السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  14- 6- 2004

المسرحي العراقي احمد شرجي
المنفى عطلني لمدة 9 سنوات

اجرى الحوار: نعمه السوداني

في شمال هولندا وفي مدينه Groningen وعلى خشبه مسرح Prinsen theater بالمركز الثقافي الهولندي قدمت مسرحيه(بعيدا بانتظار الضوء) للفنان العراقي المبدع احمد شرجي وكان الابداع واضحا ومتميزا حيث احتوى العرض على عناصر كثيره متفاعله تسعى كل منها لابراز ما يدور على خشبه المسرح من ايضاحات وتسهيلات عما يدور

في الحياه والمجتمع العراقي المهموم وذلك بجهود متفانيه ان يدفع بتلك الممارسه والتطبيق في هذا الفن الجميل الى مراحل التطوير والارتقاء عن التفاعل بين الفاعل والمتلقي وفي وقفه مع هذا الفنان اجرينا معه هذا اللقاءالتالي:

 


* انك كمخرج وممثل.. ماهو الارتباط الموجود في هذه الشخصيتين المختلفتين؟
- من المؤكد ان العمليه المسرحيه هي عمليه متكامله داخل العرض المسرحي وهناك ايضا اختصاصات،فمثلا مصمم الديكور..ومصمم الاناره..والممثل ..الذي يعتبراهم عنصر من عناصر العرض المسرحي كما يقول كروتوفسكي،ولكن يبقى كل شخص من هؤلاء يهتم بالجانب الذي يهمه في عمليه الابداع التي يعمل عليها..ومن خلال تجربتي البسيطه بالمسرح والتي تمتد منذ عام 1985 كمت اهتم بعملي فقط(كممثل) اي الاهتمام بالشخصيه والعمل على جوانيات الشخصيه ولا اتدخل بعمل الاخرين اي ( الاختصاصات الاخرى) لانهم يمتلكون نفس الاهتمام الذي املكه من خلال خروجهم على خشبه المسرح بشكل جيد..لكن عندما قدمت مسرحيتي (بعيدا بانتظار الضؤ) في بغداد للقاص العراقي المبدع (ضياء سالم) وهي اول تجربه اخراجيه لي شعرت حينها بصعوبه عمل المخرج لانه يحمل هم كل وحدات او عناصر العمل المسرحي اي انك تجده مهتم بالديكور والاضاءه والاعلام والممثلين اضافه الى ذلك عمله كمخرج لعمل مسرحي يريد من خلاله طرح رؤاه وافكاره وذلك لكي تتكامل عناصر العرض المسرحي..بالتاكيد هناك رابط بين الاثنين لكن همي كممثل داخل العرض المسرحي اقل من همي كمخرج،وقلقي كمخرج على عمل مسرحي متكامل هو اكثربكثير من قلقي كممثل لشخصيه داخل العمل وان كان الاثنان يحاولان الارتقاء بالعمليه الابداعيه للعرض المسرحي.

*حاليا هل يوجد مسرح يعني بفن حقيقي؟
- بالتاكيد لاتخلو الساحه المسرحيه العراقيه من فن مسرحي حقيقي رغم ضغط السلطه ومحاولاتها لتسييس وادلجه الخطاب المسرحي العراقي في اؤائل الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي لكن بقي الكثير من المسرحيين العراقيين يفضلون الغناء بعيدا عن الخطاب السلطوي ولا ننسى التعتيم الاعلامي الكبير الذي مارسته السلطه على الفنان..ورغم كل هذا يملك العراق من المخرجين والكوادر الفنيه الاخرى ما يضاهي بلدان تتمتع باستقرار سياسي واجتماعي واقتصادي كبير بالمقارنه ببلد مثل العراق،الساحه المسرحيه العراقيه ساحه مهمه جدا بالوطن العربي كونها تمثل اختلافات كثيره وهنا اعني اختلافات الاتجاهات المسرحيه فكل ما قام به ويقوم الفنان(قاسم محمد) في مجال التراث شئ مهم لتاسيس مسرح عربي.. وكذلك الفنان (صلاح القصب) الذي اقام الدنيا ولم يقعدها من خلال تجاربه في مسرح الصوره ومن خلال تنظيراته في هذا الاتجاه،وايضاالفنان (عزيز خيون) والدكتور (عوني كرومي) ولا ننسى الاب الروحي لهؤلاء المبدعين المخرج الكبير المرحوم(ابراهيم جلال) الذي اسس تجربه مسرحيه مهمه من خلال تقديمه لمسرح (برشت) وبثوب عراقي وهو لم يقدم (برشت) حرفيا كما قدمه الاخرين لكنه وظف نظريه المسرح الملحمي في المسرح العراقي وهناك فرقا شاسعا بين الاثنين...ان تحمل الشباب المسرحي للكثير من الجوع والحرمان والتهميش من اجل تقديم فن مسرحي حقيقي كما اشرنا لذلك في دراستنا (عروض مسرحيه مفخخه)، رغم عمليه التهميش والتعتيم على تجاربهم المسرحيه واصلوا وراهنوا على الجمال في المسرح من خلال تقديمهم العروض المسرحيه المهمه وهنا لا نريد ذكر اسماء مخافه ان ننسى احد ونغمط حقه لكن هذا كله مدون في دراستنا.

 

*هل هناك امكانيه عقد مقارنه بالمسرح العراقي والمسرح الاوربي؟؟ وايهما اقرب للمسرح العراقي المسرح الاوربي الغربي ام المسرح الاوربي الشرقي؟
- كل التجارب المسرحيه(الحركه المسرحيه في العالم) هي في حاله تاثر وتاثيروماقام به سوفوكلس ويروبيدس واسخيلوس ما زالت شظاياه حاضره للان رغم الفتره الزمنيه الطويله التي مرت على تجاربهم وماقام به ستانسلافسكي بالمسرح العالمي من تاثير كبير مازال للان يعمل عليه وانتقلت تجربه المسرح الروسي الذي ينتمي اليه الى بلدان اخرى استفاده منها المخرج الامريكي (كازان)وكذلك كون مع المؤلف(ارثر ميلر)ثنائي وهو نفس الثنائي الذي الفه (ستانسلافسكي وجيكوف) وغيرهممن الامثله الكثيره،اعني من ذلك ليس هناك ما يعيب المسرح العراقي من خلال تاثره بتجربه مسرحيه او اتجاه مسرحي رغم اننا قريبون للمسرح الروسي باعتبار ان موسكو كانت قبله الفن في العالم وكذلك قريبون الى التجربه المسرحيه في الدول الاشتراكيه (سابقا) وهذا ايضا له اسبابه ومن هذه الاسباب كانت معظم البعثات ترسل الى موسكو والبلدان الاشتراكيه(سابقا) لدراسه الفن في جامعاتها وكذلك البروتوكولات السياسيه بين العراق وبين هذه الدول وكذلك احزاب اليسار العراقي كانت ترسل فنانيها الى هذه البلدان باعتبارها دول حاضنه لهذه الاحزاب.. ومن خلال تواجدي في الغرب منذ سنوات ليس من الانصاف ان نقوم بعقد مقارنه فنيه بين بلد واخر بل ان كل تجربه مسرحيه تحمل صفاتها الابداعيه وتحمل سمات بقائها وليس هناك بلدا افضل من بلدا فنيا بل هناك تجارب واتجاهات مسرحيه قد تكون مهمه بين الاثنين وخير دليل على ذلك(جردفوتسكي) في بولونيا و(ارتو) في فرنسا و(ايليا كازان) في امريكا... رايت تجارب مسرحيه كثيره في هولندا ورومانيا وجدت ان المسرح العراقي يمتلك خزين عملي مهم جدا وبالتاكيد ليس كل تجارب المسرح العراقي وليس كل تجارب الغرب هي سيئه ولكن علينا ان لاننظر الى تجاربنا المسرحيه بنظره العقده من الغرب والهوس الغربي الذي نجده عند الكثير للاسف.. يجب علينا ان لانفقد الثقه بانفسنا ولا بالتجارب التي نقدمها بالعراق لاننا نملك مخرجين مبدعين كبار فمثلا (صلاح القصب) يشكل بتواجده المسرحي ثقل كبير قد يوازي تجربه(ماير خولد) وما احدثه في تجاربه المسرحيه،لكن مشكلتنا اننا لانعرف ان نسوق مبدعينا..والمبدع العراقي مهمش من قبل السلطه الثقافيه ....في القرن الماضي احدث(انطونان ارتو) هزه عنيفه بالاوساط المسرحيه العالميه من خلال طرحه نظريه مسرح (القسوه) رغم ان كل تجاربه في هذا المسرح هي تجارب متواضعه لم ترتقي لتجربته النظريه من خلال كتابه(المسرح وقرينه)بقي تاثيره النظري هو المسيطر على الكثير من تجارب المسرح في العالم. 

*المنفى....هل يؤثر على احمد شرجي الفنان وزملائه في الشتات العالمي بالسلب او الايجاب؟
- المنفى افه تاكل الفنان وتصادر ابداعاته وتحجم عطائه وهذا(راي شخصي) واتمنى ان اكون على خطاء. المنفى عطلني لمده 9 سنوات متتاليه بداءت بالبحث عن مرسى امن لي اضع به قدمي لكني فوجئت بمعرقلات كثيره منها الاخر الذي تنافسه على فرصته وهو ابن البلد ومنها الفنان العراقي الذي يسعى الى تهميشك وتعطيلك لانك تريد العمل..اضف الى ذلك بان الحركه المسرحيه بالمنفى جامده ساكنه بلا حراك ونسمع عن بعض التجارب المهمه هنا وهناك..الساحات المسرحيه في المنافي ليست فيها منافسه حقيقيه من اجل الارتقاء بالمسرح العراقي..المنفى يضج باشباه الفنانين الذين لم نسمع او نرى اعمالهم في العراق وبالتاكيد هذا شبه الفنان يسعى الى تهميشك والغائك والتقليل من شان تجربتك لانك حققت اشياء لم يحققها هو،وانك كنت قد اكدت حضورك في الداخل رغم صعوبه تقبل الداخل للفنان من خلال النقد القاسي للتجربه التي تقدمها او من خلال تقويم تجربتك وهنا اتذكر عندما كنت اعمل في الداخل(تمرين)على مسرحيه (الليل قرص الشمس) وهي من اعداد واخراج الفنان(ياسين اسماعيل) كنا انا والصديق الفنان المبدع(سوران علي شريف) نتسابق اثناء التمارين من اجل استفزاز المخيله والمنافسه الشريفه من اجل الارتقاء بالعمل وكل يوم ناتي الى التمرين ناتي باداء جديد دون ان يلغيني او الغيه،وبعد العرض عندما حصلت على جائزه الفرقه القوميه للتمثيل كان اول من هنئني هو الفنان(سوران)لانه مبدع حقيقي والمبدع لا يخاف من المبدع ابدا ولايصادر منجزه لانهما يقينا يشكلان معا حاله ابداعيه واحده في العرض المسرحي والمسرح العراقي،لكن في المنفى لم ارى هذا الاحساس وفنانين المنافي اذا صح التعبير هكذا وبالتاكيد ليس جميعهم فبينهم فنانون مبدعون لكني اقصد هذا الفنان الذي يسعى الى تكوين ارشيف فني مزيف من خلال علاقات شخصيه وليس من خلال منجزه...فيتصور ان هذا الارشيف سوف يخلق منه فنان وهذه كذبه كبيره واول من صدقها هو نفسه وبالتالي ستبقى هذه (الاراشيف) داخل المنفى ولم يجرءون على اظهارها داخل العراق لانهم يعرفون قدراتهم جيدا،وللاسف هؤلاء هم اول من صادر جهد مبدعي الداخل وسعى الى تهميشه ليس لشيء الا من خوفهم منه لانه مبدع.....هذا هو المنفى رغم انه هناك مبدعين سعوا الى احتضانك وتبني تجربتك ايمانا منهم بموهبتك ومصداقيه الخطاب المسرحي الذي تحمله وبالنسبه لي منذ وصولي الى هولندا والى الان قدمت ما يقارب خمسه اعمال وحاولت تقديم اعمال اخرى ولا اهدف من كل هذا النشاط الا المواصله مع اصدقائي الفنانين بالداخل من اجل الوصول او اللحاق بالتطور الذي يصلون اليه ولهذا تجدني متابع نشط لكل الحركه المسرحيه في العراق ولم تصنع مني هولندا مخرجا او ممثلا بل انا في الوسط الفني منذ منتصف الثمانينات لغايه اواسط التسعينات (سنه المغادره من العراق) لقد عملت مع كل الاجيال المسرحيه من الرواد وعلى راسهم (الاستاذ بدري حسون فريد)و(محسن العزاوي) الى قافله الشباب المبدعين .....المنفى له ايجابيات منها ان تفكر بعيدا عن كوابيس الانظمه الدكتاتوريه وان تقيم تجربتك وتسعى لتطوير الذائقه البصريه من خلال مشاهده الاعمال المسرحيه الاوربيه.

*من المؤكد ان النظام البائد قتل بداخلك اشياءك الجميله،احلامك،اصدقائك الاحبه، دجله والنخيل،الامسيات،وكل شيى يداعب خيالك... ماذا تقول؟
- النظام قتل كل اشيائي الجميله في بلدي، وليس بداخلي فقط وما انا الا فرد من امه عراقيه كبيره تحتضن كل الاديان والقوميات والسلطه سعت الى الى تهديم كل ما هو جميل وجليل ومقدس في بلدي،قتلت روح الفنان وروح الابداع اذ لم يكن هذا الفنان يسير على نهجها كما يقول(رولاند بارت) السلطه تسخر كل الاشياء لخدمه مصالحها الشخصيه تسخر حتى مولود المتعه الجنسيه لكي يكون جنديا مخلصا لها وهذا الراي ينطبق تماما على اهداف السلطه الدمويه في العراق،،،، لقد زرعت السلطه الحزن في كل بيت عراقي من الشمال الى الحنوب هجرت الاف المثقفين والمبدعين خارج العراق وسعت الى مصادره ابداعاتهم وادخالهم بالقوه لترويج سياستها القمعيه وخطابها التعبوي، وبالتالي كان هذا الفنان يعيش غربه حقيقيه داخل بيته وبلده وهذه غربه قاسيه جدا للمبدع والفنان ولكني متفائل بما يحمله المستقبل لبلدي العراق من اسس ديمقراطيه حقيقيه ودستور يحترم الانسان والفنان واتمنى ان تتخذ السلطه الثقافيه في العراق خطوات ايجابيه اتجاه الفنان والمثقف العراقي لتعيد اليه اعتباره.