|
مونودراما
(هذيانات
رحيل عتيق)
سيناريو مسرحي
تأليف
:أسعد
الهلالي
المسرح
عبارة عن تشكلات لا يشترط فيها الانتظام لغرفة امرأة وحيدة .. يبدو فيها
سرير نوم كبير يتوسط الغرفة تقريباً.. انه سرير فارغ سوى من قميص رجالي
ملقى على طرفه بعناية.. ثلاث مرايا كبيرة تتوزع هنا وهناك.. إطارات صور
معلقة بأشكال غير منسجمة دون أن تحوي صورة ما... بعض الإطارات معلقة بشكل
مائل.. وفي أكثر المواقع بروزاً تبدو على الجدار خطوط خارجية ـ آوت لاين
ـ لجسد رجل بالحجم الطبيعي مرسوم باليد.... الوجه بلا ملامح .. تتوزع قطع
متناثرة من دمية قماشية لرجل بالحجم الطبيعي.. يد في مكان ويد في مكان
آخر .. ساق في مكان وساق في مكان آخر .. الجذع في مكان آخر.. الرأس الذي
لا يحمل وجهه أية ملامح موجود في مكان مختلف .. يفضل أن تكون مثبتة في
مواقع معينة من الجدران أو في زوايا.. ربما تحت السرير قطعة ما.. في
مقدمة المسرح منضدة متوسطة الحجم تكدست عليها الكثير من الرسائل.. عدد
ملفت للانتباه منها .. هناك جهاز تلفزيون قديم مهمل .. ونافذة كبيرة تحتل
مساحة بارزة من أحد الجدران.. تبدو العديد من الساعات الحائطية الذائبة
معلقة في مواقع مختلفة وبعضها تتدلى من حبل وكأنها مشنوقة.. على الجدران
تكرار ملحوظ وبأحجام مختلفة لكلمة واحدة خُطَّت ضمن مستوى واحد مقابل
لطول المرأة.. إنها كلمة حاتم التي تكررت بتنويعات مختلفة.. تدخل المرأة
إلى لمسرح وقد ارتدت مقرمة ولثمة ونقاب.. ما إن تدخل تخلع مقرمتها
ولثامها ونقابها فتبدو بملابس نسائية بسيطة وأنيقة.. كانت تحمل مظروف
رسالة حين دخلت.. تنظر إليها بحزن .. تقترب من المنضدة المكتظة بالرسائل
.. تضع الرسالة في زاوية المنضدة فتبدو معزولة عن باقي المظاريف.....
تبتعد المرأة عن المنضدة وعيناها معلقتان بالرسالة.. تدير وجهها ببطء
فتواجه مرآة ... تحدث صورتها ..
المرأة
رسالة
جديدة.. إنها منه .. حاتم....
ـ تقترب
المرأة من منضدة الرسائل .. تمسك بيدها رزمة منها.. ترفعها للأعلى ..
ترخي أناملها فتتساقط الرسائل .. تواصل ..
المرأة
واحدةٌ من
مئات الرسائل.. تشابهت كلماتها حتى بدت مستنسخة عن رسالة واحدة كان قد
كتبها قبل ثلاثين سنة.. هل ثمة داع لقراءتها ؟..
ـ خلال
حوارها السابق تتحرك المرأة باتجاه السرير ترفع القميص.. تمسك كُمَّيْهِ
بذراعيها المشرعين .. تواصل :
المرأة
ثلاثون
عاماً يا حاتم.. ثلاثون عاماً غادرتَني فيها صبية جميلة نضرة.. وعدتني
بثوب مطرز وشال حريري وكثير من الحكايا .. لمْ أرَ ثوباً مطرزاً ولا
شالاً حريرياً ولم أسمع حكاياتك..
ـ تحتضن
المرأة القميص واضعة أكمامه على كتفيها.. تواصل :
المرأة
كم بدت
مملة يا حاتم؟ .. كم بدت مملة؟ .. ثلاثون عاماً.. ألم تعذبك سنوات
الغربة؟.. أتراك حي لتعود؟ .. أم أنت مجرد ذكرى لشئ انقضى لم يكن إلا في
مخيلتي؟ ..
ـ تكور
المرأة القميص وترميه على السرير .. تقترب من إطار صورة فارغ .. ترفعه..
تنظر من خلاله حتى يملأ وجهها الإطار فيبدو كصورة .. تسير نحو مرآة
أخرى.. تواصل ..
المرأة
ربما كنت
أحلم بأني تزوجت ذات ليلة بعيدة بشاب وسيم ورائع طالما أحبْبتُهُ
صبيةً.. شاب اسمه حاتم.. أتصدق أني كَثُر ما قرأتُ عقد زواجي مرة ومرتين
وثلاث لأتأكد بأني كنت متزوجة فعلاً.. كنتُ ؟
ـ يبدو
أنها اكتشفت أمراً..تنزل الإطار عن وجهه..تنظر نحو العمق بتركيز..تواصل:
المرأة
مازلت
متزوجة لكن ممن؟ .. من شبح؟.. من خواء اسمه حاتم؟ ..
ـ تقترب
المرأة من السرير وتدور حوله وحول نفسها في نفس الوقت ملامسة حوافه..
تواصل:
المرأة
قبل ثلاثين
سنة غادرتني بقبلة على جبيني المضرج بالحياء.. لم أكن قد ألفتُك، لم أكن
قد اعتدت عليك..
ـ تتمدد
على السرير متلوية .. تواصل :
المرأة
لم أنل
مزيداً من الوقت لأحظى بذلك .. لم يمض على زواجنا سوى شهر.. ثلاثون يوماً
يا حاتم.. لم تكن كافية لتفاجئني....
ـ تنهض
المرأة رافعة جذعها فجأة ... تواصل :
المرأة
سأهاجر
....
ـ متى
تعود ؟ .. سألتُك ...
ـ سأعود
... أَجَبْتَ ..
تَكَرَّرَ
السؤال في حنجرتي .. تَكَرَّرَ..
ـ تغادر
المرأة السرير.. تقترب من منضدة الماكياج.. تنظر خلال حوارها إلى
المرآة.. ترفع إصبع أحمر شفاه.. ترسم وجهاً مبعثراً على المرآة.. مواصلة
حوارها:
المرأة
طيلة
السنوات الثلاثين وتلاشى أثر قبلتك اليتيمة.. تلاشى ..
ـ تلطخ
المرأة بأحمر كثيف مكان الشفتين في الصورة التي رسمتها المرأة بأحمر
الشفاه على المرآة .. تواصل أثناء ذلك :
المرأة
ولم أسمع
صوتك لكنك حي .. أعرف ذلك من رسائلك المكررة ..
ـ تسرع
المرأة متقدمة نحو المنضدة التي تكدست عليها الرسائل.. ترفع رزمة منها
وتنثرها في الفضاء ... تواصل حوارها أثناء ذلك بحدة ظاهرة :
المرأة
رسائلك
المستنسخة التي لم تتغير فيها سوى التواريخ..
ـ تفتح
المرأة رسالة .. تقرأ بانزعاج .. تواصل حوارها أثناء ذلك :
المرأة
عزيزتي ..
اشتقت إليك ... إنني متعب وحزين... أعمل كثيراً كي أمحو آثار الخراب..
سنوات الغربة الطويلة.. لكي أعود فأعوضك بعض ما فات من هذه السنوات...
ـ تحتضن
القميص .. تواصل حوارها أثناء ذلك :
المرأة
عُد ..
عُد يا حاتم.. لا أريد ثوباً مطرزاً.. ولا أريد شالاً حريرياً.. لا أريد
حكايا.. أُصمت.. لكن عد.. عد صامتاً.. عد حزيناً.. عد منكسراً.. كيفما
كنتَ.. عُد ..أُريدُكَ.. لأني لم أعد قادرة على الانتظار أكثر.. الانتظار
.. شئٌ باردٌ لا قدرةَ لنا على إدمانه .. الانتظار .. سيفٌ قاسٍ.. لطالما
اقترب من الرقبة، ولا مسها نصلُه، ثم يبتعد ليعود ثانية.. ملامساً ذلك
الألم الممض..
ـ
تتهاوى على السرير جالسة.. ترمي القميص بلا مبالاة.. تواصل حوارها أثناء
ذلك:
المرأة
ربما لو
انقطعت رسائلك منذ زمن لاسترحت.. لعرفتُ أنك لن تعود.. لكن هذا الحبل
السري لا يمنحني سوى الكثير من العذاب ...
ـ تنهض
.. تقترب من منضدة الرسائل .. تحتوي الرسائل بذراعيها .. تجمعها .. تحمل
منها رزمة .. تتحرك وأثناء ذلك تتناثر الرسائل من بين يديها واحدة واحدة
دون أن تحاول المرأة منع ذلك.. تواصل حوارها :
المرأة
سأضم
رسالتك إلى رسائلك الأخرى.. رسائلك السابقة ، رسائلك الكثيرة.. كثيرة هي
وقليل أنت.. بل أنت هواء.. ها هي ذي رسائلك يا حاتم.. كثيرة.. كثيرة..
كثيرة.. لطالما بحثتُ فيها لعلك مختبئٌ في إحداها.. كل الرسائل مذيلة
باسمكَ لكن أين أنت؟ أ تُرى؟..هل ستعوضني عنك ورقة كهذه؟..لا أريدها..
أريدك أنت.. لا أريد الرسائل.. لا أريد الرسائل ..
ـ تنثر
ما بقي في يديها من رسائل.. تتحدث بحدة وانزعاج.. تواصل حوارها:
المرأة
أريدك
أنت.. عد يا حاتم فما بي طاقة للانتظار.. أتعلم كيف انقضت سنتي الأولى؟
ـ تقترب
من نافذة كبيرة.. تنظر إلى ما خلفها.. تواصل:
المرأة
كنت صبية
لم أجتز السادسة عشر من عمري.. ولم تفتح عيناي على وجه سوى وجهك..
أَلِفْتُكَ..
ـ تتحرك
خلال ذلك.. ترفع القميص عن السرير.. تُلبِسُه الجسد المرسوم على الجدار
في موضع الصدر.. وتثبت الكمين كذراعين مفتوحين.. تواصل :
المرأة
رغم تلك
الأيام الثلاثين من الحياء.. شهر واحد قضيناه معاً.. زوجان خجولان..
ـ تدير
ظهرها بحياء إلى صورة الرجل المرسومة على الجدار مرتدياً القميص.. تواصل:
المرأة
لم أجرؤ
على النظر في عينيك.. تقترب مني.. تنظر إليّ.. فأطأطئ رأسي.. كنتَ تقول:
انظري في عينيّ.. لم أجرؤ...
ـ تنظر
إلى الرجل المرسوم على الجدار مرتدياً القميص.. تواصل:
المرأة
لا أجرؤ يا
حاتم.. سألتني مرة: ألا تحبينني؟.. أطرقتُ خجلةً..
ـ تدير
ظهرها بحياء إلى الجسد المرسوم على الجدار مرتدياً القميص.. أثناء حوارها
تحرك رأسها بما يعني نفياً إثناء جملة لا تحبينني.. تواصل:
المرأة
فقلتَ:
أعلمُ أنك لا تحبينني.. لمْ تعتادي على ذلك بعد.. لكنك ستحبينني ذات
يوم..
ـ تسرع
نحو تخطيط الجسد المرسوم على الجدار.. تأخذ كماً من كمي القميص تلفه حول
رقبتها بحب.. تواصل :
المرأة
وددتُ أن
أقول : ليس لي غيرك .. أنت كل ما أراه.. أُصْبِحُ بك وأُمْسي بك ...
ـ تعيد
الكم إلى مكانه .. تبتعد عن الجسد المرسوم على الجدار .. لكنها تنظر نحوه
بزاوية عينيها.. تواصل :
المرأة
لكني أنظر
إليك خلفك.. أنظر إليك حين لا تكون عيناك شاخصتان بي.. ليس حياء.. لا
أظنه كان حياء..
ـ تقترب
من النافذة .. تنظر إلى ما خلفها .. العمق.. تواصل :
المرأة
ربما لم
أكن قادرة على استيعاب ما كان يجري.. صبية فتحت عيناها فجأة لترى في
غرفتها شاباً وسيماً جميلاً حياً نابضاً..
ـ تتجه
خلال حوارها إلى القميص المثبت على الجدار .. تمسك كمّيه بكفيها المشرعين
وتتجه إلى السرير.. تضعه قبالتها.. تحاوره بحياء .. تواصل :
المرأة
قلتَ: أنا
حاتم ..
قلتُ:
وماذا بعد ؟ ..
قلتَ:
زوجك ..
زغردت
النساء.. وتهاوت عليّ القبلات من كل حدب وصوب ..أمي ..أختي .. صديقتي..
أبي.. أخي.. كلهم كانوا يباركون زواجي.. كلهم قبلوني..
ـ تقرب
القميص إلى خدها بحياء .. تواصل :
المرأة
لكني لم
أشعر بطعم قبلة سوى قبلتك.. كانت شيئاً مختلفاً.. شيئاً جعلني أطرق..
ـ تضع
القميص قربها وتواصل بحياء :
المرأة
يكلمني
أبي .. تكلمني أمي .. لا أطرق حين يكلمني أي شخص.. أطرق حين تكلمني أنت..
لم أجرؤ أن أنظر إلى عينيك ..
ـ تنهض
.. تتجه إلى النافذة خلال حوارها .. تنظر إلى ما خلفها .. تواصل بقنوط :
المرأة
أتعلم كيف
قضيت السنة الأولى؟ .. كنت أجلس خلف النافذة .. أنظر عبر النافذة .. أشعر
أن الوادي البعيد قد أخذ خطاك .. لكنه سيدفعك إليّ ذات يوم.. سأنتظر ..
ـ تقترب
من ساعة حائطية معلقة ذائبة .. تمرر أناملها حولها وكأنها عقرب ساعة يدور
ببطء أول الأمر ثم يتسارع .. تواصل :
المرأة
( بحدة تتصاعد تدريجياً .. ) ..
انتظرتُ
يوماً .. يومان.. ثلاثة.. أربعة.. أربعون.. أربعمائة.. أربعة آلاف..
انتظرت .. انتهت السنة الأولى والثانية والثالثة ولم تجلب لي النافذة سوى
الريح والفراغ .. تسللت الريح إلى أذني.. والفراغ إلى قلبي..
ـ تقترب
من المنضدة حيث الرسائل.. ترفع رزمة فتتناثر .. تواصل :
المرأة
وتهاوت
الرسائل بين أناملي .. أقرأ بينها اسمك لكنني لا أراك .. نقودك التي
بعثتها لا أريدها.. ها هي ذي مكدسة منذ ثلاثين سنة.. مخبئة في حقيبتك
الرثة... ما الذي أفعله بهذه النقود؟.. مجرد أوراق باردة ذابلة .. كأوراق
رسائلك تماماً.. لم تعدك رسائلك إليّ .. ولن تعيدك نقودك .. أشعر
بالفقدان ..
ـ تقترب
من الجدار لتلامس اسم حاتم المكتوب عليه فتمرر يدها مع الحوار على الجدار
حيث بدا الاسم مكرراً .. تواصل :
المرأة
هل تدرك أن
الفقدان مرير؟ .. هل لامس طعم المرارة اللاذع لسانك؟ .. هل ستحاسبني لأني
نسيت ملامحك؟ .. الفقدان أنسانيها يا حاتم؟ .. حاولت أن أتشبث بها حتى
آخر صرخة عطب في ذاكرتي.. لكني فشلت .. أعترف بذلك ..
ـ تحمل
إطاراً فارغاً تدور به مؤطراً وجهها .. تواصل :
المرأة
لماذا لم
ترسل أية صورة أرى فيها ملامحك .. ربما تمر أطيافاً قلقة في ذاكرتي
المحتضرة .. ملامح شاب في العشرين .. كنتَ كذلك قبل ثلاثين سنة.. انك
الآن في الخمسين .. كيف ستبدو ؟ ..
ـ تتجه
إلى المرآة الكبيرة.. تنظر إلى وجهها بتركيز.. تلامس عينيها بأناملها
أثناء الحوار .. تحدث صورتها في المرآة وكأنها المعنية بالخطاب .. تواصل
:
المرأة
عبثت
السنون بعيني.. فماذا فعلت الثلاثون سنة بعينيك؟ .. بوجهك.. أما زال جسدك
مستقيماً كسنديانة .. أم انحنى لثقل السنين .. أتراني سأعرفك إن عدت ؟ ..
ـ تحتضن
القميص بحرج وأسى وتبرير.. تواصل :
المرأة
أوه .. كم
هو مخجل أن تعود ولا أعرفك؟ .. ربما جئت ذات يوم ووقفت أمامي فلم أعرفك
فعدت إلى منفاك منكسراً.. ربما حدث ذلك.. من يدري؟ .. أعرف فيك نفساً
كريمة يؤلمها أن لا أعرفك وأنا ..
ـ تقترب
محتضنة القميص إلى المرآة التي تنظر إليها .. تواصل :
المرأة
أنا..
زوجتك التي انتظرتك ثلاثين سنة.. ثلاثون سنة ليست قليلة يا حاتم.. لذا..
إن كان ذلك قد حدث فاعذرني.. ثلاثون سنة تغيرت فيها حتى عيناي اللتان لم
تشبعا من صورتك.. لم تشبعا من ملامحك كي تتجذر في داخلي ..
ـ تقترب
المرأة من باب الغرفة وتحرك القميص ليبدو كرجل يدخل الغرفة.. يجلس على
السرير.. تحاذيه.. لكنها مطرقة خجولة لا تنظر إليه.. تواصل:
المرأة
كنت أمامي
وكنت أطرق حين أراك.. تدخل إلى غرفتي.. غرفتنا.. فأغمض عيني حتى تطفئ
الضوء.. لا لشئ إلاّ لأني لا أستطيع أن أنظر إليك.. كنت أخشاك.. أهابك..
أحبك.. أحبك لدرجة لم أكن قادرة على النظر إليك .. حاتم..
ـ تذكر
الاسم برقة.. لكنها كمن يتذكر حقيقة مرة.. تصرخ بالاسم بعصبية مُرّة
وتنهض لتحاول محو أحد الأسماء على الجدار.. تواصل:
المرأة
حاتم...
حاتم... حاولت أن أمسك بهلام ملامحك.. فكنتُ كَمَنْ يمسكُ بكفهِ ماءً
..لذا
ـ تكف
عن محاولة محو الاسم الذي لم يمّح.. تتلمس الأسماء ممررة كفها عليها
وتتحرك كأنها مبحرة في سفينة.. تواصل:
المرأة
كتبتُ
اسمكَ على الجدرانِ ليُبحِرَ دائماً في عينيّ .. اسمكَ فقط هو ما أملك..
كتبته صغيراً وكبيراً على كل الجدران.. أراه حين أصحو وحين أرقد.. أنىّ
أدرتُ وجهي يبدو لي اسمك أشرعة تمخرُ بي في بحر أشعر انه سيجلبك لي أو
يأخذني إليك.. اسمك أشرعتي..
ـ تشعر
بالإعياء.. تمسك وجهها.. تحتضن جسدها.. تتهاوى.. تواصل:
المرأة
لكني لم
أدرك أن القارب كان مثقوباً.. الماء يغرقُ في الماء.. وأنا أغرق في
ذاتي..
الحياة خالية من كل أمل.. نحن على قيد على الحياة.. أهذا هو الأمل؟..
ـ
تنهض.. تتقدم إلى مقدمة المسرح.. تواجه العمق ـ المشاهدين ـ تحدث أفقاً
مفترضاً.. تواصل :
المرأة
ما الذي
يشدنا إلى الحياة، هل هي الرغبة؟.. ما الذي يجعلنا نستسيغ الحياة؟..
نحتملها.. رغم مرارتها اللاذعة.. هل لأن هناك ثمة أمل؟.. أم هو انتظار أن
يتحقق شئ نريده.. ما الذي نريده؟ .. نريد أشياء كثيرة، ما الذي يتحقق
منها؟.. اليسير.. معادلة غير متكافئة.. هل تراها مبررة لأن نتفاءل؟..
أليس محزناً أن أولد لكي أموت.. وبينهما لا شئ سوى الفراغ.. أنت من منحني
ذلك.. حاتم.. أتراك الآن تشعر بما أشعر؟.. متعب وحزين.. ما ألعن الإحساس
باللا جدوى.. لماذا نعمل؟.. لماذا نعيش؟.. لا فائدة ترجى من شئ.. الوجه
الجميل يتغضن.. المشاعر الرقيقة تتفتت.. حتى الألوان البراقة ، ما إن تمر
عليها السنوات حتى تبلى، تكلح، البقاء إذن للكالح، الله.. أية تعاسة؟..
نولد صغاراً براقين، نكبر، يخبو البريق.. نكبر، يتلاشى البريق.. نكبر،
نكلح، نزداد دكونة، نكبر.. نعتم.. العتمة يا حاتم .. نحن والعتمة سواء ..
ـ تنبعث
موسيقى غربية مرحة.. تبتسم المرأة.. تنتبه.. تنظر إلى الخلف حيث الغرفة..
تسرع برفع قطعة قماش تلفها حول جسدها فتبدو كعارضات الأزياء.. تسير
بميوعة.. وحسب مقتضيات الحوار تقدمه كغانية أجنبية مرة وبشخصيتها
الحقيقية مرة أخرى في توافق.. تواصل :
المرأة
هاي...هاي
هاتم.. إنهن مغريات يا حاتم.. دو يو وونت أدانس؟.. هل أنستك لغة العيون
الزرق والشعر الأشقر أنّ هناك امرأة.. زوجة.. تنتظر قدومك؟.. آي لاف ذي
دانس .. دو يو؟.. لكن.. لن تجد بينهن من تحبك كما أحببتك.. وتخلص لك كما
أخلصت.. وتنتظرك ثلاثين سنة... أوه ماي لاف .. هاتم .. أوه ..
ـ ترمي
قطعة القماش التي لفت بها جسدها بانزعاج.. وتقترب نحو المنضدة التي تكدست
عليها الرسائل .. تواصل :
المرأة
هكذا يقلن
في الأفلام .. أراهن في التلفاز وأشعر بالغيرة .. مغريات.. لم أعد أعرف
إن كنت ستصمد أمام إغرائهن أم لا؟.. لم أعد أدرك إن كنتُ ما زلتُ عالقةً
في ذهنك أم لا؟ .. أتراني مجرد جيب ترسل إليه دولاراتك؟ .. صندوق بريد
ترسل إليه رسائلك لمجرد أن تشعر بأن هناك من ينتظرك.. أتجد لذة في ذلك؟
.. إن كانت ف¡ |