السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  24- 5- 2004

الاحتفالية

بين حد الحقيقة وحد الواقع

 الدكتور عبد الرحمن بن زيدان

 

( يقول جلال الدين الرومي ( الشعرة داخل العين تكون كالجبل العظيم )

ويمكن أن نقول والإحتفالية كذلك ، فهي كبيرة في العيون الكبيرة ، وصغيرة خارج العيون الصغيرة . إن العين إذن، إذا تغير موضع الأشياء أمامها ، وتغير موقعها، فإنه لابد أن تتغير رؤيتها هي أيضا ، فترى تلك الأشياء أكبر مما هي ، أو أصغر مما هي كائنة.

إن مثل هذه العين ، ليست عينا إحتفالية ، لأنها عين مقيدة ، وليست عينا حرة ، فهي لا ترى إلا بحسب ما يسمح لها ،وما يراد لها )

 

بيان تازة للإحتفالية المتجددة ـ تازة 15 مارس 2002

 

ــ مدخــل ..

 

إننا نعرف بأن ( الإحتفالية مع الإحتفال الغني ـ الغني بأحاسيسه وأخيلته ولغاته وعوالمه ورموزه وإشاراته ودلالاته وأضوائه وألوانه وشموسه وظلاله ، ولترجمة غنى هذا الداخل ، فإن الأمر يحتاج إلى إمكانيات مادية كبيرة ؛ إمكانيات تكون في مستوى الإحساس المعبر عنه والمراد ترجمته ومسرحته ، بغير هذا إذن، فإن العملية الإبداية تكون ناقصة ومبتورة، لأنها ستنهض حينها على الإختزال والبتر والمسخ ، وتلك كلها عمليات لا علاقة لها بالإبداع الحقيقي ) 1

وتؤكد الإحتفالية كثيرا على أنها ضد الفقر ، أو ضد فعل التفقير ، وذلك باعتبار أنه (ضد إنسانية الإنسان وحيوية الإنسان وحرية الإنسان وضد روح الإحتفال الكامنة في عمق الإنسان ) 2

إن هذا الفقر إذن، هوعطب وجودي ، وذلك قبل أن يكون عطبا إجتماعيا، وهو شيء لا يستقيم مع غنى الطبيعة ، ولا مع غنى الحياة ، ولا مع غنى الوجود ، وبهذا فقد كان ضروريا أن تتساءل الإحتفالية ، بخصوص ذلك الفعل الذي يؤسس الفقر، وأن تقول :

ــ من أين يأتي هذا التفقير ؟ ومن يصنعه ؟ ومن يروجه ؟ ولحساب لمن؟ أو لحساب ماذا يكون ؟

ــ هل لحساب الوجود أم لحساب العدم ؟

ــ هل لحساب الفراغ أم لحساب الإمتلاء ؟

ــ هل لحساب الموت أم لحساب الحياة ؟

ــ هل لحساب القبح أم لحساب الجمال ؟    

ــ وهذا الفقر ـ العطب ، والذي قد يصل حد المرض ، أو حد الوباء، هل يصح أن ندخله في فضاء الإبداع ، وأن ندمجه في فعله ، وأن نؤسس به مسرحا فقيرا، وأن يكون ذلك الفقر ( الجمالي )  غاية في ذاته ؟

ــ وفعل التفقير الذي يلحق الجيوب ، هل يمكن أن يصيب النفوس والأرواح  والمخيلات أيضا؟

إن الإبداع نظام وعدالة وجمال وكمال وحرية وتزازن وتناسق،  والتفقير فوضى وقبح وظلم وظلام ونقص ونشاز، وكيف يلتقيان ؟ وعند أية نقطة يمكن أن يتم اللقاء ؟

ثم إن الغنى والفقر نسبيان ، فقد يكون الفقير ـ ماديا ـ غنيا بروحه وعلمه وخياله وبمشاعره الفياضة، وهذا هو الأساس في مملكة الإبداع .

وبالمقابل، قد يكون الغني فقيرا وبئيسا ومسطحا وفارغا ومجوفا من داخله ، وليس له إلا ما ليس له ، أو ما هو مضاف إلى ذاته ، والذي قد يكون زيا أو قناعا أو عنوانا خداعا ومضللا .

إن الغنى المزيف، هو أن تضيف إليك قيمة مضافة ؛ قيمة لا تدخل في تركيبك العضوي والفكري والنفسي والوجداني والروحي ، وتتجلى هذه القيمة المضافة في الأوراق دائما ، وتكون أوراقا بنكية ، أو تكون شواهد علمية بلا علم، وعليه ، فمن الممكن أن يكون الطلاق بين الذات وحقيقتها، وأن تتحقق القطيعة بينهما في كل حين ، لأن القناع ليس هو الوجه ، واللباس ليس هو اللابس، والدور ليس هو الممثل ، والوظيفة ليست هي شخص الموظف ، والشهادة العلمية ليست هي العلم ولا هي العالم أيضا .

أما الغنى الحقيقي فهو الذي يكون جزء منا . يكون نحن ، ونكون نحن هو، وعليه، فإن مثل هذا الغني ينبغي أن تتم ترجمته إبداعيا ، وأن تكون الكتابة الحقيقية فيه ممتلئة بالصور وبالمعاني وبالحالات والمقامات، وأن تكون المشاهد مزدحمة بالرموز وبالدلالات والإشارات ، وأن تصل المعاني فيها لحد الغموض ، وأن تدرك العبارات عتبات الإدهاش .

إن الإبداع الإحتفالي هو إبداع غني، ورصيده في أبناك المعاني والأفكار والخيالات والصور كبير جدا جدا، وهو يدعو إلى ( إحياء أعياد مسرحية غنية ومتنوعة؛ غنية بنصوصها المحملة بالشعر ؛ شعر الكلمة وشعر الصورة وشعر الحركة وشعر الأضواء والظلال وشعر الأضواء الناطقة والمعبرة ) 3

إن فصل الربيع هو عيد الطبيعة ، وهو مهرجانها الكبير، وهو سلطان كل الفصول، وهل يكون لهذا العيد الطبيعى أي معنى، إلا بغنى ألوانه وثماره ، وبغنى أشكاله وهيئاته ، وبغنى حالاته ومقاماته ، وبغنى تغيراته وتحولاته ؟ ويرى البيان السابع للمسرح الإحتفالي أنه ( من الممكن أن نكون فقراء في سائر الأيام، ولكنه في العطل والأعياد والإحتفالات لا يمكن ذلك . 

إن أجمل الأزياء وأغلاها نحتفظ بها للأعياد، وأشهى الأطعمة والأطباق لها موعد متجدد مع العيد والإحتفال، وأصدق المشاعر وأنبلها  ( نفرج) عنها ـ عادة ـ في زمن العيد .

إن المسرح/ الإحتفال والفقر ( شيئان ) لا يجتمعان ، أو هكذا ـ على الأقل ـ ينبغي أن يكونا ) 4

وقبل هذا، أكد البيان السادس على أن الإنسان والفقر لا يجتمعان أبدا، وعلى أن ( الفقر ضد إنسانية الإنسان وكرامة الإنسان وحيوية الإنسان وحرية الإنسان وضد روح الإحتفال الكامنة في عمق الإنسان ) 5

إن الإنسان ، مثله مثل أمه الطبيعة ، هو بالأساس كائن إحتفالي ، وهو يتجه دوما باتجاه الخصب والنماء ، ويمشي باتجاه الإمتلاء والعطاء ، ويسير باتجاه التجدد والإرتقاء ، وبهذا فقد كان الفقر، مثله مثل المرض والأمية ، أعطابا طارئة في مسيرته الوجودية والعمرية والإجتماعية  .

 

ــ الإحتفالية وروح الفروسية ..

 

يقول الإنسان المبدع ، وهو يعيش لحظته الإبداعية الشفافة والصادقة :

ــ إنني لا أرى في الواقع إلا ما هو حقيقي فقط، وما هو حقيقي هو كل شيء كائن ، الآن ـ هنا، وهوأيضا، كل شيء ممكن الوجود هناك ، أي في المكان الآخر، وفي اللحظة الأخرى ، وهو في الأصل ما يظهره هذا الواقع ، وذلك من صور وأحداث ، ومن حركات وانتقالات ، ومن انفلاتات وشطحات ، وهو ـ في نفس الوقت ـ ما يخفيه ويهربه واقع آخر مركب ومعقد ؛ واقع مختلف ومغاير، له وجود فوق هذا الواقع المنظور، أو تحت هذا الواقع المعيش ، أو ما بعد هذا الواقع المادي والحسي ، وهو الذي تسكت عن ذكره الوقائع عادة ، ولا يمكن أن تراه كل العيون .

أما الناقد المحترف ، في رؤيته الإنتقائية والإختيارية والإختزالية ، وبعكس المبدع الهاوي للإبداع والعاشق للحياة والأحياء ، فإنه يقول ما يلي :

ــ  إنني أرى في هذا الواقع بعضه ولا أراه كله ، وأرى دائما ما أريد فيه، وأغمض عيني ، وأسد أذني عن كل ما لا أريد ، وما هذا الإبداع الشامل كله ، سواء كان في الطبيعة أو في الحياة أو في الكتابات أو في الإبتكارات، ما هو إلا حجة فقط؛ حجة لأستعرض من خلالها معلوماتي، وأستظهر محفوظاتي ، وأستعرض كفاءاتي العلمية ، وأؤكد سلطتي في دولة الفكر والفن وفي مجتمع الناس والأشياء ..

إن المبدع الحق، كما تتمثله الإحتفالية، هو اليوم فارس دونكشوني ، أو هو شخصية سيزيفية تحلم بالسير إلى الأعلى ، وتحلم بالوصول إلى قمة كل شيء في الوجود ، وهي منجذبة دائما ، جسدا وذهنا وروحا إلى قمة الجمال ، وإلى قمة الخيال والإحتفال، وإلى قمة الوجد الصوفي ، وإلى قمة المعرفة والحكمة ، وبهذا العشق الدونكشوتي أو السيزيفي ، أكتب اليوم كل كتاباتي وأحياها مع الناس، وأقتسمها مع رفاقي في المشروع الإحتفالي الكبير .

إنني أعبش كتاباتي قبل أن أكتبها ، وأحسها أيضا ، وأتذوقها ، قبل أن أفكر فيها ، وقبل أن أرتب حروفها وكلماتها وعباراتها ، وقبل أن أسكنها وطن الأوراق البيضاء. إنني أكتب استجابة لنداء الحياة والحيوية، وأحاول أن أضبط كل الساعات على ساعة الإبداع الحقيقية ، وإنني أحاول أن أجعل فعل الكتابة والقراءة جزء مقتطعا من الزمن الإحتفالي والعيدي الممكن ..   

 إنني لا أكتب بالقلم والحبر فقط ، ولا أفكر بالعقل الخالص وحده، وذلك لأن الأساس في الكاتب الإحتفالي هو أن تنكتب به الكتابة ، وأن يفكر بقلبه وبحواسه ، وأن يعتبر الوجود قصيدة شعر، وأن يحول نضاله الوجودي اليومي إلى درجة الدراما أو الملحمة ، وأن يعيش إبداعه ، وأن يكون هو نفسه الإبداع ، أو يكون حرفا أو سطرا أو ورقة في لوحه أوفي سفره .

إنني لا أتصور ناقدا مبدعا يمكن أن يخون ذاته، وأن يتنكر لمهمته الحقيقية ، وأن ينسى أيضا ـ أو يتناسى ـ أنه يمثل الضلع الثالث في مثلث الإبداع ، وأن يتنازل بسهولة عن نصيبه في الشراكة الإبداعية ، وأن يصبح مجرد دركي ، أو مجرد شرطي مرور ، وذلك في دروب الكتابة، وفي طرق الإبداع السريعة والثانوية ، ولا أتصور أن يكون للكتابة عنده معنى تحرير التقارير والمخالفات  للكتاب والمبدعين ، وأن ينطلق من وهم أسبقية قانون السير الإبداعي على وجود السائر المبدع ، وعلى وجود مساره وحركة سيره . إن من طبيعة المبدع الكبير والحقيقي دائما، عندما يكون إبداعه جديدا ومتجددا ، أن يشق طريقه ، وأن يبنيه ، وأن يسميه ، وأن يعطيه وجهته ، وأن يرسم علاماته ، وهو لا يمشي في أي طريق إلا مرة واحدة ، وليس هناك إبداع يمكن أن يمشي في نفس الطريق مرتين ، وإلا كان تمرينا مدرسيا على الكتابة ، وكان استنساخا واستظهارا للقواعد، وكان التزاما بالتوصيات القبلية والفوقية والمتعالية .

إن هذه الإحتفالية إذن، باعتبارها حرية وحيوية ، فإنها لا تغلق الأبواب ـ إن وجدت هذه الأبواب ـ ولكنها تفتحها ، وتكسر أقفالها ، وهي تؤكد دائما على أن الإبداع هو امتداد وجودنا الحقيقي وليس الواقعي ، وليس هناك مبدع يحيا حياته الإبداعية من أجل أن يطبق القواعد فقط ، أو من أجل أن ترضى عنه هذه الجهة أو تلك ، وهذا ما يجعل الإبداع الإحتفالي إبداعا حقيقيا ، ويجعله مسكونا بعنف الحقيقة وبشغبها الجميل والنبيل ..

إنني أكتب كتاباتي الإبداعية متأثرا بكتاب الحياة، وبهذا كنت قارئا نجيبا لمفرداته ولأبجديته الحسية والمعنوية ، ولو أنني كنت أقرأ المكتوب على الأوراق فقط ، ثم أكتب مثله ، ما أسست شيئا جديدا في الوجود، ولما أضفت حرفا واحدا في سفر هذا الوجود اللانهائي. يقول كينث بروكس (إن الأدب لا يكتب حسب صيغ ، وليست لدى الناقد صيغ يقدمها ) 6

نعم ، ولكن الحياة لها صيغ كثيرة ومتنوعة يمكن أن تقترحها ، تماما كما للطبيعة أشكالها وألوانها وأضواؤها ومظاهرها وحركاتها التي لا يمكن أن يحصرها العد، ويمكن للمبدع أن يعيها كلها ـ أو بعضها على الأقل ـ وأن يقبض عليها ، وأن يفككها، وأن يعيد تركيبها ، وأن ينطقها كلاما ، أو يرسمها كتابة أو تشكيلا أو نحتا ، وأن يعطيها إسمه ، وأن ينسبها إلى عبقريته ونبوغه ، ولأن قراءة المكتوب النقدي الجاهز، يمكن أن يضر المبدع أكثر مما ينفعه ، فقد وجدنا كلينت بروكس ينصح المبدع بما يلي (توقف عن قراءة النقد كلية ، أو اقرأ في العلوم الساسية أو في التاريخ أو الفلسفة أو حتى إنظم إلى الجيش أو الكنيسة ) 7

إن قراءة النقد ، يمكن أن يشوش على الإبداع ، وعليه ، فمن الممكن ـ بالنسبة لأي مبدع ـ أن يقرأ المقالات النقدية ، وأن يكون ذلك كما تقرأ الجرائد اليومية ، وأن تتم هذه القراءة الفضولية على سبيل الإستئناس فقط ، وليس من أجل الإستفادة أو التعلم ، وذلك لأنه ليس للمبدع معلم إلا الوجود والحياة والطبيعة والتاريخ ، ونفس هذا النقد، يكون مطلوبا تجاهله ، أو القفز عليه، وذلك عندما (يتحول إلى وصي على الإبداع ) 8

وبعكس هذا، يمكن للناقد أن يؤسس نقده ، وأن يستنبط ( قوانينه) و(قواعده ) من الإبداع المسرحي ومن روائعه ، وهذا نفس ما وجدناه لدى أرسطو في كتابه ( فن الشعر)  حيث أسس تنظيره للتراجيديا الإغريقية، وذلك من خلال قراءته لروائع المسرح الإغريقي القديم ، وليس اعتمادا على الفرضيات النظرية المجردة.

وما يميز النقد المدرسي اليوم، هو أنه يشتغل على نصوص غائبة ، أو على نصوص هزيلة ، وأنه يبني نتائجه على مقدمات مهزوزة ومغلوطة، وأنه يترجم أكثر مما يكتب ، ويستنسخ أكثر مما يؤسس، ويتبع أكثر مما يبدع  ..   

 

ــ الإحتفالية والطفولة المتجددة ..

 

إن العمر المحوري ـ في جسد الإحتفالية ـ هو عمر الطفولة ، وهو عمر مطاطي وانسيابي، يتمدد بشكل مستمر ومتواصل ، وذلك إلى ما لانهاية، ولعل أهم ما يميز هذه الطفولية الإحتفالية، هو أنها تستعصي على الشيخوخة ، ولا يمكن أن تقبل أعراضها  أو منطقها  أو لغتها ، أو معجمها.

إن الطفولة هي العمر الأجمل والأنبل ، وهي الأكثر قربا من الطبيعة ومن الفردوس المفقود ، ومن الكمال الموعود ، وهي الأكثر صدقا وشفافية ، وهي الأكثر تعبيرا عن الحق والحقيقة .

إن الأصل في هذه الطفولة ـ كما تراها الإحتفالية وتحياها ـ هو أن تكون دهشة متجددة أمام الناس والأشياء ، وأمام حركية اللحظة الحية ، وأمام تغير الأشكال العجيبة ، وأمام تحول الألوان الساحرة والمثيرة ، وإن مصيبة هذا العصر اليوم ، أنه عصر المعلومات أكثر منه عصر العلم ، وأنه عصر اليقين أكثر منه عصر الشك، وأنه عصر القواعد أكثر منه عصر الإستثناءات ، وأنه عصر الوفرة أكثر منه عصر الندرة ، وأنه عصر الأجوبة الجاهزة والمعلبة أكثر منه عصر الأسئلة الطفولية والبريئة ( إن المعلومات تحاصر الإنسان في كل مكان ، وهي تحاصر وعينا بالأشياء، وتسلبنا حقنا في الدهشة ، وتأتينا بالأجوبة قبل أن نغامر بالسؤال وفي السؤال )  9

هذه الإحتفالية ، هي التي يمثلها إبداعيا ( الطفل ) عبد السميع ، وذلك في الإحتفال المسرحي الذي يحمل إسم ( إسمع يا عبد السميع ) وعن هذا الكائن البشري الإستثنائي، يروي المداح الأعمى الغرائب والعجائب ، و يقول عنه :

( رفض أن يكبر وأن يشيخ فاختفى . هرب إلى حيث لا يدركه الليل ، ولا تلحق به الشيخوخة والمرض والموت ، وحيث لا ظلم ولا فقر ولا جوع ولا عذاب ، ولا ألم ولا اختناق، ولا أعلى ولا أسفل ) 10

هذا هو عبد السميع ، وهكذا هي الإحتفالية أيضا ، ليس كما هي الآن طبعا، محاصرة بإكراهات الواقع الرديء ، ولكن كما تعشق أن تكون غدا، وذلك في حقيقتها وفي جوهرها وفي روحها وفي دهشتها الطفولية المتجددة .

هذه الإحتفالية أيضا ، مثلها مثل عبد السميع ، لا تعمل إلا من أجل أن يستعيد هذا الواقع حقيقته ، وأن يسترد جسد هذه الأيام طفولته ، وأن يعثر العيد فيها على فرحته الضائعة أو المضيعة ، وأن يلقى الإنسان غناه وعلمه ولغته الفردوسية ، وأن يحقق عافيته النفسية والذهنية والروحية ، وأن يجد التوازن والإنسجام المضيع ، وذلك بين كل القوى والأصوات المختلفة والمتباينة داخله ، وهي تقول دائما ، مع هذا ( العبد السميع ) ما يلي :

( ضيعت زمن الحلم يوم خسرت طفولتي بغير رهان .. عشت الفقر في كل شيء حتى في الحلم .. إنني الآن يا الخامسة أسترد بعض ما ضاع مني ، فلا تحرميني من لذة الفرح .. أنا ما طالبت بمال ولا جاه ولا أي شيء .

يكفيني عالمي هذا .. هذا العالم الذي بنيته بيدي ، وأعليت أسواره بيدي .. إنه كل ما أملك )  11   

 

ــ الإحتفالية ، من الواقع إلى الحقيقة ..

 

إن الإحتفالية ، لا تتمثل الفن ، في مفرده أو في متعدده ، إلا في ظل الحياة والحيوية ، وهي تنحاز إلى روح الحياة ، وذلك في بعدها الحقيقي، وليس في مستواها الواقعي والشكلي واليومي، وذلك لأن ( ما اعتدنا أن نسميه بالحياة ما هو سوى الوجه البسيط للواقع، وإنما ييأس الإنسان لأنه يسيء معرفة الوجه الأكثر اتساعا وجمالا لجهله إياه أو لاعتقاده أنه لا ينال ) 12

وما يهم في الإحتفالية أكثر ، هو أن تؤكد على العلاقات قبل البنيات، وأن تراهن على البنيات المركبة، وليس على العناصر البسيطة فيها ، وأن تبحث في المحركات الخفية، قبل أن تنشغل بالأجساد المتحركة ، وأن تبحث أساسا في فعل التغير والتحول، عن الطاقة الكامنة فيه.

إن الإحتفالي ، لثقته في الإنسان ، لا يدركه اليأس أبدا، ولا يلحق به الملل، وهو يقاوم السأم بالإحتفال والعيد ، وبحاول به ـ وفيه ـ أن يجدد إحساسه بذاته وبالوجود ، وهو يؤمن بقدرته في القبض على المعرفة ، وعلى تجديد هذه المعرفة ، وعلى أن بإمكانه أن يدرك ( الوجه الآخر من الوجود الأكثر اتساعا وجمالا )  

إن هذه الإحتفالية إذن، بولادتها المغربية الجديدة ، تنتمي إلى الثقافة التي أنتجتها ، وكما ظهرت السوريالية في بلد ديكارت وفولتير ومونتيسكيو، فإن الإحتفالية  ظهرت في وطن ابن رشد وابن خلدون وابن طفيل، وهي بهذا جزء أساسي وحيوي من العقلية المغربية ، التي أنتجت الفلسفة الحديثة، ممثلة في أسماء كل من علال الفاسي ومحمد عزيز لحبابي ومحمد عابد الجابري وعبد الله العروي وعبد الكبير الخطيبي وغيرهم .

إن الأساس في الحركة الإحتفالية أنها تجربة إنسانية قبل كا شيء ، وليس هناك تجربة ليس لها معنى أو معاني ، وحول هذا المعنى إذن، يمكن أن تتأسس اليوم دراسات وأبحاث علمية حقيقية، وأن تظهر حفريات معرفية وجمالية متعددة ومتنوعة، وأن تنشأ مدارس نقدية تقرأ هذا المعنى ـ المعاني ، من خلال الإجتهادات الإبداعية التي تجسده وتشخصه ، ومن خلال ما تكتبه  وترسمه وتعزفه وتغنيه وتمثله وتصنعه .

وهذه التجربة ـ المعنى،  لها تاريخ بكل تأكيد، وهي بهذا لم تنشأ من فراغ معرفي وجمالي، ولأنها امتلاء مادي ومعنوي حقيقي ، ولأنها وجود أدبي ورمزي ينتمي إلى الحياة وإلى الواقع وإلى الحقيقة والتاريخ ، فقد كانت  ذاكرة حية ، وكانت وجدانا وعقلا باطنيا ، وتكون لها بذلك مسار وجودي في التاريخ المعاصر ، وكان لها محطات وتمفصلات ، ولها انتصارات وانكسارات.

إن مثل هذه التجربة الحية إذن ـ بغناها الداخلي ، وبمخزونها النفسي والذهني، وبإرثها الحضاري المتنوع ـ لا يمكن أن يتمثلها ـ وبشكل حقيقي ـ إلا وجدان إنساني حي ؟ ولعل هذا ما يفسر أن يكون أكثر النقاد فهما لها هم الذين عايشوها عن قرب، وهم الذين اقتسموا معها نفس الثقافة الإنسانية المعاصرة، وشاركوها نفس الهم والإهتمام ونفس النزعة التأسيسية الخلاقة، وفي هذا المعنى يقول مولود قنبي ( قد تكون الإحتفالية مزيجا من إبداع الغرب والشرق ، من القديم والجديد، لكن ما يميزها هو الإجتهاد، هو محاولة الإنعتاق ، هو التأسيس، هو التأصيل، وفي هذا كله تتاح إمكانية الإبداع الحقيقي ) 13   

 

ــ الإحتفالية وأعطاب النقد المسرحي

 

هي أعطاب حقيقية تصيب آلة النقد المسرحي ، وتجعلها آلة معطلة وغير فاعلة ، وغير محركة ومتحركة ، ويكون هذا الخلل أعطابا عندما يكون النقد آلة ، أما إذا كان جسدا حيا ، فإن ما تصيبه هي الأمراض ، وقد يبلغ هذا المرض حد الوباء، إذا كان أساسه العدوى ، كما كان الأمر مع النقد الإيديولوجي الذي يعكس حالة مرضية عامة ، تصيب البلاد والعباد، ولا ينجو منها إلا الذين يتوفرون على مناعة قوية ، ولقد تحدث رولان بارت عن أمراض الزي المسرحي ، ونتحدث نحن عن أعطاب أو أمراض النقد المسرحي ، ونتساءل، هل هي قابلة للإصلاح والعلاج ؟ ومن يعالجه ؟

( المسرح يعالج، هكذا يردد كثير من الكتاب، والمعالجة تأتي من الإيمان بوجود مرض أو وباء ما، ولهذا فالكتابة المسرحية محاولة للكشف عن أعطاب التاريخ ، وعن الداء الإجتماعي ، وعن الأمراض السياسية ، وعن الخلل الذي تعرفه العلاقات والمؤسسات ، وهذا ما جعلني أكتب بوعي ضدي، أي أبحث عن عالم آخر يكون أكثر جمالا، وأكثر نبلا، وأكثر حقيقة، وأكثر صفاء ، وأكثر شقافية في هذا العالم المرض المثقل بأعطابه ) 14

إن الإحتفالية تؤمن بالآتي ، وترى أنه لابد أن يأتي ، إن لم يكن ذلك اليوم فغدا أو بعد غد ، وترى أن لكل شيء ما قد يخفيه ، وأن لكل فعل ما قد يتبعه أو يضاعفه ، وأن الأساس في الفعل الآتي أن يكون أقوى وأعنف وأصدق وأجمل، وإن لم يكن كذلك ، فما معنى للحركة وللتغير والتحول؟

إن الصمت يخفي الكلام، والسكون يخفي الحركة ، والظلمة تخفي الضوء ، والمأتم يخفي العيد ، و( شيء مؤكد أن السكون يقتل المسرح ، وذلك لأن أساس الظاهرة المسرحية هو الحركة وهو الحدث ، وفي الوقت الذي نفقد الأمل بوجود شيء سوف يقع ، وانتظار وترقب شيء، يمكن أن يكون وأن يحدث ، وفي الوقت الذي نفقد الأمل في مجيء غودو أو في حضور المهدي المنتظر ، فإنه لابد أن يختنق المسرحان معا ، مسرح الحياة ومسرح الإبداع الفني ) 15

ويعيش مسرح المغرب اليوم ، تماما كما يعيش المسرح المغربي أيضا، حالة رهيبة من الإنتظار ومن الترقب ومن السكون ومن ضياع المعنى ومن اختلاط المفاهيم ، ومن فساد اللعبة المسرحية ، وهذا ما يستوجب وعيا ثوريا جديدا ، يتجاوز الأعطاب والأمراض إلى إيجاد مسرح آخر ، بواقع آخر ، وبفلسفة أخرى ، وأن يعمل على إعادة ترشيد النقد المسرحي ، وعلى جعله في خدمة القيم الأبدية والخالدة، وليس في خدمة السلطة الزمنية العابرة ؛ أي سلطة الوزارة أو سلطة 