السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  6- 9- 2004

بعد خمس سنوات على رحيله

وصايا علي الراعي آخر الحرس القديم

 

مضت خمس سنوات على رحيل الناقد وعاشق المسرح وآخر الحرس القديم د. علي الراعي، ومع ذلك مازال الرجل حيا بيننا، بل وصدر كتاب جديد له منذ أسابيع قليلة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في القاهرة عنوانه بين الأدب والسياسة.

ومنذ رحيله في أوائل عام 1999 اهتمت أسرته بالحفاظ على تراثه وعكفت على لملمته من جريدة الأهرام ومجلة المصور -وهما المطبوعتان اللتان كان يكتب فيهما الراحل الكبير- وصدر بعد رحيله كتابان الأول عن الرواية والثاني عن القصة القصيرة، وها هو كتابه الثالث بين الأدب والسياسة الذي يضم عددا كبيرا من مقالاته ودراساته المنشورة منذ عام ،1982 وحتى قبل رحيله مباشرة عام 1999.

وإذا كان علي الراعي قد أصدر عددا من الأعمال النقدية القيمة في الرواية والقصة القصيرة، إلا أن عشقه الأول والأكبر كان المسرح، وقد بلغ عدد مؤلفاته في المسرح 12 كتابا، فضلا عن ترجماته لعدد كبير من المسرحيات لتشيخوف وأبسن وبريخت وغيرهم.

بدأ عشقه للمسرح مبكرا جدا، حين شاهد في طفولته ومن شرفة حجرته في مدينة الإسماعيلية الساحلية ملصقا عن فيلم ليوسف وهبي مأخوذ عن مسرحية شهيرة له، كانت الألوان الصارخة للملصق هي ما جذب انتباهه، ولم يهدأ -كما يروي في كتابه هموم المسرح وهمومي- قبل أن يدبر ثمن تذكرة السينما ويشاهد الفيلم.

وحين التحق بالتعليم الثانوي انتقل إلى القاهرة ليشاهد المسرح للمرة الأولى وليس مجرد فيلم معد عن مسرحية، ثم التحق بكلية الآداب في جامعة القاهرة دارسا للأدب الإنجليزي، وعمل بعد تخرجه مذيعا ومخرجا في الإذاعة المصرية حتى جاءته منحة من جامعة برمنجهام في إنجلترا لدراسة المسرح، ومن حسن الحظ أن علامة المسرح والبروفيسور الشهير الاردايس نيكولا، كان من بين أساتذته بل وكان أحد أعضاء لجنة المناقشة التي منحته درجة الدكتوراه عن مسرح برناردشو.

وعندما عاد من بعثته شارك يحيى حقي في تأسيس مصلحة الفنون التي حملت عبء تحقيق الثورة في الفنون، وليس على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي فقط، ومن جانبه اسهم الراعي في إنشاء أول فرقة للرقص الشعبي كما أنشأ عددا من الفرق الموسيقية ثم تولى مسؤولية مؤسسة المسرح سبع سنوات منذ عام 1957.

في السبعينات تلقى دعوة من الكويت لزيارة معهد المسرح الذي كان زكي طليمات قد أسسه هناك، وقضى الراعي في الكويت تسع سنوات متصلة، حيث قام بتطوير معهد المسرح وتحويله من معهد يماثل المرحلة الثانوية إلى معهد عال يماثل الكليات الجامعية، وبجهوده أقيم أول مؤتمر للمسرح العربي هناك، كما شارك بنصيب وافر في العمل الثقافي من خلال التلفزيون والصحافة في الخليج.

وعاد إلى مصر بعدما أدى دوره كعربي ورجل مسرح في الخليج، وواصل عمله النقدي الفكري، وكتب جداريته الكبرى: المسرح في الوطن العربي الذي يعد أهم الوثائق التاريخية للمسرح في الوطن العربي، كما واصل الكتابة في الصحافة مكتشفا عددا واسعا من الكتاب الذين كانوا ينشرون أعمالهم القصصية والروائية للمرة الأولى.

لعل هذه السطور كانت ضرورية للتذكير بالراحل الكبير والدور الذي لعبه، أما كتابه الصادر أخيرا بين الأدب والسياسة فتختتم مقدمته التي كتبتها ابنته ليلى الراعي بالكلمات التالية: في يوم زفافي أهداني أبي لوحتين تشكيليتين للفنان القدير صلاح طاهر.. وكان يعتز بهما كثيرا.. لوحتين لفلاحتين مصريتين بملامحهما وملابسهما المصرية الشعبية البسيطة.. وكأنه أراد أن يهمس لي قائلا: لا تنسي هويتك.. الآن أشعر بالامتنان والوفاء تجاهه: قلم نزيه شريف وقامة طويلة عظيمة وقلب مفعم بالحب والحنان.

تنوعت مقالات الراحل الكبير بين السياسة، ومواقف وشخصيات، والأدب والمسرح. وعلى الرغم من أن جميع المقالات نشرت في الإهرام والمصور، وبالتالي كانت تعنى بالشؤون اليومية إلا أنها تكتسب اليوم قيمتها الحقيقة، فهي مازالت قادرة على إثارة النقاش والجدل العميق.

ففي القسم الذي تضمن مقالات السياسية نقرأ مقالا منشورا عام 1996 تحت عنوان في ذكرى عبد الناصر.. حين نكس قنصل أمريكا في القدس المحتلة علم بلاده ما يبدو وكأنه مكتوب اليوم: وقد حلت ثورة يوليو هذا التناقض الظاهري ببساطة وإخلاص. قالت إن مصر دولة عربية ومصرية في آن واحد، وبهذا قطعت الطريق على تطرف المتطرفين في كل مكان، وبعضهم كان يقول إن مصر مصرية وافريقية وحسب، وشهادة الحضارة الفرعونية التي كانت لها، والتي لا تشاركها فيها أية دولة عربية، فضلا عن أن اقتصادها وتركيب مجتمعها مختلفان عن اقتصاد الدول العربية.

ويضيف الراعي: ودعوة مصر إلى الاكتفاء بذاتها المصرية قد كانت مطلبا من مطالب الاستعمار منذ عهد محمد علي وحتى عبد الناصر، وفيما يخص ثورة يوليو كان القصد منها إغراء ثورة يوليو على التخلي عن بلاد مجاهدة مثل كينيا واليمن والجزائر والكونغو، وكلها كانت تئن تحت سيطرة نظم شديدة الرجعية، تستند إلى سلطة الاستعمار الغاشم والى نظم قبلية موغلة في التأخر وهي كلها -بلا استثناء - قد استنجدت بثورة مصر طالبة العون المادي والمعنوي فلم تبخل به مصر أبدا.

وفي الأسبوع التالي أرسلت له إحدى القارئات رسالة حول مقاله وأقتطف الفقرة التالية التي كتبها في معرض إجابته على رسالتها التي تبدو وكأنها مكتوبة اليوم:

إننا نواجه اليوم بعدو لا حدود لطموحاته ربّته الإمبريالية الأمريكية في حضنها واعترفت به منذ الدقائق الأولى لإعلان قيام دولة إسرائيل، ثم اخذ هذا العدو يكبر ويتوحش ويتحدى أمريكا ذاتها.. فقد أعلن نتنياهو مؤخرا أن إسرائيل قادرة على الانفصال عن ربيبتها وأنها تستطيع أن تعيش بجهودها الذاتية، وليس هذا الموقف المتفاخر بجديد على كل حال، فمن قبل نتنياهو قال مناحم بيجين محتجا على بعض تصرفات أمريكا مع إسرائيل (نحن لسنا من جمهوريات الموز) يقصد أن إسرائيل ليست مثل جمهوريات أمريكا اللاتينية التي تزرع الموز وتعيش بفضل تعاملها مع الولايات المتحدة تعامل السيد والمسود طبعا ويضيف: والشيء بالشيء يذكر فقد قال بيجين هذا مشيرا إلى أمة العرب (هذه أمة مرشحة للإبادة).

وتتتابع مقالات الراعي، فهو يتذكر احمد بهاء الدين وتوفيق الحكيم، ويحيى حقي، وفي الأدب يدافع عن الهوية العربية في الوقت الذي يطالب فيه بمطبوعات ثقافية جادة، ويقف ضد قهر الإنسان العربي.. وغيرها من المقالات التي تبدو وكأنها مكتوبة اليوم، ويبدو أننا سنظل نصرخ حول القضايا والمطالب والمشكلات ذاتها قبل الراعي وبعده.