|
ميلر أكثر اصرارا على كشف النفس
البشرية
مريم جمعة فرج
وهو يقترب من
عامه الــ »85« لايزال ميلر دون اختلاف، وايا كان فإنه ليس بوسعه ان
يتصور مسرحا يستحق الاحترام دون ان يكون هدفه تغيير الواقع الاجتماعي.
وعلى هذا
النحو يتراءى لك ولع ميلر الشديد بمنهج المسرحي النرويجي الشهير »هنريك
ابسن« مؤسس الواقعية الاجتماعية الهادفة الى زيادة الوعي بالحياة، كما
يتراءى لك الكاتب المسرحي الامريكي الشهير ارثر ميلر وكأنه واحد من اولئك
الذين يولدون في كل مرة ثم يمضون في التعبير عن آرائهم بصلابة ويثيرون
التساؤلات ثم يغادرون تاركين وراءهم الاخرين دون شك او ارتياب بشأن
المكان الذي يضعون عليه ارجلهم.
احد الاسئلة
التي تراودك وانت تقرأ اعمال ميلر هي هل يعني عدم اختلاف ميلر ضعف
العلاقة بينه وبين الواقع؟ »يشعر بأنه طاعن في السن حتى انه لايوجد مكان
في العالم لم يشهد تغييرا في حكومته ولو لمرة واحدة منذ ولادته، كما
يعتقد ايضا بأن الحياة اليومية قد فقدت عذوبتها وان الناس مصابون بحالة
من القلق المرضي تقريبا وان العالم يسوده الجشع، ومع ذلك فهو يضحك كثيرا
في داخله، فمن يحاسب انسانا يضحك في داخله؟
هذا ما يقوله
»مستر بيترز« بطل مسرحية »علاقات مستر بيترز« وببلوغه الخامسة والثمانين
فان ميلر يظل اكثر اثارة للجدل، وتبدو صورته اكثر تناقضا من بيترز العجوز
ذي النزعة المادية الذي يتلذذ باضطهاد »كاتي مي« الانسانة الجميلة التي
تعاني من الكآبة وتفتقد الشعور بالامان لان في ذلك دفاعا عن فحولته.
ان ما يسلم به
ميلر هو ان تلك الحياة المأساوية وذلك السلوك الذي يبديه بطل مسرحيته
يشبه كثيرا السلوك الذي ابداه المجتمع تجاه زوجته الثانية »مارلين مونرو«
الممثلة الامريكية الشهيرة وهو ذاته السلوك الذي يقود الى مرحلة صعبة
وربما الى ما يطلق عليه اسم الهاوية.
ومع ان
الهاوية التي يشير اليها ميلر لاتبدو مظلمة على نحو مخيف الا انها تطرح
ومن جانب اخر وجهة نظره المتشككة حول مستقبل بلد كامريكا يعتقد بأن
سياسته تدار بواسطة اصحاب رؤوس الاموال عوضا عن اصحاب السياسة »اعتقد ان
البلاد ستتحول الى حالة الفوضى الحقيقية بمعناها الاكثر عمقا وهي تنجرف
باتجاه الهاوية ولا احد ثابت في مكانه البتة«
بالنسبة
للقارىء لايزال ميلر كما كان في سنة 1948 عندما عرفت لاول مرة مسرحيته
الشهيرة »موت بائع متجول« التي تصور مأساة »ويلي لومان« الانسان الذي ظل
يعطي حياته او يبيعها سعيا الى تحقيق الحلم الامريكي »النجاح« ليواجه في
النهاية وهو في سن الثالثة والستين بخيبة الامل المترتبة على فشله كأب
وكزوج.
كتب لارثر
ميلر ان يولد لعائلة ثرية »في نيويورك سنة 1915« تعرضت لهزة اقتصادية
عنيفة خلال الازمة التي شهدتها امريكا في سنة 1931 واضطر لممارسة العديد
من المهن البسيطة »عامل في كافتيريا او سائق شاحنة« الى جانب متابعة
دراسته في الاقتصاد والتاريخ في جامعة متشيجان وفي اثناء دراسته التحق
ميلر بحلقة للتدرب على كتابة المسرحية وفاز بالعديد من الجوائز المسرحية
الهامة، وبدأ ميلر بممارسة الكتابة الدرامية في سنة 1938 بعد تخرجه
مباشرة وعرضت اولى اعماله المسرحية »الرجل الذي كتب له النجاح« سنة 1944
وهو عمل لم يصادف نجاحا حقيقيا على مسارح برودواي وتلتها مسرحية »كلهم
ابنائي« سنة 1947 التي لقيت نجاحا كبيرا اهله للحصول على »جائزة نيويورك
للنقد المسرحي« اما »موت بائع متجول« سنة 1949 و »البوتقة« سنة 1953 فقد
برز ميلر من خلالها كأحد اهم كتاب المسرح الكلاسيكي الحديث.
وعودة الى
فلسفة ميلر الشخصية المرتبطة بصراعه الطويل مع قيم المجتمع الرأسمالي فإن
المجتمع الامريكي لايزال يبدو وكأنه ميدان لمنازلة الاسد على نحو يومي
اما ان تقتل الاسد او يلتهمك وهناك قلق اينما ذهبت والناس ينتقلون من
شعور الى اخر بالاهتياج حتى ان المهمة الاساسية للحضارة الغربية تبدو
وكأنها في حالة انتقال الى مكان اخر.
كان ميلر قد
مر بتجربة صعبة في حياته عندما تراءت له اعداد العاطلين عن العمل
والمهمشين الذين يلفظهم المجتمع وهم في قمة نشاطهم بسبب وصولهم الى
الخمسينيات من اعمارهم فلا يجد الفرد مايفعله من اجل الاستمرار وهو يزحف
نحو سن متقدمة اكثر فاكثر. هذه الجوانب الانسانية تستمر في »علاقات مستر
بيترز« واحد من اخر اعماله، فهو عمل يسعى الى مخاطبته روح العصر بذكاء
شديد وعضوية.
وعلى الرغم من
ان مستر بيترز ليس هو ميلر على نحو دقيق الا ان الهدف من ذلك هو »تقديم
تقرير عن حياة ميلر«.
وسواء كان
نموذجا من طراز مستر بيترز العمل الذي لم يحالفه الحظ منذ ثلاث سنوات الا
على مسرح متواضع في برودوي او»موت بائع متجول« او »البوتقة« سنة 1956 فإن
الكثيرين ممن عايشوا تجربة ميلر في بداياتها ومنهم المؤلف نفسه لا
يتوقعون لها النجومية لاسباب عديدة منها ما يتعلق بالذوق الامريكي العام
حيث لايمكن لها ان تثير الشعور بالبهجة او التفاؤل مما يتعذر معه
الاستمتاع بعروض مثل »البوتقة« و»موت بائع متجول« حيث تزامنتا مع »المكارثية«
النزعة السياسية التي اتسمت باصطناع العنف في مقاومة العناصر التي كانت
تعتبرها الدولة هدامة سواء كانوا اشخاصا او مؤسسات، وعلى الرغم من ذلك
فقد حققا نجاحا في سنة 1953.
وما يسلم به
ميلر اخيرا هو ان العمل المسرحي قد تحول بدوره الى سلعة كما تحول كتاب
المسرح الى موظفين يعملون في المسارح وحتى مخرجين لم تعد تراودهم الرغبة
في تبني المواهب والنهوض بالفن »المعيار الوحيد للنجاح هو ما اذا كان
الانسان قادرا على تحقيق الثروة المادية« وبينما تشهد بقية القيم تراجعا
كبيرا فان ارثر ميلر لايزال مؤمنا بأن على العمل المسرحي ان ينقض بشكل او
باخر على الاشياء التي تفتقر الى المعنى وان عليه ان يهز الانسان ويبعث
فيه الشعور القوي بالحياة.
والواقع ان الرغبة في التوقف عن الكتابة لا تساور ميلر على الاطلاق
ومازال امامه الوقت لكي يخلق وهما يعبر فيه عما يريد ان يقوله عن النفس
البشرية: »املك الرغبة في اكتشاف هذه الآلة المجنونة التي نتصل بها.. كيف
تعمل؟
|