واحد من الحرير يحتاج إلى ما لا يقل عن عشرين ألفاً منها والرطل بالكاد يكفي لصنع عشرة فساتين فقط أو مائة شال نسائي متوسط الطول.

نساء القرية ورجالها كانوا يعتبرون موسم القز مَلِكَ المواسم ويربطونه بالعز والبحبوحة .. البيوت التي اضطرها العجز المادي للاستدانة أيام فصل الشتاء من أصحاب الدكاكين أو المعماريين أو المرابين كانوا يسدون ديونهم من هذه المواسم فتُفرَجُ كرْبـَتُهم ويدبُّ الفرح في نفوسهم .. ومَن دفعت به الضائقة إلى تأجيل عرس ِ مَن بلغَ سنَّ الزواج مِن أبنائه تحققَ أملُه مع موسم القز - موسم العز.

كانت أشجار التوت ذهباً لا تقل قيمته عن القز - الذهب الأبيض - نفسه. بساتين التوت الكثيفة جنائنُ لا تقل جمالاً عن بساتين الكرز والمشمش وبيارات الليمون، سُوِّرتْ للحماية وعُشِّبتْ أرضُها ونُظـِّفتْ أغصانُها ومُشِقتْ أوراقُها الخضراء بعناية لتقدَّم إلى القز المدلل، صاحبِ الفضل على الكثيرين .. من ملوك وسلاطين تفاخروا بأرديتهم إلى التجَّار والصنَّاع وقد ازداد ثراؤهم باحتكار أنواع منسوجاته، حتى الفلاحين والفنانين والنساجين وقد وجدوا فيه مورداً للعيش لا يعلو عليه مورد .. ولا ننسى دلعَ الفتيات والنساء والدُّمقْلسُ الفاخرُ يتراقص على إيقاعات أجسادهن الرشيقة ساتراً حيناً وكاشفاً أحياناً مواطنَ الجمال والفتنة فتتراقص قلوب الفتيان المرهفة تجاوباً مع عيونهم وقد سحرها جمالُ الأجساد البضَّة وزادتـْها سحراً ألوان الحرير الباهية.

 

العمل في المراحل الأولى للموسم الذي يستمر لمدة شهرين فقط، يقتصر غالباً على النساء اللاتي تبدأ مهمتُهن بنثر البيوض وتأمين الجو المعتدلِ الحرارة الملائمِ للتفقيس وجلبِ أوراق التوت الطرية فقط، فدودُ القز بخلاف الجراد لا يأكل سوى الأخضر الطري، وكذلك باستمرار وحماية الديدان التي سرعان ما يبدأ تكوُّنُها خالقاً مساحات دبيبٍ وحيوية يزداد سحرُها عندما يبدأ نسْج الشرانق البيضاء على خلفيات الورق الأخضر .. فإذا بنا أمام لوحةٍ تزداد الضيعة بها جمالاً ووجوه أهلها بهجة وتفاؤلاً.

أما في مراحله الأخيرة فيتعاون شبان الضيعة وفتياتها، رجالها ونساؤها في جمع الشرانق وقتل الفراشات داخلها بالتسخين بالماء أو بالهواء الساخن أو تحت أشعة الشمس منعاً لهذه الفراشات من ثُقب الشرنقة وإتلاف الخيط الحريري. ثم يقومون بتكديس الفيالج وتصنيفها وترتيبها وتجهيزها للبيع .. طقوسٌ رائعة في العمل والتعاون وتبادل التمنيات الطيبة ترافِقـُها مظاهرُ الفرح من حلقات الدبكة والغناء والضيافة والمبارزات إلى إشهار علاقات الحب أو إعلان الخطوبة أو تحديد مواعيد الأعراس ..

هذه الضيعة بطبيعتها الساحرة وأهلها المتحابِّين عشاقِِ العمل والغناء والرقص وطقوس قطف الحرير كانت المسرح الذي ألهم الرحابنة لإخراج رائعتهم مزاميرَ للعمل والحب وهم في بداية مرحلة تكوين الشخصية الفنية اللبنانية في الأدب الواقعي فجاءت المسرحية نموذجاً مميزاً لهذه الشخصية سيستمر الرحابنة على منواله طيلةَ الحقبة اللاحقة.

تتكون المسرحية من فصلين، بخلاف الأعمال السابقة المؤلفة غالباً من ثلاثة فصول، وقد جاءت بقالب الدراما التقليدية (بداية استعراضية – عقدة – حل ونهاية إيجابية سعيدة) وظَّفها الرحابنة بنجاح كبير في محورين متلاصقين: العمل والحب.

فالضيعة هي مجتمع أبنائها وأهاليها وساحة نشاطات أعمالهم وهمومها وملعب الفتوة والفرح واللهو وحلبة مختلف أشكال المنافسة السلمية وهي مدرسة الحب ورواياته وأشعاره وأغانيه وملتقى العشاق ومَصبُّ مشاعرِهم.

وفي هذه الضيعة تتمثل قيم المجتمع اللبناني في الحياة العملية المنتجة وفي صناعة الفرح والسلم وتكريس حب الوطن والإخلاص له والتفاني من أجل عزته وتقدمه.

بطلة المسرحية (نجلا) أحلى فتيات الضيعة الحالمات بالحب في مواسم الفرح .. صاحبةُ القوام الجميل والوجه الحسن والصوت الرائع الذي طرُبَ به أهلُ القرية في لقاءاتهم وأعيادهم واهتزَّت بسماعه مشاعرُ الشبان الذين حلموا بصاحبته حبيبة ً وشريكة ً في حياتهم. لقد كان اختيار الفنانة (صباح) لدور نجلا موفقاً إلى حد كبير نظراً لما تمتعت به من مهارات في التمثيل والغناء وهي في مجدها الفني المتصاعد ولها من العمل السينمائي والمسرحي في مصر ولبنان رصيدُ أصحاب العروش. وقد سبق أن اشتركت في فيلم كتب حواره مخرج "موسم العز" كمال التلمساني واسمه "سلـِّم عَ الحبايب" قبل سنتين إي في العام 1958 في مصر.

كما أن اختيار وديع الصافي لدور (شاهين) ونصري شمس الدين لدور (المختار - فارس) زاد من غنى ونجاح وشمولية هذا العمل المسرحي المتميز والذي حصد نتائجَ باهرة في حينه بالرغم من أن النسيان طواه فيما بعد فغابت المسرحية حواراً واقتصر تداولُ جمهور صباح ووديع ونصري لأغانيها مسلوخة ً عنها ولم يتناولْها أيٌّ من الكتاب أو النقاد بالدراسة والتحليل .. لقد ظُلم هذا العمل الإبداعي الرائع حتى هذا اليوم .. فتعالوا نعشْ جمالـَه وقيمته بعد أربعة وأربعين عاماً من النسيان ..

أقترح، لتحقيق المزيد من المتعة والفائدة، تكرار قراءة الدراسة إلى جانب سماع الشريط المسجل أو القرص (موسم العز).

 

ساحة الضيعة تنتظر بعد ظهيرة كل يوم ربيعي وصيفي فتيانَها وفتياتِها وزوارَهم من الضيع القريبة يتقاطرون لتبادل الأحاديث والاستفسارات وعبارات المجاملة والاطمئنان عن الأهالي والمواسم ويتسايرون ويتمشون في دروبها المطلة على الوديان الجميلة او المتوجهة إلى الينابيع يستمتعون بالمناظر الخلابة ويستنشقون هواءها العليل. فإذا جلسوا تلونت حلقاتُهم بمختلف أشكال الفرح والطرب والمفاخرة والتنافس.

تضعُنا المسرحية في مشهدها الأول في ساحة الضيعة التي التقى فيها لإحياء العيد فتيانٌ وفتياتٌ منها مع ضيوفهم من الضيعة المجاورة. لحن الافتتاح تؤديه مجموعة من الآلات الوترية والنفخية والإيقاعية تصاحبها أغنية خفيفة بطريقة الأنشودة تقدم لنا الساحة والعيد وفتيانَ الضيعة وفتياتِها:

 

العيدْ السَّاحةْ السهريِّةْ تـْطـوِّلْ وتـْزيدْ

الضيعةْ الحلوةْ المضويِّةْ بليلةْ هالعيدْ

 

تكرر الجوقة هذا البيت كلازمة لعدة أبيات أخرى تصف الضيعة وجمالها والعيد والصبايا بلفتاتهن التي تحمل من حكايا العشق ما تَسعد به القلوب وتحلو به السهرات. وقد جاء اللحن بقالب المارش الخفيف الهاديء المتموج كنسائم الربيع ليتمكن الجمع من الوصول إلى الساحة على نغماته العذبة.

ننتقل بعد نهاية الأغنية التي يشترك الجميع في أدائها إلى صورة انقسام الحضور بمرونة إلى فريقين أحدهما يمثل فتيانَ وفتياتِ الضيعة ومعهم المختار (نصري شمس الدين) وسبْع (فيلمون وهبي) ومخُّول (منصور الرحباني) بينما يمثل الآخر ضيوفـَهم القادمين من الضيعة المجاورة وعلى رأسهم (عبدو)، صاحبُ الشأن في مسرحيتنا، وشاهين (وديع الصافي). يبدأ الحوار التنافسي الجميل بين الفريقين المتواجهين أمام (القـَيْمة) تمْتحنُ قُدُراتِ الفتيان العضلية:

فريق الضيعة: هايدي القَيْمةْ

الفريق الضيف:         هايدي القيمة ؟

فريق الضيعة:  فيكن ليها ؟

الفريق الضيف:          فينا عليها

فريق الضيعة:  ونحنا فينا

الفريق الضيف:          قيموها

فريق الضيعة:  منقيمـا

الفريق الضيف:          يـا الله

فريق الضيعة:  يا الله ... إي مخُّول هي مخول هي مخول .. يا الله .. هالله هالله هاي !!

الفريق الضيف:          قيموها

مخول ينجح وفريق الضيعة يدعو عبدو من الفريق الضيف ليُقيمَها بدوره:

-                    قرب يا عبدو قيما

-                    يا الله يا عبدو قيما

(مرْهج يفاجيء الجميع متدخلا):

-        ما فيك تقيما يا عبدو

(عبدو متحديا):

-        تعا انتَ قيما يا مرْهج

(المجموع مذهولاً):

-        مرْهج القلاعي ! .. مرهج القلاعي؟

مرهج يقيم القيمة مستعرضاً قوته ومتباهياً  .. ومتحدياً عبدو الذي يحاول ويفشل

-        شو يا عبدو؟

-                                                         تقيلةْ ومْساقَبْ سهران

-                                                         شو يا عبدو؟!

-                                                         تقيلة .. ومْساقَبْ سهران

 

فريق الضيعة يتشفى ويهزأ .. ومخول يتباهى بانتصاره

الفريق الضيف معترفاً بالهزيمة:

-                     بالقـَيمات

-                     بالقيمات شو؟

-                     بالقيمات غْلبـْتونا .. بالقيمات غْلبـْتونا .. تـْعَو تا نْجَرِّبْ عَ الدَّبكة

-                     عَ الدَّبكة ..

-                     يا الله .. يا الله ..

 

فريق الضيعة يبدأ الدبكة مع أغنية (هويدا هويدا لك) يؤديها المختار وشاهين .. والفريقُ الضيف يراقب باستهزاء !

 

الدبكة في القرى السورية واللبنانية فنٌ شعبي تراثي صاحَبَ أفراحَ الناس كلـِّها منذ أقدم مراحل التاريخ فعبَّروا به عن سعادتهم في مناسبات الحصاد وجني المحاصيل ومواسم الحرير وسلقِ الحنطة وعصر العنب لصناعة العرق والنبيذ إضافة إلى مناسباتهم الدينية والوطنية .. أما أعراسهم فلا تكتمل دون استمرارية حلقاتها لأيام لا تقلُّ عن الثلاثة وتصل إلى السبعة يتكاتف فيها الصبايا والشباب مُظْهرين براعة ً في الحركات المتواترة على إيقاع الطَّبل وأنغام الزَّمْر والمِجْوز وبمصاحبة مغنٍ أو مغنية أو فرقة فتتراقص كلمات أغانيهم الجميلة مع (الدبـِّيكة) في انسجام بديع يحْيي الفرحَ في القلوب والغِبطة في النفوس ويبثُّ الحيويةَ في الأجساد .. حركات الدبكة فنيةٌ تقوم على التوافق الهارموني وتتطلب مهارة ودقة في التجاوب مع الإيقاع وكذلك مع اختيارات قائد الحلقة الذي يأخذ مكانه في أول السلسلة ويكون طرفها الثاني حراً وتتلون حركاته صعوداً ونزولاً وانحناءً ثم امتداداً بفتح الذراعين تعبيراً عن الرغبة في التحليق والامتداد لنشر الفرح والسعادة إلى أوسع مدىً. وللدبكة وفنونِها مصطلحاتٌ خاصة تميزها عن فنون الرقص الأخرى.

التنافس في القدرة على الدبكة على الأنغام الصعبة والإيقاعات السريعة تقليدٌ اعتادت عليه شِلَلُ الشبيبة في القرى وحصل بعضهم بسببها على ألقابٍ مثل (فلان دبـِّيك عَ الأول). للرحبانييَّن فضل كبير في إحياء هذا الفن الرائع وتطويره فقد أسسا الفرقة الشعبية اللبنانية التي كان إحياء التراث مهمتها الرئيسية وقدموا في جميع أعمالهم المسرحية اللاحقة عشرات الدبكات على أغاني فيروز ووديع ونصري وصباح وغيرهم وانتظر جمهور الرحابنة دو