السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  2- 8- 2004

قصائد ممسرحة

جدلية الأرض والجسد

أمجد ياسين

a-alnasayir@maktoob.com

ضمن مهرجان حضارة وادي الرافدين الذي أقامته مؤسسة أكد للثقافة والفنون والنشر بالتعاون مع متحف  العالم في روتردام قدمت قصائد سومرية ممسرحة على قاعة مسرح المتحف. اعد القصائد الشاعر صلاح حسن وأخرجها مسرحيا الفنان كاميران رءوف. وكلا الفنانين معروف للجمهور العراقي صلاح بشعره وكاميران بفنه. ولذا فالنجاح مسبقا يسجل لصالح العمل لاسيما وان الفنانين  أحمد شرجي وكاميران رءوف وسيروان جمال والشعراء صلاح حسن وبلقيس حميد قد أدوا العمل بروحية عراقية متألقة أعادت إلينا ذلك الحماس العراقي عندما يحبون عملا يشعرون أنهم يقدمونه دون مقابل.

تتحدث القصائد التي شاهدنا تمثيلا لها عن علاقتين مهمتين هما: الأرض والجسد.  الأرض بكل ما تعينه طاقتها في الخير وفي الشر، الخصب إلى جوار القحط، والماء العذبة إلى جوار ماء البحار، والهدوء بمقابل الطوفان وهكذا فرمزية الأرض  تعطينا طاقة من التأمل الشعري. أما رمزية الجسد، فعني به هنا المرأة وما يمتلكه جسدها من إغراء وثراء وخصب ونمو وتدمير أيضا. كلا من الأرض والجسد يمثلان البلاد التي تدور فيها الصراعات بين بشر يحرثون وآلهة يدمرون.  وفي حوار يمتلك روحية التراث حيث الإيقاع والمباشرة وتكرار الزمن تسمى البلاد بـ " أوروك" التي يدور عليها وفيها صراع الأرض والجسد، لتتحول أوروك القديمة إلى العراق المعاصر، فأوروك القديمة بكل ما تملك من أرث وثقافة راسخة في وجدان العالم هي العراق الحاضر الذي يمد عينه للماضي ليستعيد جزء من تاريخه الذي طمس في فترة الحكم الفاشي العراقي. وما الحروب التي قامت في أوروك وغيرها ما هي إلا الحروب التي قامت في العراق المعاصر أيضاً وبدون أي قصدية معينة من المعد أو المخرج جاءت المسرحية وكأنها تتحدث عن عراق اليوم. في مثل هذا الإطار العام نجد الصراع بين الفلاح والراعي على إنانا يكتسب صيغة مطلقة فيختلط فيه الصراع على الأرض مع الصراع على الجسد، فينمو الحب والشعر وينمو أيضا التدمير  لينتهي بطوفان يكتسح الأرض والجسد.

ضمن هذا السياق لا نطرح مفهوما خارجيا على نص أريد له في بادئ الأمر أن يكون مجرد قراءات لقصائد من أدب الرافدين القديم تقدم ضمن مهرجان عن حضارة عريقة لكن المخرج والممثلين أرادوا أن يقدموا القصائد بطاقة التمثيل الشعري واعني أن يقرءوا القصائد ممثلة وكأنها تتلى في حضرة بلاد ما تزال تعاني من الصراع بين أن يكون الراعي عاشقا لأنانا وبين أن يكون الفلاح عاشقا للأرض وإنانا معاً . فالصراع الذي قصده العرض المسرحي هو بين إنسان يعيش على الأرض ويملك الأهراء والماعز والصوف واللبن والجبن ليقدمها عربونا لحبه لإنانا، وبين إله يستغل وجوده من أجل أن يسلب الفلاحين  والرعاة غنمهم وصوفهم وجبنهم وحياتهم وأنانا أيضاً.أما أنانا نفسها الإله الجميلة التي تتمرئ أمامنا كأنثى تمتلك طاقة التجديد والديمومة تجد نفسها في صراع بين اثنين: رغبتها العارمة بالزواج من الأرض " الفلاح" التي تعيش فوقها مشفوعة برغبة عارمة أخرى للتقرب من الفلاح وكأنه إله غائر في ذات الأرض الرافدينية. فنجدها في المشهد تتلوى وتتمرغ في وهج عاصفة من الدمار الروحي والمادي، تجابه صراعا ذاتيا وقوى غاشمة كائنة في السماء ممثلة بانليل الذي يدعو للطوفان، فأنانا هي ذلك الكيان الأرضي الذي يفنى في من يحب دون أن تجد للموت لغة غير ذلك. في حين يبرز إنليل الإله المستبد وكأنه يملك كل شيء: البشر والأرض والجسد كمضاد ليس للفلاح وللراعي  وأنانا فقط بل للطاقة الكونية التي تديم الأرض وتبقيها مانحة للخير فيقرر إرسال قواه لتدميرها وفي غمرة هذيانه الشعري  يرسل طوفانه على الأرض لا لسبب إنما ليشبع رغباته بالتدمير. لكن مسار الأحداث يغير من سفينة النص فيسوقنا المخرج إلى الاختزال والوقوع في دائرة القول الشعري فنفقد الخيط الدارمي الذي لو دقق المخرج فيه طويلا لأحال الصراع بين قوى الخير والشر إلى دراما معاصرة ليظهر لنا إله الحرب وهو يقود مصير بلاد الرافدين إلى الطوفان، وكان النص يحاكي ما جرى على أرض العراق في السنوات الخمس والثلاثين الماضية.  لان النص أساسا ليس نصا مركبا كمسرحية بل هو مجموعة قصائد متفرقة ومرة أخرى نجد أنانا وهي تستنجد بذاكرتها وثقافتها وأنوثتها وجسدها الذي يتحول إلى رمز ارضي له لغة المباشرة في الحديث تستدعي الشاعر ليهجو المدينة التي يحكمها ويستبد بها الطغيان، فالشاعر الرمز في الثقافة السومرية هو الصوت الأكثر وضوحا، أنه جزء من الآلهة وقد وضع على نغم قيثار أو فم نص أو نغمة طائرة في سماء القرى. لذلك نجد الشاعر وهو يهجو ينقد السلطان ويدين الحاكم ويشير بإصبع الاتهام للأخطاء وأفعال التدمير. كل ذلك ليمهد النص لإنليل لأن يغرق مياه الطوفان السوداء  كجزء من هيمنة كونية عمياء على مصير البشر فيدمر هو الآخر بفعلته كل قوى الخير لتنتهي القصائد بانتصار الأرض بمركب يحمل ما تبقى من أحياء على الرغبات المدمرة والحب على الاغتصاب والعمل على الغيب والحياة على الأرض على الحياة في السماء.

قد يكون النص الشعري عندما يترجم يتحول إلى نص يحمل الشعرية فلا يجوز والحال هذه أن يعامل كنص شعري وهذا ما جعل التمثيل يتراوح في الأداء بين القراءة الشعرية والقول النثري. وقد تكون المساهمة من الممثلين الشعراء هي الدافع  الأساس للمشاركة في مهرجان كانت قضيته الكبرى هي خطاب  الثقافة العراقية الذي يوازي لو أجدنا التعامل معه الخطاب السياسي ، فما يسمع عن العراق اليوم هو التدمير والتفجيرات في حين أننا نحن المغتربين نستطيع أن نغير من الخطاب المعلن عندما نعيد إنتاج ثقافتنا القديمة بروحية المقاومة للخطاب التدميري الشائع وعلى كل مثقف اينما يكون وكيفما يكون لا ينتظر من مؤسسات الثقافة العراقية الحالية أن تغطي كل توجهاته الداخلية والخارجية فهم مشغولون بما هو أهم من الخطاب المباشر ولذالك على كل مثقف شريف تقع مهمة توجيه الرأي العام لصالح العراق المستقبلي وهذا هو الذي دفع عدد من المثقفين العراقيين في هولندا لإقامة مثل هذا المهرجان الذي شارك فيه أكثر من أربعين مثقفا عراقيا. وقد قال الناقد ياسين النصير في كلمة الافتتاح أننا  نقوم بواجب نحو بلدنا دون أن نكون دعاة لجهة أو لفئة.

 النص الشعري الذي أعده الشاعر صلاح حسن لم يكن مهيأ  كما أشرت لأن يكون مسرحية لكن المخرج كاميران رءوف بما عرف عنه من جدية حول منطلقات النص الشعري إلى بنية تمتلك بعض خصائص الدراما ووجد أن الفنان المتميز احمد شرجي وبلقيس حميد حسن الشاعرة وصلاح حسن الشاعر لهم قدرة أدائية على تحويل اللغة المنطوقة إلى فعل وصراع وهذا ما جعل النص يأخذ مسار المسرحية دون أن يكون مسرحية بالمعنى الذي نعرف عن بنيتها وخصائصها.

لا شك أننا نقدر مثل هذا الجهد وفي الوقت نفسه لا نملك إلا أن نقول أن العرض الناجح كان يعوزه الكثير ومن هذا الكثير هو الخيط الدرامي الذي بدا لنا في أول العرض كصراع بين الفلاح الذي يقدم أرضه ولبنه وصوفه وجبنه كي يتزوج أنانا وبين االراعي وسلطة إنليل الذي يستغل الأرض ليقدم أحسن كما يقول مما يقدمه الفلاح للزواج من أنانا. في حين أن انانا نفسها ترفض الزواج بمن يستغلون الجسد فقط، فاهتمام الفلاح بالأرض هو اهتمام بالخصب والأنثى موطن الخصب أيضا.

في تاريخ العمل المسرحي في خارج  العراق نجد أنفسنا ونحن نتابع العروض القليلة إن الفنان العراقي هو الأكثر حضورا في هذا الميدان وهذا ما شهدناه في هذا العرض الفني من متابعة من قبل الجمهور الهولندي قبل الجمهور العراقي. .

في هذا العرض الجميل والمقتصد لغة وزمنا " 30 دقيقة"  وجدنا أن: البطولة ليست للنص ولا للجمهور بل لأداء الشعراء والفنانين وللفعل المشارك، البطولة للرغبة في القول، البطولة في أن تكون المشاركة حسا وطنيا بمهرجان أريد أن يكون صوتا للعراقيين عن محن بلدهم. لذا فهو خطابهم وقد قدموه مشكورين دون أي مقابل يكافئ جهدهم الكبير

الجمهور الذي ملأ القاعة كان متابعا منصتا ليس للأداء ولا للغة العربية فقط، بل للفعل وللإخراج وللديكور الذي صممه الفنان سيروان جمال بشاعرية أخاذة هذا الجمهور وهو يتابع لمدة ثلاثة أيام فعاليات المهرجان وجد خيطا مهما يربط بين العرض المسرحي والمحاضرات الأربع عن حضارة وادي الرافدين ومعرض تاريخ الكتابة السومرية وبوابة عشتار التي احتلت مساحة كبيرة من قاعة المتحف والمعرض الفني والتشكيلي الذي هيمن على متابعات الصحف والإذاعات الهولندية المحلية. هذا الجو المترابط هو الذي غذى ذائقة الجمهور بفن وعرض جميلين كان الفنان احمد شرجي متألقا إلى الحد الذي بدا وكأنه يتعامل مع نص متكامل وظهرت الشاعرة بلقيس وكأنها تقرأ شعرا بأداء ممسرح في حين أن الشاعر صلاح حسن عاد ثانية لتاريخه الشخصي تلميذا في أكاديمية الفنون وهو يتابع ويجسد خبراته الدفينة اما العازف ستار الساعدي الذي رافق النص بنايه الشجي وإيقاعاته المعبرة فقد قال هو الآخر كلمته في العرض.

بقي أن نذكر أن الجمهور الذي ملأ صالة العرض ولم يسمح لمن تأخر الدخول وهم كثيرون كان معظمه هولنديا وتابع العرض من خلال ترجمة الأديب أحمد الركابي للنص بالهولندية والتي وزعت على الجمهور.