كاسك ياسقراط
( مسرحية شعرية )
عبد الرازاق الربيعي
مسرحية : كأسك يا سقراط
الحاضر الذي يرتدي ثياب الماضي
كريم جثير
الكأس 1 : ابتدأ الليل
بقتل الإنسان
أخاه الإنسان
أمام عيون الغربان
الكأس 2 : وعلى مر فصول التاريخ
الكأس 3 : ظلّ الجوهر
لم يتغير
الكأس 4 : وتبدلت الأشكال
الكأس 5 : واليوم
تسيل دماء الشمس
على إسفلت الظلمات
بكل مكان
الكأس 6 : فيا سقراط
الوجع المصلوب
على جدران(أثينا) كأسك
الكأس 7 : في البال سؤال
الكأس 8 : كيف غدا الباطل
في ثوب الحق ؟
الكأس 9 : وكيف غدا الحق
يسير بثوب
الباطل ؟
المجموعة: أنبئنا بالعلة يا سقراط ،
أنبئنا بالعلة يا سقراط ... ( الخ)
بهذا المدخل الشعري الرائع يبدأ الشاعر ( عبد
الرزاق الربيعي) مسرحيته " كأسك يا سقراط " ، و " كأسك يا سقراط "
مسرحية شعرية تقدم لنا سقراط عصرنا ، وتلك العلاقة ما بين المثقف والسلطة
والتي بدأت منذ ما قبل سقراط الإغريقي وامتدادها حتى الآن ... إذ يستحضر
لنا الشاعر عبد الرزاق الربيعي وبمسرحيته الجديدة هذه سقراط الفيلسوف
الإغريقي بفكرة الثاقب وبسخريته المريرة اللاذعة للكشف عن زيف أقنعة
أدعياء عصره وعصرنا معا ، حيث نجد زمننا المعاصر يقف وراء أقنعة نص "
كأسك يا سقراط " القديمة الحديثة ، تلك الأقنعة ذاتها والتي لم تتغير
بتغير الزمن ، حيث ( ظل الجوهر لم يتغير ) .
وقد
قام ( الشاعر الدرامي ) عبد الرزاق الربيعي وبدراية درامية واضحة
باستخدام هذا التداخل ما بين الماضي والحاضر ، باعتماده العودة إلى
الماضي حيث سقراط والشخصيات الإغريقية الأخرى التي جاء بها من زمنه ـ
أوطيفرون ، ثيوغنيس ، أرستوفان ، ميلتوس وأنيتوس ، وغيرها ، وتداخل هذا
الماضي بالحاضر عبر الشخصيات الأخرى المعاصرة ـ الضابط ، المحامي والصحفي
وغيرها ، وقد جاءت هذه الشخصيات مجتمعة عبر محصلة درامية لا تعتمد
التاريخ المحدد بالزمان والمكان ، إنما باعتمادها ( الموقف 9 أي مواقف
تلك الشخصيات والجمع بينها للتعبير عن الفكرة التي أراد الشاعر التعبير
عنها وبالشكل الدرامي الذي اختاره لها وبالتالي الهدف الذي يقف وراء هذه
الفكرة ، ليكون هو أي مكان ، والزمان هو الآخر أي زمان ، وليكون ذلك
ملائما ً لأبعاد النص ودلالاته الإنسانية ... ولا نجد هذه الثنائية أو
الجمع بين الماضي والحاضر من خلال الشخصيات وحدها أو من خلال هذا الجمع
بينها ، إنما من خلال تغلغل ذلك في روح النص وفي ثنايا حواراته الشعرية
الرائعة أيضا ً ، وعبر إشارات كثيرة تحيلنا مباشرة إلى الزمن المعاصر مثل
( صوت سيارة النجدة ، جرس المدرسة ، آلات التصوير ، الفاكس ، المنشورات
السرية ...) أو مثل حوار المحامي مع ميلتوس : من أنت ؟
المحامي : محامي من عقل القرن العشرين
أتيت لأرفع
عن معصم جرح
الحكمة
هذي الأصفاد
ميلتوس : ماذا في أوراقك ؟
المحامي : قدمت لكم طلبا ً
أبغي تمييز
الحكم
وهذا رقم
القيد 22 لعام 1995(جنايات قنا)
تلك
الإشارة التي جاءت في النص بشكل تلقائي وضمن نسيج النص ـ الشعري والدرامي
معا ـ ولم تأت بشكل مفتعل أو من خارجه .. وكذلك استخدامه للجوقة استخداما
معاصرا ، فلو تكتف الجوقة بالوقوف خارج أحداث النص أو كما كانت تقف عند
الإغريق للتعليق وبملء الفواصل بين مشهد وآخر وبالتفرج على ما يجري لـ
... سقراط ... بل نجدها هنا وفي أحيان كثيرة يجعلها الشاعر بطلة المشهد
وتدفع بالأحداث للتطور ، فتارة يكون سقراط هي ، وتارة أخرى تكون هي سقراط
مرددة :
قرأت في كتابي
الموت في أعقابي
ولا مناص منه.....
لا مناص
فعجّلي غيابي
لله يا
سفينة الخلاص
وخلاصة
القول أن النص يقول لنا إن ما يجري أمامنا ليس ما يجري لسقراط الإغريقي
فحسب ، إنما ( لبطل من هذا الزمان ) وإن كان ذلك عبر ما جرى لسقراط نفسه
بملامحه وثيابه الإغريقية .. و يبدأ النص أو أحداث المسرحية ـ بصوت سفينة
ديلوس ـ ورحلتها التي تنتهي بغرق هذه السفينة ، وبين بداية الرحلة
ونهايتها بالغرق يتحرك أمامنا ـ سقراط ـ لتكون رحلته موازية لرحلة سفينة
ـ ديلوس ـ . يتحرك بأفكاره وفلسفته وسخريته بين شهود الزور وأدعياء عصره
والاتهامات الموجهة له ومنها إفساد شباب أثينا ... لتنتهي رحلته بحكم
الإعدام عليه أو ... بكأس السم الذي ينتظره .. إلا أن غرق السفينة وعدم
وصولها ينقذ حياته وقد تدخل القدر ، وليصبح هذا الغرق رمزا ً لانتصار
سقراط على من يقف وراء هذه السفينة التي كانت تهدد حياته والموت الذي كان
يزحف نحوه لأن أيام رحيل السفينة تعتبر أياما ً حرما ً :
المجموعة: لا يقتل فيها أحد الناس
وترجأ
أحكام الإعدام ،
لحين
وصول سفينة ( ديلوس) إلى أثينا
ولتكون
النهاية بغرق السفينة نهاية أخرى ابتكرها الشاعر لحياة سقراط والتي تنتهي
في الحقيقة بموته ... وفي النهاية لا يسعنا إلا أن نقف باحترام أمام
الجهد الذي قدمه الشاعر ـ عبد الرزاق الربيعي في هذا النص المتميز وبلغته
( الدرامية ) الشعرية الثرية ... وقد أثار النص حوله الكثير من النقاش
ولعدة جلسات في ـ مقيل مركز الدراسات والبحوث / صنعاء ـ وبحضور الأساتذة
والأدباء د. عبد العزيز المقالح ، د. عبد الرضا علي .. والشاعر الأستاذ
سليمان العيسى و د. علي جعفر العلاق ود. محمد النهاري والأستاذ محمد عبد
السلام والشاعر أحمد ضيف الله العواضي و عدنان أبو شادي وغيرهم من
الأدباء والمثقفين ... وأجمع الحاضرون على أهمية النص وقدرة الشاعر عبد
الرزاق في كتابة النص الدرامي الناجح ، وقد قرا النص عدة مرات ومنها قدم
بقراءة مسرحية تحمل بعض ملامح الرؤية الإخراجية لهذا النص على خشبة المسح
ن حيث كان من المقرر تقديمه ضمن أعمال مهرجان باكثير المسرحي في صنعاء
ومن إخراج كاتب هذه السطور وقد تعذر تقديمه لأسباب تتعلق بالإنتاج ...
فتحية لهذا النص وتحية للشاعر عبد الرزاق الربيعي ولمركز الدراسات
والبحوث في صنعاء لتبنيه أعمال المبدعين
المشهد الأول
{ يمتلئ المسرح بمجموعة من الكؤوس الكبيرة
وفي وسطها كأس يجلس فيه(سقراط) بعد فتح
الستار يخرج من كل كأس ممثل }
الكأس 1 : ابتدأ الليل
بقتل الإنسان
أخاه الإنسان
أمام عيون الغربان
الكأس 2 : وعلى مر فصول التاريخ
الكأس 3 : ظلّ الجوهر
لم يتغير
الكأس 4 : وتبدلت الأشكال
الكأس 5 : واليوم
تسيل دماء الشمس
على إسفلت الظلمات
بكل مكان
الكأس 6 : فيا سقراط
الوجع المصلوب
على جدران(أثينا) كأسك
الكأس 7 : في البال سؤال
الكأس 8 : كيف غدا الباطل
في ثوب الحق ؟
الكأس 9 : وكيف غدا الحق
يسير بثوب
الباطل ؟
المجموعة: أنبئنا بالعلة يا سقراط
أتينا نحضر هذي الليلة عرسك
يا مبتدأ الوجع المتمرد كأسك
إذ حامت حولك
شتى الشبهات
علا صوتك في
الطرقات الملغومة
سقراط : أعرف نفسك
المجموعة: أنبئنا بالعلة يا سقراط
سقراط : لو كنت
كسائر آثام
الليل
لما دار الحبل
على أوداج
صلاتي
ما دلقوا في
الرمل دواتي
ما أخبرتم عني
لكني....
لا ادري شيئا
ًآخر
غير بأني لا
أدري
هذا سرّي
المجموعة: كيف غدا الباطل
في ثوب الحق ؟
وكيف غدا الحق
يسير بثوب
الباطل ؟
وضح للملأ
الآتي
من أقصى
أحزان
الكرة الأرضية
ما يجري
أنبئنا بالعلة
يا سقراط
أنبئنا بالعلة
يا سقراط
{ يدخل أوطيفرون }
أوطيفرون: حين مضى (شريفون)
إلى معبد (دلفي)
يسأل راعية
الأحلام
المجموعة: أيوجد أحكم من (سقراط) ؟
أوطيفرون: أجابت :
{ تطل امرأة عجوز من أعلى
المسرح}
العرافة : لا يوجد
من تعلو حكمته
حكمة هذا الرجل العارف
كل الأشياء
{تختفي}
سقراط : ما أطيب قلبك يا (أوطيفرون)
فلست سوى
حرف يتهجّى نفسه
ولذاك مضيت
أفتش عن رجل
أحكم مني
فأنا لا أدري
إلا أني لا أدري
فقصدت إلى
الساسة
{يدق أحد الكؤوس}
حاولت أحاورهم
لكن كلا ًمنهم
مشغول
بمصالحه
الشخصية
أظهرت لهم
ما فيهم من
جهل وغباء
انصرفوا عني
واستعرت
في الأفئدة
الموبوءة
نيران الغيظ
ذهبت إلى
الشعراء
{يكرر نفس الحركة السابقة}
وجدتهم
يلتصقون
بأذيال السادة
يسعون وراء
فتات موائدهم
أما الخطباء
{ نفس الحركة}
فقد باعوا
أطباق بلاغتهم
للميسورين.....
غدوا خدما ً
وعبيدا ً
لذوي المال
ولذا فندت
مبادئهم
فمضوا
يدعون الناس
إلى شتمي
المجموعة:
الموت لسقراط.....
الموت...............!
سقراط :
وجاءتني في الرؤيا
امرأة بثياب بيض
قالت لي :
{تطلع امرأة من أحد الكؤوس}
المرأة :
ستغيب عن الدنيا
في اليوم التالي
لوصول سفينة
(ديلوس)
{صوت سفينة .... تختفي}
أوطيفرون : سفينة (ديلوس) ؟
المجموعة1: يروى في (أثينا)
المجموعة2: في يوم ما
أبحر(تسيوس)
على متن سفينته
وبرفقته أصحاب نحو(أقريطش)
المجموعة1:
ولكن كادت عاصفة
أن تغرق أحلام العودة
ولذا نذروا
لـ(أبولو)
ليحجنّ إلى (دلفي)
إن عادوا
بسلام
في كل سنة
المجموعة2:
وغدا ذلك تقليدا ً
واعتبروا
فترة رحلتها
من لحظة
تكليل الكاهن
حتى العودة
أياما ً
حُرما ً
المجموعة1: لا
يقتل فيها أحد الناس
وترجأ أحكام
الإعدام
لحين وصول
سفينة ديلوس
إلى ميناء (أثينا)
سقراط : هذا يعني أني سأعيش
إذا ظلت
مبحرة ً
المجموعة : أنبئنا بالعلة يا سقراط
أنبئنا بالعلة يا سقراط
سقراط : رجعت إلى راعية المعبد
أخبرها محزونا ً:
لا يوجد
فجرت ألسنة
الناس
على تسميتي
بـ(حكيم
أثينا)
ولذا نسجت
طائفة
من أسوأ خلق
الله
دعاوى باطلة
المجموعة: حان
الوقت ..لقد حان
لتنام بأحضان
البركان
{ ظلام }
{ سقراط يقف أمام سبورة يتجمع حوله تلاميذ }
سقراط : هيا ...هيا يا صبيان
أبيع الحكمة بالمجان
تلميذ 1 : قال الشاعر
حيث يكون الخوف
يكون التقديس
فهل لي أن
أعرف
إن كنت توافقه
؟
سقراط : لست أوافق هذا الشاعر
إذ أنّا نخشى الفقر
ولسنا من خشيتنا إياه نقدسه
التلميذ 2 : كيف ترى ذلك ؟
سقراط : حيث يكون التقديس
يكون الخوف
التلميذ 3 : ألست تخاف الناس ؟
سقراط : أؤثر موتا ً
حيث أشاء أنا
عن أن أحيا
حيث يشاءون
{ تدخل زوجة (سقراط) مع أطفالها الثلاثة}
الزوجة : شيخ مجنون
سقراط :ها أنت إذن
ماذا تبغين ؟
الزوجة : أريد طعاما ً وكساء
فلديّ عيال
سقراط : الحكمة لا تشرى بالمال
لهذا أعطي لتلاميذ العلم
دروسي بالمجان
{ الزوجة ترميه بالماء }
الزوجة : يا شيخا ًيهذر
أطفالي التهموا طبق الجوع
وأنت تثرثر
{ تذهب }
سقراط(لتلاميذه): امرأتي مثل سماء العالم
تبرق .. ترعد .. تمطر
تلميذ : هل تنصحني
أن أتزوج لمّا أكبر ؟
سقراط : خذ مني
إن اخترت امرأة طيبة
عشت سعيدا ً
وإذا اخترت شريكة عمر
مثل امرأتي
صرت حكيما ً
{ يضحكون .صوت جرس..يخرج التلاميذ...}
{ ظلام}
{ سقراط مع أطيفرون مع بعض أهالي أثينا }
سقراط : قد أنفى وأشرّد
قد أُصلب يوما ً وأجرّد
من كل حقوقي المدنية
لكن ما أن ينزل بي
حكم الموت
سينزل في جلادي
أقسى وأشد
أطيفرون : يا سقراط
رأى أهل (أثينا)
فيك الرفعة
ولذاك يكنّون لك الحب
سقراط : أهل (أثينا) ؟
أهل أثينا يا(أوطيفرون)
قطيع
يحكمه عباد
المال
لصوص
ومرابون
{يغادر المكان بعض أهل أثينا
متذمرين}
أطيفرون : عهدي بك هادي النفس
سقراط : عفوك ..عفوك
أحنقني
مخلوق تتدلّى
ضحكته المسمومة
من منقار غراب
أفـّاق
راح يقاضيني
أطيفرون : وبأية تهمة ؟
سقراط : بالإلحاد
أطيفرون : حقراء .... أوغاد
الكفر بآلهة
(أثينا)
يعني الموت
سقراط : آلهة أثينا !!
لم أكفر
بقداستها
لكن أدعو لإله
واحد
ثيوغنيس : ما شأنك يا (سقراط)
بقدسيتها
أتركها هادئة
البال
سقراط : عجيب قولك هذا يا (ثيوغنيس)
أآلهة (أثينا)
هادئة
تحيا دون قتال
؟
ثيوغنيس : ماذا تعني يا سقراط ؟
سقراط : ألم تأمر(فينوس)(كيوبد) بالقتل؟
{ظلام ... بقعة ضوء على جانب المسرح}
كيوبد : أفديك بروحي يا أمي
ماذا تبغين ؟
فينوس : أريدك أن تقتل (سيكه)
كيوبد : من؟
أقتل (سيكه)
محبوبة قلبي
الحلوة ؟
فينوس : أقتلها يا ولدي
فلقد ضاهت أمك
حسنا ً
كيوبد : لكني ........
فينوس : هل تعصي أمري ؟
كيوبد : كيف لسهمي
أن يدخل قلب مليكة روحي ؟
فينوس : قلت أقتلها
أقتلها
أقتلها
{ظلام...صرخة..}
{ يعود الضوء إلى سقراط وثيوغنيس}
سقراط : و(أبولو)
أنجب (فيتون)
الطائش
والأرعن
إذ أغرق مركبه
(جوبيتير)
ثيوغنيس : يكفي ...هذا يكفي
سقراط : و(بلوتو)
ظل وحيدا ً
في مملكة
الموت
بلا امرأة
فاختطف(بروزربين)
ابنة(سيريس)
إله القمح
ثيوغنيس : لا تشتم أكثر
سقراط : و(كروتس)
ألم يقتل
والده ؟
ثم مضى يبلع
أبناءه
فور
ولادتهم
ثيوغنيس : لكن (زيوس) نجا
سقراط : بدهاء الأم
إذ ابتكرت
حيلة
{ظلام....}
{يسلط الضوء على بقعة-أم زيوس مع الخادمة}
أم زيوس
: ما أجمل ضحكته !!
عينيه الحالمتين !!
أصابعه !!
الخادمة : لكن (كروتس)
سيطرق باب
المائدة المنتظرة
أم زيوس : لن أسلمه(لكروتس)
فهذا الطفل
يعز على الموت
الوحشي
< |