السنة الأولى                                            موقع الكتروني يعنى بكافة الفنون المسرحية            آخر تحديث  كان 11 آب 2003

 

 

 

 

 

 

 

 
  • ضحايا الحرب على المسرح السويدي

  • مرحبا عام 2003  دراما تدين الحرب وعبث اللامنطق

د. حسين الأنصاري / السويد

 

لم تعد الأعمال الأدبية أسيرة اتجاه تعبيري واحد، بل دأب العديد من الكتاب والفنانين إلى اختيار نصوص أدبية وتحويلها إلى المسرح والتلفزيون والسينما، وقد تلقى هذه الأعمال نجاحات أكبر مما هي عليها في النص الأصل، ويكون هذا تبعا لطريقة تناولها وتوظيفها في أشكال وبنى إبداعية جديدة.

وضمن هذا السياق تأتي مسرحية (مرحبا عام 2003) التي أعدها واخرجها الفنان:

 (Marek Kostrzewski) وتقديم المعهد العالي للفنون المسرحية في مالمو.

النص المعد تم بناءه عن سبعة نصوص أدبية وفنية انتقى منها المعد ما يفق ورؤيته الفكرية ليوضفها بطريقة (الكولاج) في نسيج درامي متقن منتجا نصا مغايرا بشفراته وعلاقاته وتأويلاته.

والنصوص التي أستمد منها المعد خطابه الجديد هي :

§         مرحبا عام 2002 لكاتب ملادليسلوف سافيتوفيسكي

§         الجريمة للكاتب هانوش ليفين

§         امرأة في ميدان المعركة للكاتب ماتي فيسنس

§         سراييفو للكاتب غورن ستيفانوفسكي

§         البحار لفرناندو بيسوا

§         القديسة يوحنا لجورج برنادشو

§         الظلمة للكاتب يوهان هيلدابراندت

 

ومن خلال سيرة المخرج كوسترزفسكي يبدو انه ميال إلى تناول الأعمال الضخمة  والموضوعات الإنسانية الكبرى ذات الجذور الحضارية والتاريخية التي تنفتح نحو الآخر دون تحديد الزمكان.

وحسب سيرته الفنية فقد سبق للمخرج أن قدم قبل بضعة أعوام عرضا بعنوان (شكنتالا) للشاعر الهندي (كاليداس). وهذا النص يعتمد في بيته الأساطير الهندية القديمة وبالأخص الملحمة المعروفة (المهابهارتا) قدم العرض بأسلوب تعبيري أحتلت فيه الحركة والتعبير الجسدي حيزا في الفضاءات السحرية والخيالية التي أندمجت ضمن التركيبات  البصرية لسنوغرافيا العرض المستمدة من طبقات النص الملحمية والأسطورية.

إلا أننا نجد أسلوبا مختلفا في تجربته الجديدة مرحبا عام 2003 إذ أعتمد فيه الأسلوب الواقعي الحديث وبمعالجة فكرية لا تخلو من الجرأة في تقديم موضوع شائك وخطير بل أصبح ما يشغل العالم شرقا وغربا انه الحرب!!

هذا الجنون الكارثي والرعب المدمر الذي تحركه المصالح الأنانية والنوازع اللاعقلانية نحو إشاعة الموت والدمار وإلغاء وعي الأنسان بل سحق أرادته لا سيما حين يسود المنطق الواحد للحوار،منطق القوة والاستبداد، منطق اللاتكافؤ بين جبروت الزناد وليونة مشاعر الأنسان وجمال الحياة.

أن عرض مرحبا عام 2003 يضعنا أمام سؤال كبير بل  تحدي لكل من يعشق الحرية والحياة ، اِنه سؤال تاريخي مازال يبحث عن أجوبة مقنعة بل إلى موقف جرئ  يرتقي إلى قيمة الإنسان ومسؤليته إزاء الأخر.

 لماذا الحرب؟

من يصنعها؟

 ومن يروج لها؟

 وما حجم الدمار الذي يخلقه بعد ذلك؟ هذه الأسئلة  تتعقد اكثر وتدخل في مسالك يصعب الخروج منها كلما أمعنا النظر فيما تضمنها دليل عرض هذه المسرحية من معلومات تشير إلى  أن (( اكثر من خمسمائة مليون قطعة سلاح دارت حول العالم ، هذه الأسلحة استخدمت في اكثر من أربعين صراعا مسلحا" منذ عام 1995، كلفت هذه الحروب خسائر تقدر بأربعة ملاين إنسان تسعون بالمائة منهم من المدنين ، وثمانون بالمائة كانوا من النساء والأطفال وفق ما جاء في وثائق الأمم المتحدة لشهر آذار عام 2001.

ففي عقد التسعينات فقط أضطر اكثر من خمسين مليون شخص لمغادرة بلدانهم بسبب الحرب التي غالبا" ما اندلعت نتيجة مصالح الدول الكبرى وباستخدام الأسلحة التي تنتجها وتبيعها للدول المتحاربة وفق تقارير الأمم المتحدة عام 2002. 

عبر هذه الأرقام والحقائق الوثائقية التي لا تقبل الشك وما ينجم عنها من تأثيرات سلبية حيال الشعوب وحياتها ، تأتي قراءة نص مرحبا" عام 2003 عبر صراع  درامي وحوار مشحون بالعواطف والرؤى والأحاسيس التي تشكل بمجملها شبكة العلاقات بين اثنتي عشرة شخصية اختارها المعد من بين شخصيات نصوصه السبعة ليصوغ منها إحداثا درامية تغطي مساحات زمكانية  مفتوحة بتفاصيل مثيرة ترتبط بكل موقف من مواقف ولوحات العرض .

لقد حول المعد المخرج عبر الممارسة الفنية فوق الخشبة موضوعة الحرب إلى حدث مجسد يحيط بمتفرجه داخل الصالة وخارجها، لقد ألغى الواقعية التقليدية واخترق ما هو كائن وأعاد الكتابة المسرحية وفق منظور جديد حمله وعيه النقدي والتاريخي ليعيد صياغته سمعبصريا وفق تركيبات تمزج العادي بالمتخيل واليومي بالتاريخي والمألوف باللامتوقع، وهذا انتج سلسلة من اللوحات التي تنبض بكل ما هو درامي وتنأى عن ما هو جاهز ومباشر، لقد أخترق العرض آفاق توقعات المتلقي وأخذه إلى ما هو أبعد وأشمل جاعلا منه مشاركا ومنتجا للحدث.

رؤية العرض.

منذ البدء تجاوز المخرج أسلوب الفرجة التقليدية وكسر الإيهام المسرحي ليدفع بنا إلى آتون بنيته الدرامية أو ربما ليهيئنا إلى توقعات شتى وذلك من خلال الشاشة التلفازية في صالة الانتظار لتبث شريطا تدور أحداثه عن الخرب وتصريحات مقتطفة من رموزها أولئك الذين تملأ صورهم شاشات التلفزة وصفحات الجرائد، كما  ساهمت التحذيرات الإعلانية المعلقة حول استخدام المؤثرات الصوتية للأسلحة والمتفجرات وغارات الطائرات والأضواء في شحن ذهنية المتفرج بما سوف يسمع ويشاهد داخل فضاء العرض.

بينة المكان بما تشمله من مفردات ومستويات وخامات وأشكال وألوان وأضواء وما تخضع له من توظيفات شكلية وجمالية حددتها سينوغرافيا العرض التي أنجزها الفنان Jans Arbén توحي بأجواء مدينة يسورها الخطر ويداهمها الموت في كل لحظة، كل شيء يوحي بالترقب والخوف فأكياس الرمل سواتر للحماية من شظايا القصف، وبلاط الشوارع أصبح أسرة نوم للمشردين الذين يلتحفون ورق الجرائد في الأقبية المظلمة. يزداد إحساسنا بقسوة المكان وخشونته من خلال تلك المواد التي استخدمت في الديكور أيضا حيث نجد الصخور والأحجار والأعمدة الحديدية الصلبة تلك التي طليت باللون الأسود والممتدة إلى أعلى فضاء الخشبة تحيلنا إلى قضبان سجن أو زنزانة مظلمة. إلى يسار الأعمدة انتصبت طاولة فوقها جهاز حاسوب وفي الخلف علقت عشرات الصور، المكان يجسد مكتبا صحفيا وهو ما عمد إليه المخرج ليبرز دور السلطة الرابعة حيث جعلها محورا موازيا لقوة السلاح، بل إنها ربما تكون الأخطر في الحروب الحديثة بإمكاناتها وتقنياتها المعلوماتية الهائلة، تتخذ هذه السلطة جانبين متناقضين يرتبطان بتلك الأهداف والمصالح لمن يقفون وراءها، فنجد الخط الإعلامي الجاد والملتزم بقضايا الإنسان وهمومه ممثلا بطموح الصحفية المثابرة التي لا تتوانى عن متابعة تفاصيل أولئك البشر ومشاكلهم عن قرب، لعبت هذا الدور الممثلة Pia Örjansdotter والخط الثاني الذي يسخر الصحافة وسيلة للإعلان والتجارة والربح على حساب ألم الإنسان وأوجاعه حيث تتحول الصحافة إلى أداة للتزييف والتبرير والإشهار لصناع القرار وأصحاب رؤوس الأموال.

في وسط الخشبة نرى أيضا ضمن سينوغرافيا العرض بركة ماء وظفت لأن تكون مكانا للقاء تلك الشخوص المتعبة والعطشى وسبيلا للحلم والأمنيات التي ظلت محض خيال يداعب مخيلة العشاق والمحبين للحياة إذ تودع فيها إحداهن أمنياتها فوق زوارقها الورقية ترقب رحيلها المفترض وتلوح لوداعها على أمل للقاء ليس ببعيد.

لقد أراد المخرج أن يعمم المكان بكل تفاصيله ومأساويته فجعل مداخله مفتوحة من جهاته الأربعة ليشير إلى أن ما يحدث يمكن أن يقع في أي ركن من العالم شمالا أو جنوبا ، انه الفضاء الشمولي والكوني المفترض فنيا. أن هاجس الحرب يتغلغل في كل لحظة من لحظات العرض عبر الأحداث والشخصيات المأزومة بفعل ضغوط مفروضة عليها من خارج الذات ، أنها تعاني إفرازات واقع قسري  لا تقوى على مقاومته بل أحيانا تصبح جزءا منه وملمحا من ملامحه، فهذه المرأة فقدت ابنها وأخرى فقدت بيتها وثالثة ضاعت أحلامها وأخرى تصبح فريسة للسماسرة وتجار الحروب ورجل يموت بطلقة طائشة لا يعرف مصدرها والجميع ينتظرون. أن هذا الواقع ينعكس على طبيعة العلاقات بين شخوص العرض فنراها متوجسة بالخوف متلبسة بالعدوانية والأنانية وهي نتيجة طبيعية ورد فعل مباشر لمقاومة الواقع ولم تواجهه من أخطار ومشاكل فنجد البعض لا يتورع في النهب والسرقة بل الإجهاز على جثة شخص قتل للتو والاستحواذ على ما يملك. إن الموت يتحول هنا إلى رفيق دائم وسلطة العسكر تمارس صلاحياتها المفتوحة في الانتهاك والاعتداء والقتل وسط هذا الدمار يصبح الإنسان مجرد كيان لا قيمة له ترمى جثته خارج المكان دون مبالاة من الآخرين فالدور قادم على الجميع.

هكذا يعمق العرض حدة المأساوية للحدث الدرامي حين يتخذ العنف طابعا سافرا بل يكاد يهيمن على بينية الحدث، فمعظم اللوحات في سياق عملية تفكيك لآليات خطاب العنف والموت الناجم عن الحرب والممارسات اللاعقلانية التي تواجهها البشرية اليوم عبر تمظهرات شتى نجد فيها العنف المباشر والأحقاد المكبوتة والصراعات الدموية التي تغذيها تلك القوى الاقتصادية والإعلامية لدعاة الحرب وتجتلبها تلك الأنظمة الدكتاتورية الطاغية ولكن تدفع الشعوب ضريبتها دائما.

وسط هذه التراجيديا يحاول المخرج أن يترك لمتفرجه فسحة بل بصيصا من الأمل  والفرح لذلك ذهب إلى تضمين لوحاته بعض المشاهد الرومانسية الحالمة حيث الموسيقى والرقص  والمتعة وجمالية الأزياء يتجسد هذا في مشهد العرس لكن هذا الإيقاع البصري سرعان ما يتبدل ويخيم الظلام والصمت بل يستعيد العنف وجوده عند دخول الأم  Nanna Nore  لتحيل حفلة العرس إلى مأتم بقتلها العريس انتقاما لأبنها الذي قتل على أيدي الجنود والذي كان العريس أحدهم. هكذا يشدنا العرض بكل مشاهده ويعلنا نصرخ مع لاعبيه كفى للموت.. لا للحرب.

أن عرض مرحبا عام 2003 توفرت له مجموعة جيدة من العناصر الفنية التي وضعت جهودها في إطار إبداعي متكامل فالإضاءة التي صممها Jan Michelsen  والمؤثرات الصوتية ل Henrik Lagergren  والملحقات والأزياء ل Eva Svensson  والموسيقى ل    ABBA, Arvo Pärt 

  ساهمت كلها بفاعلية وتناسق برسم ملامح وأجواء هذا العرض وتعميق دلالاته السمعية والبصرية.

أما الأداء التمثيلي فقد حسده طلبة السنة الرابعة غي المعهد العالي للمسرح في مالمو  بروح فريق متجانس المواهب استطاع أن يمنح هذا العرض دفقا من الحيوية والتعبير والإحساس بأدق لحظات المعايشة والتحول والمشاركة في بناء المواقف الدرامية من خلال القدرة الصوتية والجسدية المتميزة تحت توجيه خبرة متمرسة في الإخراج وصناعة الفكر ومسرحة النص ضمن مفهوم تعدد الوسائط ومعرفة صياغة خطاب إبداعي يتيح لمتلقيه المشاركة الواعية وإعادة إنتاج المعنى.

إن عرض مرحبا عام 2003 جاء تعبيرا عن ضمير أولئك الفنانين وسط هذه الظروف الحرجة التي يشهدها عالمنا الراهن ، انه صرخة واعية وموقف جريء وملتزم بقيمة الإنسان وحريته ورفض الحرب وكل ما هو عدواني ومدمر لأمال البشرية ومستقبل أجيالها.                                                              

 

هل تريد موقعي هو الافتراضي                       .أضف موقعي إلى مفضلتك     

 

                                             

  لوحة مفاتيح عربية