|
قراءة
في مسرحية "أهل المخابئ"
للمخرج
المغربي كريم الفحل الشرقاوي
مولود القنبي
باحث
في المسرح إدريس بنمسعود: الخميسات
هل من
اليسير أن نرصد عالم عرض مسرحي ونقاربه؟ هل نستطيع بعين المشاهد فقط أن
نتعقب مسار العرض وتمظهراته؟ وما هي المحطات التي تستوقف ناقد العمل
المسرحي أكثر من غيرها؟ وهل أدواتنا إجرائية بالقدر الذي يسمح بإصدار
أحكام حول مسرحية اختلط فيها الإبداع بالتمثيل بالصناعة ودراسة الفضاء؟
أسئلة استوقفتني وأنا أشاهد مسرحية " أهل المخابيء" التي قامت بتجسيدها
فرقة " مسرح نون" يومه الأربعاء 21 أبريل 2004 على خشبة مسرح محمد
الخامس، والمسرحية من تأليف وإخراج المخرج الشاب كريم الفحل الشرقاوي
الذي استطاع أن ينتزع إعجابنا ونحن نشاهد هذا العرض المسرحي الممتع، فعلا
لقد خرج أغلب من شاهد العرض مرتاحا لأداء هذه الفرقة المسرحية والمتكونة
من ثلاثة ممثلين وممثلتين استطاعوا جميعا أن يساهموا في صنع مشاهد مسرحية
بأداء أقل ما نقول عنه أنه متميز. وقد كان موضوع المسرحية خارجا عن
المألوف نسبيا إذا ما أردنا مقاربته في إطار سيميولوجيا المسرح التي
تراهن على تحليل النص والعرض، إذ تناول المؤلف عالما متخيلا مليئا
بالإشارات والرموز في إطار غرائبي، فإذا كانت بعض النصوص قد خرقت الواقعي
وصعدت بشخصياتها إلى السماء كما جاء في رسالة الغفران فإن النص موضوع
الدراسة قد نزل بنا إلى" مخابئ تحت الأرض" ليؤكد رهان المؤلف المخرج عن
رؤية إخراجية تمثّلها ربما قبل كتابة النص، فعند المشاهدة ينتاب المشاهد
شعور بأن المخرج سيّج هذا العمل برؤية إخراجية اختمرت في ذهنه قبل
الموضوع، من أجل ذلك فقط نرى بأن التفوق في الإخراج كان على حساب النص
المسرحي ، بحيث كان التميز واضحا على مستوى الإشارات الإخراجية التي
تجسدت فوق الركح بمهنية راكمها المخرج من اشتغاله السابق بعدة مسرحيات
أهمها النص الروائي " الحجاب " لحسن نجمي والذي نقله إلى عالم المسرح
وأدرمه وجعل منه نصا قابلا للاشتغال الركحي، وبذلك بدا التميز على مستوى
الإخراج جليا في هذا العمل المسرحي وطغى بجمالية على النص كما ساهم في
هذه النظرة أيضا انتصار سينغرافي مبهر ، لأن السينغراف عرف كيف يؤثث فضاء
العرض ويجعل منه لوحة تحت أرضية، قاتمة نعم لكنها معبرة، لأن الفضاء
المسرحي لم يعد مساحة مسطحة أو مكانا بسيطا أو امتدادا يقوم على الإغراق
في الإبهام، بل أصبح حجما من شروط العلاقات الداخلية التي هي جزء من
أسلوب عمله وجزء من رؤيته للفن وللجمال وللعالم(1) وقد حاصر السينغراف كل
شخوص هذا العمل في إطار من ثوب شفاف متيح للرؤية، إطار جعل بين المشاهد
والممثل جدارا خامسا في حين كان المسرح الملحمي قد نادى بتكسير الجدار
الرابع ومعانقة الجمهور لطرح قضاياه بعمق وبتلقائية، هذا في الوقت الذي
حافظت فيه المسرحية منذ بدايتها على نفس الديكور ولم تغير مناظره خاصة
وأن بنية العنوان تتحدث عن مخابئ وليس عن واحد، فكان الأجدر أن يتغيّر
العنوان إلى " أهل المخبأ " أو أن يتلون الديكور للدلالة على اختلاف
المخابئ عبر تغيير جدران المخبأ مرة أو مرتين على الأقل، فقط الصناديق ما
كان يتحرك داخل الركح، فلقد وجد المسرح من أجل أن يخاطب أعيننا وآذاننا
وعقولنا وأحاسيسنا، وجد من أجل أن يخاطب وجودنا برمته.لذلك لابد أن يتحرك
الجسد في الفضاء الركحي وأن يملأه، ولابد أن تدب الحياة في الديكور وأن
تتحرك الأشياء (2)، دون، أن ننسى أن المخرج راهن على تذويب المشاهد في
بعضها وغابت التوقفات الدالة على الفصول، بحيث كانت المسرحية في كلها
تراهن على الإضاءة التي تطفأ في الأحيان إيذانا بتغيير المشاهد ويتم
الانتقال، وربما كان هذا الأمر اختيارا إخراجيا صهر فيه مخرج المسرحية
عناصره غير آبه لا بالمشاهد ولا باللوحات أو الفصول، وعليه فقد تميز هذا
العمل باجتهاد على المستوى الفني لأنه طرح ما أوصله إلى جمالية العرض وإن
كان الموضوع على مستوى المضمون مشتتا بين رؤية ماضوية وإرادة في طرح
الواقع ونقده ورؤية مستقبلية لساكنة المخابئ، وبالتمعن جيدا في قراءة
النص عبر العرض، نجد أن المؤلف استفاد من أكثر من معين مسرحي ونسج موضوعه
في إطار ما يسمى بالمتخيل الرمزي، عائدا بنا إلى مسرح العبث وبالضبط إلى
يوجين يونسكو وصامويل بيكيث ليشتغل على بلاغة الأجساد المشوهة المهترئة
في إطار من التهجين، خاصة وأن بيكيث راهن على شخوص عرجاء أو عمياء أو
مقعدة في العديد من مسرحياته " في انتظار غودو " و" نهاية اللعبة " و "
آه من الأيام السعيدة" وغيرها بالضبط كما فعل يونسكو في مسرحيته الرائعة
" جاك أو الامتثال " حين ظهرت الخطيبة بأنفين ورفضها بحجة أنه يريد خطيبة
أخرى بثلاثة أنوف، يظهر هذا من خلال شخصيتين في مسرحية " أهل المخابئ"
هما الملفوف والذي لف كامل جسمه بلباس مشوه أشارت عروس وهي شخصية في النص
إلى صفاء روحه وتعلقها به، كما تبرز شخصية النصف مقعدة لتبشر بعد زواج
من عروس وبإخصاب اصطناعي عن ميلاد الربع جميلا بعين واحدة وبدون أنف،
ليصل التعامل بالجسد المشوه فوق الركح مداه، بالضبط كما تم في مسرحية
الدجال والقيامة للأستاذ عبد الكريم برشيد حين استعان بجسد لقمان المقعد
الذي كان يتسلل إلى عنبر الحريم وهو يجر جسدا أنهكته السنين.
هذا بعجالة
ما يمكن أن نقول عن هذا العرض المسرحي المدعم من طرف وزارة الثقافة في
إطار دعمها للفرق المغربية، وإجمالا يمكن القول أن العرض في مجمله كسر
رتابة بعض العروض الباردة واستطاع أن يحقق رؤية مغايرة وأن يضيف إلى
المشهد المسرحي جديده.
(1)
الدكتور عبد الرحمن بن زيدان- التجريب في النقد والدراما-منشورات الزمن
عن دار النجاح الجديدة-الطبعة الأولى 2001- ص103.
(2)
الدكتور يونس لوليدي – المسرح والمدينة من مسرحة التراث إلى مسرحة
المقدس-إصدارات أمنية للإبداع والتواصل الفني والأدبي- الطبعة الأولى
2002- ص79.
|