السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  14- 6- 2004

إريك بينتلي قارئا بريشت: مسرحه

 يوقظ المشاهدين ويبعث الرغبة في المقاومة

إعداد: ناصر ونوس

بدأ الناقد والكاتب المسرحي الانجليزي المولد إريك بينتلي بترجمة اعمال المسرحي الألماني العظيم بيرتولت بريشت بعد لقائه اياه عام 1942. وبعد الحرب العالمية الثانية تتالت اللقاءات بين الكاتبين في ألمانيا والتي كان أولها في شهر يناير عام 1949 بمناسبة بدء عرض مسرحية بريشت الشهيرة »الأم شجاعة«. ومن بعدها بدا بينتلي وكأنه الشخص الذي يعرف كل شيء عن بريشت ومسرحه. وكتابه المعنون »بينتلي عن بريشت« (والذي صدر بالانجليزية قبل عام عن دار »ابلوس« في نيويورك بـ 454 صفحة) يتضمن كل ما كتبه هذا الناقد الشهير عن بريشت ومسرحه خلال العقود الستة الاخيرة. ويتضمن هذا المجلد رسائل واشعارا ومقالات نقدية ـــ والتي سبق ونشر معظمها ــ كما هو الامر مع كتاب »مذكرات بريشت«. في المقدمة يتفق بينتلي احيانا ويختلف احيانا اخرى مع ما كتبه عندما كان شابا مقدما لنا نوعا من النقد لما كتبه في السابق تماما كما يفعل مع بريشت. والنتيجة هي تأريخ آسر لتطور فن بريشت، وأفكار عن فن الكتابة المسرحية، والعلاقة ــ وغالبا الصدام ـــ بين الرجلين المختلفين بشكل حاد فلسفيا ومزاجيا وسياسيا.

في فقرات مليئة بالنوادر يستدعي بينتلي اجواء برلين وزيورخ، نيويورك وهوليوود في اربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، عندما كانت الاحتفالات السياسية ممتزجة مع خطابات الشيوعيين الألمان. يتذكر بينتلي انه عندما طارد مكتب التحقيقات الفيدرالي اعضاء »مسرح مكسين إليوت« في نيويورك عام 1947 صدم تشارلز لفتون، نجم مسرحية »جاليليو« لاكتشافه انه كان متناغما مع الشيوعيين: »ايسلر، شيوعي؟« يجيب بجدية متسائلا ومستغربا لانسحاب هذه الدمغة على المؤلف الموسيقي هانز ايسلر، ويتابع القول: »هذا هراء: ان موسيقاه لا تشبه الا موسيقى موزارت«.

يركز بينتلي في اماكن اخرى على تفاصيل علاقاته القوية مع بريشت وشركائه ووريثيه مثل روث بيرلو زوجة بريشت. في رسالة غاضبة تعود الى عام 1945 يتأسف بينتلي على ترجمة »حياة المعلم ريس الخاصة« يقول: »لقد غسلت يدي من بريشت« ـــ رغم انه يزعم بأن هذا الكاتب المسرحي »وغد لكنه فنان«.

ورغم ان بريشت كانت تنتابه نوبات غضب ويصرخ بالممثلين اثناء البروفات الا انه كان أهدأ مخرج عرفه بينتلي وقد اعطى الكتاب »عدم نكوصية« هذا العملاق المسرحي وتركيزه على هدف محدد ما يستحق من اجلال.

وحتى في اكثر الحكايات سلبية لا يلح بينتلي على كشف حقيقة اسطورة او حكاية ما وانما على الحديث عن »سلسلة معارك« بين الكاتبين وبينه وبين موضوعه. وهذه المعارك ألقت ضوءا على ولادة مسرح جديد. مسرح يوقظ المشاهدين ويبعث رغبة عارمة في المقاومة. في احدى الفقرات المذهلة يعلن بينتلي ان تفضيل بريشت المعروف للإضاءة البيضاء حصل بالمصادفة كنتيجة لنقص الطاقة، فعندما استخدم مصمم الديكور والاضاءة كاسبر نيهير الاضواء الامامية لإحدى السيارات كحل مؤقت اذهل بريشت كثيرا بحيث منع بعدها استخدام الاضاءة الملونة منعا تاما.

هناك مؤثرات على معتقدات الفنان جديرة بالتذكر. ففي احدى اكثر الرؤى اهمية يزعم بينتلي ان الحرب كانت التجربة التي حددت وجهة نظر بريشت، وأن معارضته لها كانت اهم موقف مبدئي لديه. هذا الموقف الذي جعله رمزا جذابا لجيل الشباب الامريكيين في الستينيات وجعله يصطف الى جانب الشيوعيين الذين رفضوا نزعته المسالمة.

في كتابه »مذكرات بريشت« الذي نشر عام 1989 يستعيد بينتلي نقاشا دار حول ان »المسرح الملحمي« لم يكن تقليديا، لكن ذلك يصح فقط في علاقته مع التراجيديا، اما مع الكوميديا فقد كان تقليديا، وهي الرؤية التي ربما حثت بريشت في نهاية الامر على التخفيف من بعض مطالباته وان يستبدل مصطلح »المسرح الملحمي« بمصطلح المسرح الجدلي«.

لقد كان بينتلي ايضا مدافعا عن بريشت. ففي مقالة تعود الى عام 1965 يفند بينتلي فكرة ان بريشت كان احيانا يعيد صياغة اعمال الكتاب المسرحيين الآخرين، فما فعله بريشت مع مسرحيتي »اوبرا البينسات الثلاث« و»ادوارد الثاني« ليس مجرد ترجمة للأعمال الاصلية وانما تحويلها الى اعمال جديدة. ويصر بينتلي على ان »ادوارد الثاني« على وجه الخصوص هي مسرحية معاكسة لمسرحية كريستوفر مارلو الاصلية، واعادة كتابة لها.

لكن كل هذا الوابل من السهام الحربية التعاطفية لم يستطع الحفاظ على علاقة جيدة بين الرجلين، حيث ان العلاقة بدأت في التضعضع بعد ان نشر بينتلي عام 1949 مقالة بعنوان »فنون المسرح« يقول فيها ان عقل بريشت كان »مرهونا للشيوعيين السوفييت«. كما ان الناقد بينتلي لم يخجل من الاشارة الى اخطاء بريشت ايضا. ففي مقالة كتبها عام 1966 يتناول فيها مسرحيته »حياة جاليليو« يقول بينتلي ان بريشت »كان مخطئا في حديثه عن القرن السابع عشر«.

لقد واصل بينتلي الادلاء بآرائه حول بريشت، ففي عام 1998 بعد ان قالت مجلة نيويورك تايمز بأن بريشت كان »قد حاد عن قواعده« رد بينتلي في مجلة »المسرح الامريكي« (ربما عدد مايو/يونيو 98) بأن »لبريشت سمعة رجل ذي تأثير، لكن من الصعب رؤية علامات ذلك التأثير في اغلب الاحيان«. وفي الحقيقة فإن بينتلي لا يوافق على الافراط في الاعتقاد الذي يعتبر بريشت رمزا، وأنه العبقرية الفائقة للقرن: فبالنسبة إليه كان بريشت شاعرا ومسرحيا وليس منظرا او فيلسوفا او معلما روحيا. في عام 18960 كان بينتلي يذكر المتملقين بأن »برتولت بريشت انفق كثيرا من الطاقة محاولا تقويض (القواعد).

في ختام كتابه »ذكريات بريشت« يقول بينتلي: »ان بريشت هو الرجل الاكثر ادهاشا من بين جميع الذين قابلتهم في حياتي، صحيح انني كنت امقته احيانا لكنني كنت احبه دائما.