السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  21- 6- 2004

المسرح بين العولمة والعالمية

بقلم : عبد الناصر حسو

 

تشابكت العولمة في عقول الناس، وتنوعت مواضيعها ، وتوسعت مجالاتها وكأنها قوة سحرية تجذب اليها العالم، وتوحد نماذجها، وانماط انتاجها وتهدد كل ما هو خارجها، بل تجبر بقوة الرأسمال ان يجذب اليها كل ما يدور في فلكها، بما في ذلك الفنون والاداب

اذا كانت العولمة تفرض ذاتها في الاقتصاد والتجارة.. فلا يمكن ان تحقق اهدافها في الفنون والآداب، واذا كانت صيغة المسرح الارسطي مهيمنة منذ البدايات على العالم، فهناك صيغ شرقية اخرى تختلف اختلافا جذريا عن المسرح الارسطي الذي قوض من داخله مرات عديدة، منذ شكسبير وحتى الان، وهناك الكثير من النظريات التي كانت تعارض المسرح الارسطي، واوضح مثال على ذلك نظرية المسرح الملحمي عند بريخت، وجرت محاولات كثيرة للخروج بنظرية جديدة او التزاوج بين المسرح الشرقي والمسرح الارسطي.


فالعولمة تمحو الحدود الثقافية، وتكسر الخصوصيات المحلية، وتفتت القوميات، وتصبو الى توحيد صيغة واحدة في العالم، بعكس الفنون والاداب التي تعمق الحدود الثقافية والبيئية وتحافظ على خصوصية كل امة.


هل يمكن ان يتحول المسرح الى صورة مكررة ومجترة عن الصيغ الامريكية او الاوروبية وتعمم على العالم؟. لابد ان للعولمة سلبياتها وايجابياتها، فيرى البروفيسور الفرنسي ميشيل كورفان ان ايجابيات العولمة في مجال المسرح هي انفتاح المسرح على العالم الذي اصبح صغيرا ومؤطرا من خلال وسائل الاتصالات.


لكن المسرح كان منفتحا على العالم منذ بداياته من خلال الفرق الزائرة ورجالات المسرح وانتقال العرض من بلد الى اخر، واذا كان هذا هو الشكل المباشر، فالشكل غير المباشر لهذا الانفتاح كان من خلال النصوص المترجمة الى لغات اخرى، ولولا هذين الشكلين لما تعرف العرب على المسرح بصيغته الارسطية وشكله الايطالي (العلبة الايطالية)، ولما تعرفنا على المسرح اليوناني والاليزابيثي او الياباني والهندي والصيني.


ومن خلال هذين الشكلين تأثر رجال المسرح في اوروبا بالمسرح الشرقي وخصوصا بريخت وجوته.. الخ. لكن دائرة الانفتاح توسعت الان اكثر مما كانت مع تقدم وسائل الاتصالات.


اذا كانت العولمة تؤثر بشكل ايجابي على الشكل والمضمون وبالتالي تؤثر على شكل الكتابة المسرحية وتقنيات الخشبة المستخدمة، فإن هذه التأثيرات والتطويرات تفرضها ظروف الحياة وايقاع العصر السريع، ومن هنا يمكننا ان نقول ان العولمة تطور تاريخي، وليست ايديولوجية تفرضها امريكا على العالم، انها حالة استمرارية تتطور بتطور الحياة، ولا يمكن ان تكون الصيغة النهائية للمسرح.


العولمة والعالمية كلمتان متناقضتان احداهما تلغي الاخرى، العولمة هي اكتساب صفة واحدة لكل النتاج، وهذا يعني انها تسعى الى كسر الخصوصية المحلية، وتعميق الهوة بين ما يفكر به الكاتب وبين ما يدور حوله وبالتالي هذا يؤدي الى حالة الاغتراب. بينما العالمية تسعى على تعميق الخصوصية الثقافية، واظهار او المحافظة الى الهوية، فكل الاعمال الخالدة كتبت انطلاقا من الخصوصية المحلية، ثم اخذت طابعا شموليا حتى ارتقت الى العالمية من خلال الاشكال والمواضيع المطروحة.


اذا سلمنا ان المسرح الشرقي والغربي (الارسطي) نشأ وترعرع في احضان الديانات القديمة، واستمد مواضيعه من الاساطير والشخصيات الاسطورية لاعادة صياغتها من جديد، لقد واجه المسرح الارسطي ازمات داخلية وخارجية خصوصا في مراحله المتأخرة، وراح كتابه يبحثون عن ملاذات للخروج من الازمة، فلجأوا الى ثقافات الشعوب الاخرى واستفادوا من الجانب العجائبي والمدهش منها دون الدخول في بنية الثقافات.


يصر البروفيسور كورفان على »المحافظة على اختلاف الاشكال« ويحذر من الوقوع في توحيد الشكل على مستوى العالم، فالتمايز يظهر في الاختلاف وبذلك يتحول المسرح الى وسيلة اتصال كالجريدة والتلفزيون وينسى وظيفته الاجتماعية.


ان المحافظة على القيم والمعايير من اساسيات الخصوصية في المسرح، مثلا العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل هي علاقة مختلفة عند جميع الشعوب، وهي فكرة الامتداد الزمني ولها نتائج في تكوين المجتمع ومنظوره وبالتالي تنعكس نتائجها في العمل المسرحي، وأية محاولة لتوحيد الزمن او اية قيمة في المسرح هي كسر الخصوصية لكل الشعوب مثال اختلاف الزمن في مسرح النو الياباني عنه في مسرح تشيخوف وبيكيت، وكذلك العلاقة بين الداخل والخارج هي علاقة مختلفة من ثقافة الى اخرى، ثم الاختلاف في شكل العرض في المسرح الشرقي عنه في المسرح الارسطي الذي يعتمد على الكثافة والترميز والعلامات، ويطالب المتفرج بالانفعال، بينما شكل العرض في المسرح الشرقي طويل جدا حيث يمارس المتفرج حياته اليومية من اكل وشرب.. وهو يتابع العرض.


ان الاختلاف في بنية الشكل والعرض وطريقة المتابعة والاستقبال يؤثر في شكل الكتابة المسرحية، فالمسرح الارسطي هو مسرح يقنن العلامات والعلاقات، وبالتالي تولت الكتابة المسرحية في المسرح الارسطي الى مسرح الصورة المشهد وتداخلت الفنون فيما بينها في شكل العرض المقترح من رقص وغناء واستعراض وتمثيل.. ان هذا الاحتكاك بالثقافة الاخرى اعطى تعريفا للمسرح وغير مفهومه، واصبح من صميم بنية المسرح الارسطي.


هناك موضوعات آنية قابلة للاهتراء واخرى عالمية خالدة، فالموضوع يفرض نفسه على الكاتب الذي يتعامل معه ويفك شيفراته ويعيد صياغته، لكي يكون مناسبا ومفيدا للزمن والمكان والمجتمع الجديد وهذه من مهام عمليات الاخراج. فالموضوعات المطروحة متشابهة ومتعارضة، لكن علينا المحافظة على خصوصية العمل اولا، ثم المحافظة على الهوية الثقافية.


مما تقدم نلاحظ ان الصيغتين (المسرح الشرقي والمسرح الارسطي) يشكلان حضورا منذ وجودهما بغض النظر عن فترات الازدهار والتعثر لكليهما، ولا يمكن لأحدهما ان يلغي الاخر لأن كلا منهما يحمل ارثا تاريخيا وسيرورة عبر الازمنة السحيقة.