السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث 19- 7- 2004


حوار مع المسرحي العراقي د. نور الدين فارس

حاوره احمد عبد الكريم

يعتبر الدكتور نور الدين فارس من الرواد الذي ساهموا في إرساء قواعد المسرح العراقي الحديث بعد ان كانت بداية المسرح بمعناه الفني في العقود الاولى للقرن العشرين تنويريا وتقدميا، وبعد تأسيس قسم المسرح في معهد الفنون الجميلة بريادة ابي المسرح العراقي الفنان حقي الشلبي اواسط الاربعينات

ومع عودة الدارسين في اوروبا واميركا فن المسرح، فقد اكتسب خبرات تقنية درامية عالية ستميزه عربيا لاحقا خاصة في الفترة ما بين الاربعينات والسبعينات من القرن الماضي قبل ان ينقض عليه مسرحيو السلطة ليشوهوه بما سمّوه المسرح التجاري، ليجد المسرح الجاد نفسه في منفى داخل الوطن مستذكرا بحرقة بهجته في مسرحيات آنفة مثل "اللون القاتل" لنزار سليم و "اديب من بغداد" لادمون صبري و"الاسوار" لخالد الشواف و"النخلة والجيران " التي اعدها قاسم محمد عن رواية غائب طعمة فرمان بالاسم نفسه ومسرحية "الخرابة" ليوسف العاني  و"جدار الغضب" و"اشجار الطاعون"  و"الغريب " لنور الدين فارس الذي اسس صحبة اساتذة آخرين فرقة مسرح اليوم العراقية. واسس قسم المسرح في جامعة وهران في الجزائر عام 1984، اذ تتلمذ على يديه اساتذة وفنانون جزائريون وعراقيون في مادة الدراما ونظرية الادب.

كانت مسرحياته تثير نقمة السلطة اثناء فترة الاستراحة الديكتاتورية في العراق عندما اعلنت ما يسمّى الجبهة بين حزب البعث وكل من الحزب الشيوعي والديموقراطي والاتحاد الكردستانيين التي لم تكن سوى لعبة من البعثيين لاختراق الاحزاب العراقية التي ستمنى لاحقا بمذابح وموجات هجرة. فقد اغلقت فرق مسرحية وطورد فنانون  واعتقل وأُعدم آخرون بينما استرخى سواهم لغواية السلطة مشوِّهين المسرح بأعمال مبتذلة ساهمت في تشويه الوعي العام للناس.
منذ اكثر من ثلاثين عاما يقيم الاستاذ فارس في المنفى ما بين اوروبا الشرقية وشمال افريقيا واوروبا الغربية حيث استقر في هولندا منذ خمسة اعوام تاركاً آثارا على بنيته النفسية والجسمية ومعوقه عن ممارسة ابداعه الكتابي والفني.  فبعدما كان يستغرق عمل مسرحي معين سنة واحدة في الوطن راح يستغرق في المنفى اكثر من ثلاث سنوات .
نظر الى واقع المسرح العراقي،أبان عهد الديكتاتورية، كأداة سلطوية تساهم في تكريس ثقافة العنف خاصة بعدما جعلت القبول في اكاديمية ومعهد الفنون الجميلة حكرا على المنتمين الى حزبها  (بالاكراه او الاختيار) لم يعد في مقدورها تقديم اي مسرحية عراقية او اجنبية فنية جادة خوفا من تأويل جدليتها ودلالاتها الفكرية لما يخالف الاحادية والعنصرية. فلجأ الطلبة والاساتذة الى المسرح الصامت (البانتوميم) للتعبير عن همومهم بالحركة فقط. ومسرحيات اخرى اكثرها شعرية تمجد الحرب او تبكي الحصار، متغاضيةً ببلاهة عن ذكر المسؤول الاول عن اسباب الحرب والحصار.
كتب الدكتور نور الدين فارس اكثر من 12 نصا مسرحيا منذ عام  1965بالاضافة الى ترجمته كتاب "نظرية الدراما" الذي لما يزل مخطوطا وهو مجلد ضخم من تأليف سنيجينا بانوفا.

التقيته بعد انجازه مسرحية قصيرة بعنوان (الطوطم الضرورة) استمد احداثها من سقوط نظام صدام في 9 نيسان 2003 وسالته عن تأريخ المسرح باعتباره مسرحيا اكاديميا فأجاب:

- عرف الانسان المحاكاة- التمثيل منذ اطوار حياته البدائية فوظفها بمنافعه المختلفة – اقصاديا واجتماعيا وروحيا- فهي مران- مدرسة للدفاع عن النفس وتعلم الصيد، والزراعة، ومشروع احتفالية للافراح والاحزان، كما انها أداة طقسية عبادية- فغي نطاق معتقدات اسطورية، سحرية وعقائدية للتعبير عن الابتهال والولاء والطاعة للالهة والتابوهات- ومن يمثلها من سحرة وكهان وملوك كقوى مطلقة.. ترزقه وترأف به وتصونه في حياته ومماته...
انتظم الانسان في المجتمع المدني المتحضر، فاضطر الى الالتزام بضروراته ومتطلباته المتجددة التي لاتصدر من قوى الوهم والمجهول، انما من جهود واعضاء ذلك المجتمع، وهو احد أعضائه.. وبعد المران والخبرة تفتح عقله، وتعمق فكره، فاسترد ذاته، واصبح ربان حياته ومصيره، ولم يعد ذلك المحاكي- الممثل- الذي يردد تراتيل الكهان ويغني اهازيج السحرة..انما بدأ يغوص في خفايا وجوده وينقب بين اسرار عالمه الغامض ليستقريء ويبتكر اسباب امنه وسعادته وتقدمه.. ومن قمم مبتكراته تلك كان المسرح بوابة النور والفرح.. لم يدخله نادبا متضرعا مذعنا ومخذولا- كسلفه المحاكي البدائي- انما دخل ليحتج، يتخطى ويرفض كل ما هو باطل وفاسد ومظلم.. وهذا بالذات ماجعله يؤسس اليات وتقنيات، تتخطى الجامد، المتداول والمتعاد وتتمحور في فضاء ماهو مفترض ومحتمل في الواقع.. وليس الواقع الملموس بذاته لتهيئة اجواء وامكانيات الجدل والاجتهاد، واكتشاف الجديد والبديل، وتحقيق تغيير المنشود، بتجاوز البالي القديم، وتهيئة الاخر الجميل والرائع..
هكذا اندفع المسرح كغيره من الابداعات الخلاقة في موكب الحضارة الانسانية المتقدمة والمتجددة دائما.
كتب الشاعر الالماني فريدريك فون شيلر اواخر القرن الثامن عشر( بأكثر من كيفية يمكن ان يكون المسرح مؤسسة اجتماعية اخرى في الدولة، المسرح هو مدرسة الحكمة التطبيقية ودليل طريق في حياة المواطنين ومفتاح امين باتجاه اندفاعات الروح البشرية. المسرح طريق عبور فيه من المفكرين القسم الافضل من الشعب. في المسرح سوف يتفجر الضوء في الحقيقة وتنتشر الومضات الفتية من هنا الى جميع انحاء الدولة، بمفهوم أصدق، بقاعدة عالية من السلوك والمشاعر النظيفة جدا. سوف تفيض من هنا الى كافة مسارات الشعب فتزيح ظلام الهمجية وتبيد القى الغامضة والمظلمة.. الليل ينهزم.. لان النهار قد انتصر...).
المسرح لايتعايش ولا يتهادن مع مؤسسات وهيئات الرأي الواحد ، الاستبداد، التعصب والاكراه... مهما كانت اشكالها ونزعاتها. لا لانه يلتزم فكريا بتعدد الاراء وحرية المعتقد فحسب، وانما لأن طبيبعة قوانين بنائه الداخلية والاساسية تقوم من حيث الجوهر على الجدل الذي لايتوفر الا من خلال التعدد.. وليس الواحد بذاته.
المسرح يرفض التخلف ويناهض الجمود ويقف على الضد من قديم وبالي دون قيد او شرط؛ لالكونه تقدمي النظرة والاتجاه فحسب انما لان قوانينه الذاتية جدلية تقوم على مبدأ وحدة الاضداد والتغيير اذا تناول ظاهرة ما مهما كان مصدرها او مكانتها. فهو لايلتزم بثباتها ولا يتمسك بوضعياتها المستقرة  كما هو مسلم به بالنسبة للايدولوجيات الاتباعية والسلفية، انما يتدارسها، يستقريء كنهها، يكسف عن مدى حيويتها بالنسبة الى الواقع الحضاري الحالي المتحرك على هدي التجريب واليقين باتجاه التطوير والتجديد، بحثا عن الافضل والاجمل.
المسرح مع الخصب والنور والفرح. أي شيء اكثر خصبا ونورا وفرحا من المرأة؟ لهذا كان المسرح مع المرأة الاخت والام والحبيبة والزوجة دائما فهو نصيرها وحاميها وراعيها ويساند حقوقها ويدافع عن كرامتها وحرياتها ويناضل من اجل مساواتها الكاملة في المعرفة والعمل والسلطة والقيادة واتخاذ القرارات المهمة وكل مايتعلق بشؤونها الشخصية؛ العائلية والوطنية. من منا نحن المثقفين والمسرحيين لم يقرأ او يشاهد او يسمع انتيكونا لجان انوي، بيت الدمية لابسن، العاصفة لاستروفسكي، بيت برناردا البا للوركا، جان دارك.. التي اعيدت كتابتها من قبل فولتير.. برناردشو وبريخت؟

 

* لكن واجه المسرح ويواجه تحديات بالرغم من هدفه السامي. هل تحدثنا عن تلك التحديات؟
- بسبب الاهداف العظيمة والسامية جابه المسرح خلال ستة وعشرين قرنا من حضوره حتى اليوم اعقد الصعوبات والعراقيل، بل القهر والاستبداد والتضييق؛ كتهديم المسارح ومطاردة العاملين فيها من ممثلين وممثلات وفنيين من اجل معاقبتهم بعد اتهامهم بالكفر والفساد والالحاد خلال القرون الاولى من سيطرة الاحادية التعصبية الاثنية والمذهبية او العنصرية في مناهضة المسرح وقمعه في العصر الحديث ايضا.
اذ دفع المسرح ثمنا باهضا في مثل هذه المجابهات وخسر العديد من النابهات والنابهين؛ مثل لوركا ومايروخولد والاف المجهولين في مختلف انحاء العالم المنكوبة بنير الظلام والاستبداد حيث يتم فيها حصار المسرح وخنقه وفق اكذوبة المسموح والممنوع التي يتحايل بها الطغاة من اجل الامعان في التضليل والتجهيل. الا ان الاهم والاعظم جدا ان المسرح مازال حيا شامخا يزداد روعة وبهاءا جيلا بعد جيل يرفد الحقيقة والجمال والحرية بكل جديد وبديع من اجل عالم افضل واجمل. بينما تداعت محاكم التفتيش القديمة وسوف تتبعها بقايا محاكم التفتيش الحديثة في مهاو ابشع واسوأ.

 

* ها قد تهاوت احدى الديكتاتوريات الحديثة في العراق حيث درست وعملت وتخرج على يديك العديد الممثلين والكتاب، بعد سنوات طويلة من القمع. هل تحدثنا عن مسيرة المسرح العراقي الذي تعتبر من المساهمين بنائه؟
- تأريخيا هناك آراء ووجهات نظر متعددة ومتباينة بين الدارسين والباحثين بشان بدايات وتطور التمثيل- المسرح في العراق. يرى البعض ان التمثيل وبضمنه المسرح قد عرف في حضارة وادي الرافدين منذ ازمنة السومريين والبابليين؛ خاصة في احتفالات رأس السنة البابلية الجديدة كل عام حيث تقام استعراضات تمثيلية لبعض الاساطير وكان مردوخ كبير الالهة يلعب فيها الدور الرئيس. اضافة الى استعراض عزل الملك الشرعي وتنصيب احد الشقاة ملكاً للبلاد ولمدة يوم كامل ليتخذ الناس العبرة من الفرق مابين حكم القانون وحكم الاوغاد والاشرار. لقد تعززت هذه الرؤيا حين تمكنت التنقيبات الاثرية في بابل من اكتشاف اثر يشبه المسرح؛ مدرجات على شكل نصف دائرة تتوسطها ساحة- كما ورد في مجلة سومر- الجزء الاول سنة 1956. ويذهب اخرون الى ان مظاهر التمثيل عرفت وشاعت في العراق خلال العصر العباسي؛ استنادا الى كتاب قديم- الديارات- للشابشتي، ذكر فيه ان الخليفة المعتصم دعا الممثلين الذين يطلق عليهم السماجة الى قصره ليقدموا الالعاب والفعاليات المرحة بمناسبة ختان اولاده.
وهناك من يرى ان البويهيين في فترة نفوذهم الواسع على الدولة العباسية  في مراحلها المتأخرة عمدوا الى تمثيل فاجعة استشهاد الحسين بن علي في كربلاء وذلك في الساحات والشوارع العامة؛ لاثارة الناس سياسيا ودينيا، لما تنطوي عليها من بطولات وتضحيات من اجل الحق والعدل.
في فترة الحكم العثماني للعراق التي استغرقت اربعة قرون لم يعرف أي نشاط تمثيلي متميز له علاقة بالمسرح من حيث الموقف الدرامي والصورة المسرحية.

 

* وكيف وصل المسرح ببنيته الحديثة الينا؟
- وصل هذا المسرح بمعناه الفني والادبي الى بيروت بواسطة اللبناني مارون النقاش الذي وصل الاسكندرية عبر رحلة تجارية وفي احدى السهرات الليلية انبهر بمشاهدة فرقة ايطالية تعرض عملا مسرحيا. كان ذلك عام 1854. وعندما عاد الى بيروت انكب على القراءة والترجمة عن الفرنسية وغيرها، فكتب واعد واقتبس العديد من المسرحيات الى العربية ثم حول بيته الى مسرح يستقبل الجمهور وفق برامج وفترات محددة شهريا وفصليا. وكان ابو خليل القباني من اوائل من تأثر بمارون النقاش وشيد اول مسرح في دمشق فأقبل عليه الجمهور بحماس. لكن الشيخ سعيد الغبرا ( امام أحد مساجد الاستانة) خطب بعد صلاة الجمعة، أمام السلطان العثماني، منددا بأبي الخليل القباني ومسرحه (الذي أحال دمشق الى دار فسق وفجور). فصدر في اليوم ذاته امر سلطاني يقضي بغلق المسرح فورا... وقبل وصول هذا الامر الى الوالي هبت جماعة من المشعوذين فأحرقت مسرح دمشق وفرّ أبو خليل القباني الى مصر.

 

- 2 -

يعتبر الدكتور نور الدين فارس من الرواد الذي ساهموا في إرساء قواعد المسرح العراقي الحديث بعد ان كانت بداية المسرح بمعناه الفني في العقود الاولى للقرن العشرين تنويريا وتقدميا، وبعد تأسيس قسم المسرح في معهد الفنون الجميلة بريادة ابي المسرح العراقي الفنان حقي الشلبي اواسط الاربعينات ومع عودة الدارسين في اوروبا واميركا فن المسرح، فقد اكتسب خبرات تقنية درامية عالية ستميزه عربيا لاحقا خاصة في الفترة ما بين الاربعينات والسبعينات من القرن الماضي قبل ان ينقض عليه مسرحيو السلطة ليشوهوه بما سمّوه المسرح التجاري، ليجد المسرح الجاد نفسه في منفى داخل الوطن مستذكرا بحرقة بهجته في مسرحيات آنفة مثل "اللون القاتل" لنزار سليم و"اديب من بغداد" لادمون صبري و"الاسوار" لخالد الشواف و"النخلة والجيران " التي اعدها قاسم محمد عن رواية غائب طعمة فرمان بالاسم نفسه ومسرحية "الخرابة" ليوسف العاني  و"جدار الغضب" و"اشجار الطاعون"  و"الغريب " لنور الدين فارس الذي اسس صحبة اساتذة آخرين فرقة مسرح اليوم العراقية. واسس قسم المسرح في جامعة وهران في الجزائر عام 1984، اذ تتلمذ على يديه اساتذة وفنانون جزائريون وعراقيون في مادة الدراما ونظرية الادب. وهنا الحلقة الثانية من لقائنا معه:

 

* وفي العراق؟
- كل ماعرفه العراقيون خلال القرون الاربعة المظلمة هو(الاخباري) في اواخر القرن الثامن عشر الذي يعني طراز تمثيلي- غير فني- عبارة عن تمثيل هزلي كان يشاهد ليلا في مقهى التبانة في محلة الفضل؛ حيث يظهر رجل هزلي يدعى ( ابن الحجامة) وزميله منصو.. يقدمان حركات وطرائف مضحكة لجمهور المقهى.
وفي العقود الاولى من القرن العشرين انتقل الاخباري الى ملاهي ومراقص بغداد ليصبح فقرة لازمة بعد كل فترة رقص او غناء.. واشتهر بتقديم هذه الفقرة شاب كظماوي (من سكان منطقة الكاظمية في بغداد) من أصل ايراني يدعى جعفر القزويني ويلقب نفسه بـ (جعفر أغا لقلق زاده).
حيث عرف بلباقته وسرعة خاطره في ابتكار الاجواء الفكاهية المرحة، وببراعته في تقديم الطرائف والنوادر والامثال والحكايات المضحكة..
وقد عُثر في ستينيات القرن الماضي على ثلاث مسرحيات (كوميديا ادم وحواء، كوميديا يوسف الحسن وكوميديا طوبيا) مترجمة عن الانكليزية والفرنسية وتحمل ختم الشماس حبش سنة 1880 وهي دينية اخلاقية مقاربة لما شاع من اعمال تمثيلية دينيةفي القرون الوسطى. ومثلت في المدراس المسيحية في الموصل. كما ترجم نعوم فتح الله سحار عام 1893 عن الفرنسية مسرحية بعنوان (لطيف وخوشابا) اذ مثلت في مدرسة الاباء الدومنكيين في الموصل. واعتبرها البعض بداية المسرح العراقي.

 

* وهل هي برأيك بداية المسرح العراقي؟
- أنا لي رأي مغاير. ارى ان الدراسة العلمية الموضوعية للموروث من مظاهر تمثيلية شعبية او طقسية في مناسبات وطنية او اجتماعية او دينية سواء المفرحة او المحزنة، بالرغم من اهميتها التأريخية بالنسبة الى علوم وعادات وتقاليد الشعوبن الا انها لم تستطع أن تبلور شكلا متقدما ومتطورا يمكن ان يكون بديلا عن المسرح الاغريقي الغربي السائد الان، لافي البلاد العربية ولا في العراق ايضا. أما تمثيليات قساوسة العراق في القرن التاسع عشر خاصة في الموصل فهي تشكل صدى لوصفيات عقائدية (عاطفية) مطلقة ومسلم بها مبدئيا لاتحتمل النقاش والجدل والنقد وترفض بشدة أي تغيير او تبديل في كينونتها الثابتة والراسخة حتى قيام الساعة من حيث الشخصيات والاهداف والوصفيات.. هذا يعني انها بلا موقف او مبدا درامي ولا صورة مسرحية ودون أي تخطي للوصفيات المتكلسة في معمارها. وهذه الخصوصية في التمثيليات الدينية لاتؤهلها مطلقا لأن تدرك، بأي حال من الاحوال، مستوى المسرحية بمعناها الادبي والفني..
اما مرحلة تعرف العراقيين على المسرح بمعناه التقني الابداعي الادبي فقد بدات بعد اعلان الدولة العثمانية لدستور عام 1908 الذي منح بعض الحريات لشعوب الولايات العثمانية وبضمنها العراق. اذ مثلت في بغداد في نفس العام 1908 مسرحية (سلسترا) او الوطن تأليف الكاتب التركي نامق كمال. كما مثلت في العام نفسه مسرحية (شهيد الدستور مدحت باشا) التي تناولت حياة ونضال احد كبار الساسة العثمانيين الاصلاحيين والمتنورين الذي وهب حياته مستشهدا من اجل ان تنعم شعوب الامبراطورية المغلوبة والمحروقة بالحريات والعدالة في الحقوق والواجبات. فأثارت تلك المسرحية دهشة المشاهدين واعجابهم في بغداد. كما مثلت في نفس الفترة مسرحية جان دارك التي هي صفحات مشرقة من البطولة والتضحية في سبيل خلاص الوطن وحريته.
تركت هذه المسرحيات التنويرية والتحريضية، من اجل الحرية والعدالة والكرامة الانسانية، تاثيرا مشرقا على احاسيس واذهان المثقفين العراقيين بالنسبة للقضية الوطنية والسبل المؤدية الى تحرير وبنائه مجددا حراً وسعيداً. فضلا عن كونها لفتت انتباههم الى اهمية المسرح وضرورته في التنوير. وتجلى هذا التأثير بانتشار عدوى المسرح بين اوساط واسعة من المثقفين والمتعلمين، وهذا مادفع الكثيرين الى المتابعة والمساءلة والبحث للتعرف والاطلاع على هذا الفن الساحر. والعقبة الخطيرة التي كانت تجابه هؤلاء المثقفين هي انعدام التراث والتقاليد المسرحية بمعناها الفني في العراق، فتوجهت انظارهم الى البلاد العربية التي تمكنت من الحصول عليه من اوربا في اواسط القرن التاسع عشر بريادة مارون النقاش، وتحديدا في لبنان ومصر. ومن خلال الاطلاع على الصحافة الفنية الصادرة منها والاحتكاك بفرقها الفنية التي راحت تزور العراق بين فترة واخرى؛ فتوفر للمقفين العراقيين معلومات وافكارمهمة بشأن هذا الفن الجديد الساحر.

 

* ومن برز كرائد في هذا الفن الجديد عراقيا بعد ان كان انفرد ادمون النقاش كرائد يعود له الفضل في جلبه للعرب؟
- لقد ظهرت بعض المحاولات ابان تلك الفترة في كتابة المسرحية من قبل بعض الادباء والمثقفين العراقيين، وهي بالرغم من تواضعها فنيا الا انها تشكل الخطوات الاولى باتجاه مسرح الموقف الدرامي والصورة المسرحية. ومن تلك المحاولات (الرواية الايقاضية) التي كتبها سليمان فيضي عام 1919 وهي تقوم من حيث البناء على السرد القصصي والحوارالمسرحي في آن واحد. وهي من حيث المضمون تربوية وعظية تنبه الناس وتحثهم على طلب العلم والثقافة، مؤكدة على أهمية المدرسة وضرورتها بالنسبة لبناء مجتمع متنور وجديد.
كما الف محمد مهدي البصير مسرحية (النعمان بن المنذر) عام 1920 استلهم موضوعها من التاريخ القديم (فترة احتلال الفرس للعراق قبل الفتح الاسلامي) وأسقطه على وضع العراق بعد ان احتل من قبل الانكليز في الحرب العالمية الاولى. فالبطل النعمان بن المنذر يتمرد على احتلال الفرس للعراق ويعلن العصيان ضدهم، وبهذه الوسيلة راح البصير يحرض ضد الانكليز ويدعو للتمرد عليهم باسلوب مجازي متقنز مع العلم ان هذه المسرحية ظهرت في فترة ثورة العشرين في العراق.
وعلى نفس المنوال كتبت مسرحيات كثيرة استعارت مواضيعها من التاريخ واسقطته على الواقع انذاك لتفادي مراقبة ومساءلة المحتل؛ مثل مسرحية (فتح عمورية) لفاضل الصيدلي و(فتح مصر) ليحي قاف.

ثم حصلت تطورات كبيرة في العقد الثالث والرابع من القرن العشرين حيث حصل تطور كبير في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فانتشرت المدارس والصحف وـاسست الكليات والمعاهد في العلوم والاداب والاقتصاد وبضمنها معهد الفنون الجميلة في بداية الاربعينات بريادة المرحوم حقي الشبلي اذ لعب هذا المعهد دورا رياديا في تطوير الحركة المسرحية في العراق من الهواية الى الاختصاص. وظهرت خلال تلك الفترة مسرحيات اكثر نضجا وتطورا وناقشت الواقع المعاش منها مسرحية (الفتاة العراقية) لمحمود نديم و (وحيدة) لموسى الشابندر و(الاقدار) و(طعنة في القلب) لموسى بطي..
وشهد المسرح تطورا في السنوات التالية حيث كانت ثورة تموز عام 1958 بمثابة الانفتاح المسرحي الكبير خاصة بعد رعاية الحكومة للمشاريع المسرحية ودعمها فظهرت المسارح الاهلية والرسمية جنبا الى جنب مع انتشار الصحف والمجلات والمعاهد والكليات وقد تبلورت اتجاهات  جديدة في المسرح العراقي من حيث التقنية في معمار المسرحية والاخراج والتمثيل والنقدز ومثلت مسرحيات اجنبية عديدة في تلك الفترة مثل (الخال فانيا) لجيخوف و(عطيل) لهملتز كما ظهرت مسرحيات عراقية مثل(اني امك ياشاكر) ليوسف العاني و (ثورة مع الفجر) اعدها بدري حسون فريد عن مسرحيات عديدة لادمون صبري وغيره.. ونشرت مسرحيات اخرى مثل (الشيء) لعائد خصباك و (اديب من بغداد) لادمون صبري...
لكن تلك الدفقة من الانتعاش الثقافي والمسرحي خاصة لم تدم طويلا؛ اذ سرعان ماانكسرت الديمقراطية وانهارت المؤسسات المهنية والثقافية وعمت الفوضى والاضطهاد في انقلاب شباط الاسود.
ولم يكن من وميض نور سوى فترة قليلة حين حصلت بعض المرونة من قبل الرقيب الثقافي فبرزت بعض المسرحيات مثل (بغداد الازل) لقاسم محمد و(الجراد) لمحيي الدين زنكنة و(الصخرة) لفؤاد التكرلي و(اشجار الطاعون) و (الغريب). لكن سرعان مانهارت الفسحة من الحرية التي وعدت بها السلطة وقتئذ لغايتاها الخاصة فدخل الثقافة العراقية في نفق مظلم.
فاغلقت المسارح وطورد الممثلون والكتاب وبرز بعض المهرجين الذي كرسوا ادواتهم لتمجيد السلطة. ومنع من لم يكن بعثيا من دخول معهد الفنون الجميلة. وساد المسرح التجهيلي والتهريجي اذ يجري تصدير الكذب للناس والتمويه عليهم من خلال تمجيد بطولات القائد الكاذبة.

 

*الان انتهت تلك الفترة ونحن الان على ابواب فضاء من المؤمل ان يكون منفتحا للجيمع فهل لديك خطة للمستقبل القريب؟
- نعم لقد تحرر العراق من أسر الاستبداد والقهر والخوف واتمنى ان يسترجع المسرح العراقي ابداعاته الفنية المشرقة.. وهذه مهمة كافة المسرحيين المثقفين والديمقراطيين سواء أكانوا في العراق او الخارج. وذلك بعد أن توحد همهم لانجاز كل بديع ورائع لتعويض الخسائر التي تعرض لها المسرح لاكثر من اربعين عاما.

 

- 3 -

يعتبر الدكتور نور الدين فارس من الرواد الذي ساهموا في إرساء قواعد المسرح العراقي الحديث بعد ان كانت بداية المسرح بمعناه الفني في العقود الاولى للقرن العشرين تنويريا وتقدميا، وبعد تأسيس قسم المسرح في معهد الفنون الجميلة بريادة ابي المسرح العراقي الفنان حقي الشلبي اواسط الاربعينات ومع عودة الدارسين في اوروبا واميركا فن المسرح، فقد اكتسب خبرات تقنية درامية عالية ستميزه عربيا لاحقا خاصة في

الفترة ما بين الاربعينات والسبعينات من القرن الماضي قبل ان ينقض عليه مسرحيو السلطة ليشوهوه بما سمّوه المسرح التجاري، ليجد المسرح الجاد نفسه في منفى داخل الوطن مستذكرا بحرقة بهجته في مسرحيات آنفة مثل "اللون القاتل" لنزار سليم و "اديب من بغداد" لادمون صبري و"الاسوار" لخالد الشواف و"النخلة والجيران" التي اعدها قاسممحمد عن رواية غائب طعمة فرمان بالاسم نفسه ومسرحية "الخرابة" ليوسف العاني و"جدار الغضب" و"اشجار الطاعون"  و"الغريب " لنور الدين فارس الذي اسس صحبة اساتذة آخرين فرقة مسرح اليوم العراقية. واسس قسم المسرح في جامعة وهران في الجزائر عام 1984، اذ تتلمذ على يديه اساتذة وفنانون جزائريون وعراقيون في مادة الدراما ونظرية الادب. هنا الحلقة الثالثة والأخيرة من لقائنا معه:

 

* ثمة تفاوت بين المسارح العربية لجهة السعي لترسيخ مسرح يحمل صفات التميز عن سواه. كيف ترى للمسرح العربي وهل هناك قطر عربي يمكن الاشارة اليه كرائد في هذا المجال؟

- سبق ان ذكرت ومن خلال الدراسات الموضوعية والحقائق الموثقة ان المسرح العربي، بمعناه الفني الابداعي، بدأ مع محاولات التاجر اللبناني المنبهر بالمسرح الاوربي الذي شاهد احدى مسرحيات فرقة ايطالية في مدينة الاسكندرية ؛ فترك التجارة ووجه كل مساعيه وجهوده الى اكتساب الخبرة وال&