|
جان جينيه المشرد
الذي صنع من الأمة إبداعا رفيعا
ليث
فائز الأيوبي
جان جينيه ... الكاتب الغامض والملعون في الادب الفرنسي، ذلك اللص العنيد
المتشرد .. الذي ملأت فضائحة اسماع الناس طالما تساءل مع نفسه .. لماذا
قذف به الي هذا العالم الموبوء لقيطاً .. رغم انفه، اثر نزوة عابرة؟
(القديس جان حينيه) كما كان يحلو لسارتران يسميه.. كان ثملا بخمر التشرد
والفاقه والعوز، سعي جاهدا لرد الصاع صاعين.. بسبب ما تلقاه من اهانات
عميقة طيلة حياته منذ ان كان طفلا لقيطا متروكا لرعاية الجمعيات الخيرية
بعد ان هجرته امه.. تبنته احدي العوائل الفلاحية، التي سرعان ما اتهمته
بالسرقة، واودعته اصلاحية الاحداث .. ليتجرع هناك قساوة اليتم بمعناه
الحقيقي .. وليعرف معني الحرية المفقودة ومعني ان يشير اليه الاخرون..
الذين سماهم سارتر بالجحيم.. علي انه افاق ولص محترف .. عاش في البيوت
المشبوهة، مشردا بين هذه الغرف المهملة وذلك الزقاق المهجور وتلك الحانة
عاش في ذلك العالم السفلي .. عالم الجناة والمختلسين والشذاذ والقتله
والمجرمين واصحاب السوابق وقطاع الطرق واللصوص والنشالين وكل الحثالة
التي تسكن في دهاليز باريس المظلمة ومن ذلك المكان المرعب .. المجنون
الذي تقطنه شياطين الانس والجن، خرج جان جينيه باعماله الادبية الرفيعة.
ازمة وجود الكاتب
لقد جعله وضعه الملتبس كونه ابناً غير شرعي وسط ابناء شرعيين ان ينحاز
الي الجريمة في مجتمع خاضع للقوانين وهكذا اختار طريق الشر والجريمة
مصحوبا بمشاعر شهوانية حاول من خلالها ان يجعل من الحرية ومن السوقية ومن
الرجس شيئا انيقا غنائيا شاعريا ، وراقت له فكرة قلب النظام المستتب
والبحث عن هوية نفسه البطولة عن طريق اللااخلاق والمنفي والمعارضة التامه
لكل ما هو مالوف ومتفق عليه.
وادراك بسرعة انه لن يقدر ان يكون اكثر من متشرد اولص .. لص سيئ
بالتأكيد، وكان هذا نجاحه الوحيد في عالم المجتمع فلم يرق له ان يكون
مفتش باصات مثلا او مساعد جزار او شيئا من هذا القبيل، لان هذا النوع من
النجاح كان يثير قرفه علي حد وصفه ((اعتقد بانني مذ كنت صغيرا جدا، دربت
نفسي علي امتلاك احاسيس لايمكن ان تؤدي بي الا الي الكتابة .. اذا كانت
الكتابة تعني امتلاك احاسيس او مشاعر من القوة بحيث ترسم حياتك.. نعم في
سجن الاحداث بدأت الكتابة تستهويني .. وكنت مقتنعا باني لن اخرج من السجن)).
وفي الخامسة والثلاثين كان قد استنفذ بشكل ما ذلك السحر الغرامي للسجون
((كنت احب الظل دائما.. حتي حين كنت صبياً.. فانني ربما اكون احببته الي
حد الذهاب من تلقاء نفسي وبكامل ارادتي الي السجن .. مع ذلك لااستطيع
القول باني قد ارتكبت السرقات كي اذهب الي السجن، فمن المؤكد بانني قد
ارتكبتها كي اكل..)).
يوميات لص
ذاق مرارة التشرد في ازقة باريس الخلفية المعتمه وحواريها الضيقة التي لم
تكن تتسع لا لاحلامه ولا لاقدامه، وللموهومين من امثاله، حاول ان يكون
جديرا باحتقار العالم له حين انغمس في الرذيلة وعاشر الخادمات والعاهرات
واللصوص والمنحرفين يقول في رد يوميات لص)): لما كنت مهجورا من اسرتي ..
فقد شعرت باني من الطبيعي ان اعمل علي تفاقم هذه الحالة بتفضيل الصبية،
وعلي تفاقم هذا بتفضيل السرقة وعلي تفاقم السرقة بتفضيل الجريمة، وبذلك
تنكرت لعالم تنكرلي .. لقد اثرت العودة الي الحياة البدائية بالسير في
درب طويل، واول ما انا في حاجة اليه هو ان يلعنني جنسي...)).
وما ان يخرج من اصلاحية الاحداث حتي يتغمس في الحياة البوهيمية لصا
منبوذا شاذا ادين اكثر من عشر مرات في جرائم سرقة ولم يفلت من عقوبة
السجن المؤبد الا بعد عريضة استرحام قدمها رجال الفكر والفن الفرنسيون ..
وكان جان كوكتو يقول بعد اطلاق سراحه ((عاجلا ام اجلا سيعترف العالم بان
جان جينيه كان اخلاقيا..)).
جينيه شاهد علي المأساة الفلسطينية
وبسبب المأسي التي لاقاها جان جينيه في حياته، لم يكن يتواني عن المشاركة
في اية تظاهرة تدعو للحرية والعدالة الاجتماعية حيث وقف الي جانب كافة
الحركات التحررية التي نادت لمناهضة كل شكل من اشكال الظلم والعبودية
والاضطهاد بما فيها القضية الفلسطينية .. حيث امضي عامين كاملين في ضيافة
الفدائيين الفلسطينيين منعزلا تماما عن اوربا التي وصفها اثناء تواجده
بين اولئك المقاتلين ((ان اوربا بكاملها صارت لاتزن لدي اكثر من خنصر
اصغر فدائي)).
كانت تجربة فريدة عايش فيها سكان المخيمات ونقل شهادات حية وفاجعة لم تكن
لتظهر لولا هذا القلم الجريئ الذي غامر بدخول مخيمات صبرا وشاتيلا بعد
ساعات معدودة من وقوع المجزرة، رافضا رفضا باتا الاحتماء بالسفارة
الفرنسية في بيروت.انطلق جان جينيه من مأساة حياته الي مأساة الاخرين
ليكون من هذه المأسي ينبوعا لاينضب لمسرحه مسلطا الضوء علي مجريات الحياة
في العالم وقضاياه المماثلة امام كل كاتب جاد يريد ان يربط مصيره بمصير
العالم.
جينيه في اخر سنواته
كان يشعر بما يشعر يعتمل في جوانح الجزائريين ولم يعد يلتزم المواقف
التزاما انيا، علي حساب الظروف والاحوال، بل هو يأخذ القضية الانسانية
مأخذا جادا ويتلمس في حلها حلا لمعضلته بالذات، بصفته انسانا له معضله
تتطلب حلا تماما حي الحال مع معضلات القضية الانسانية بصورة عامة.
كتب جان جينيه للمسرح كما كتب عدة روايات ومن مؤلفاته:
-
سيدة الورد 1944.
-
معجزة الوردة 1946.
-
يوميات لص 1949.
-
الخادمات 1947.
-
الشرفة 1956.
-الزنوج
1958.
-
الستائر 1961.
كان يراه البعض متوجدا كحيوان اسطوري)) خصوصا في سنواته الاخيرة يحب
العيش بعيدا عن الاضواء ووسائل الاعلام وفضول الصحفيين وكانت الاسئلة
الصحفية الفارغة التي تنهال عليه .. تثير قرفه بشكل لايوصف ويرفض رفضا
قاطعا اجراء المقابلات التلفازية الا ان شركة فنية فرنسية
استطاعت كسر هذا العناد قبل وفاته واقنعته اخيرا بالجلوس لمدة تسعين
دقيقة امام كاميرا فيديو تحدث خلالها عن ذكرياته وحياته الخاصة ونال هذا
اللقاء النادر داخل فرنسا رواجاً منقطع النظير.
وفي الخامس عشر من نيسان 1986 توفي جان جينيه عن 76 عاماً متأثرا بمرض
السرطان الذي اصاب حنجرته التي طالما نادت بالعدالة الاجتماعية واطلقت
العنان لصوتها في المظاهرات .... رحل في ذات اليوم الذي توفي فيه جان بول
سارتر قبل ستة اعوام ... سارتر الذي اسبغ عليه لقب
(القداسة)
في كتابة الشهير عام 1952 بعد ان كان موصوما بالمروق علي التقاليد
والخروج علي العرف الاجتماعي.
|