|
|
الخطاب المسرحي بين المنهج والتقليد
مايرهولد انموذجا
د.
حسين الانصاري
السويد- مالمو
يتشكل
خطاب الابداع نتيجة جدل التعارض بين
الفنان
ومتغيرات الواقع الحياتي , انه محور الصراع الناشىء بين
الرؤى
والارادات
وسعي المبدع الى خلق التألف والانسجام
واعادة
تنظيم العالم وفق فهم
خاص
يستند الى عمق الوعي
ورصانة
التجربة وخبرة البحث لبلورة مفاهيم وانساق
ومناهج
تتمرد
على السائد وتخرق العادي والمألوف . وهكذا يحقق
المبدع
تفوقه في
ادراكه
الشمولي والمتميزلمجريات الاحداث
والوجود .
ولان
المسرح خطاب ابداعي
يتجذر
في بنية المحتمع كان لابد
ان
يعكس هذه التحولات الفكرية والانسانية
على
مر العصور
.
فمنذ
ان خطا رواد المسرح ونقادالشعرقبل الالاف السنين
نحو
تنظيم
طقوس الفرجة
المسرحية واستثمار فضاءات جديدة
لاستيعاب فاعلية النشاط المسرحي
وترحيله من الممارسة
العفوية الى أفاق رسالة قصدية
جمالية
مشروطة بصياغات
المنهج
الكلاسيكي الذي احتضنته
اثينا
القديمة ودعمت برامجه ووفرت له مساحة
من
الديمقراطية , حيث ان المسرح كان بالنسبة لهم حاجة دينية
واجتماعية ملحة
ووسيلة معبرة عن مشاعرهم وطموحاتهم
,
ولما
يزل حتى اليوم يعلن عن قدرته كأداة
للتعبيرفاعلة
ومؤثرة
ومنافسة لابرز الوسائل الاتصالية التي يشهدها
العصر
الحديث حيث
التطورات التقنية والمعلوماتية الهائلة
.
ان صيغ
التطور هذه لم
تأت
دفعة واحدة بل تواصلت عبر
السنين
وسوف تستمر دون توقف
,
فالممارسة
المسرحية اتسع حجمها , وتنوعت اساليبها , وازداد
جمهورها , وتعدد
المشتركون في
انتاج خطابها .
وهكذا
فأن الصلة بين القديم والحديث قائمة ونجد ا
صدا ء
المسرح
اليوناني وتقاليده الراسخة قد انعكست في بنية
التجارب المسرحية
الاوربية
والعالمية التي استمدت الكثير
من هذا
الفكر وراحت تعمل على تطويره
واستنباته في تربة
مجتمعاتها المعاصرة .
ان هذا
البحث المتواصل اتخذ منحى
جماعيا
شموليا نابعا من
خصوصية
التجربة المسرحية بوصفها ابداعا تركيبيا
يتشكل
عبر
فاعلية النصوص وتحولاتها الافقية والعمودية التي
تحصل
اثناء عملية
المسرحة
ابتداءا من نص الحوار ومرورا بأسلوبية الاداء ورؤية
الاخراج بما
تتضمنه من
عمليات هدم وبناء لتنظيم
واعادة
تشكيل العناصر السمعية والبصرية
والحركية التي
تسهم
في انشاء معمارية العرض الكلية لدى نص المتلقي
ودينامية
التقبل التي
تمنح العرض وجودا بالفعل وتواصلا
دائما
عبر نشاط الجمهور
المتلقي
وتعددية
القراءات التي لاحصرلها من عمليات التأويل
والتكثيف الدلالي
واعادة انتاج
المعنى .
ان
صيرورة المنجز المسرحي لا يمكن ا ن تتبلور
كصيغة
ابداعية مالم يخضع الفنان ادواته ومفرداته الى
مستوى
البحث والتجريب
الممنهج حيث ان هذا الاشتغال
الواعي
والتوظيف المبتكر للعلامات والرموزضمن بنية
الحدث
الممسرح يجعلها تختزن بالرؤى والدلالات المتعددة التي
تحيل
الافكار من
اطارها الذهني
المجرد الى التجسد
الملموس وبالتالي تكتسب التجربة المسرحية جوهر
حيويتها
وتجددها
والفضل
في ذلك يعود بالاساس الى تلك المحاولات
المختبرية
المنهجية التي تزامنت مع مراحل التأريخ المسرحي . واذا
اردنا
تمحيص
ذلك سنجد
الكثير من الورش المختبرية التي
تبلورت
وفق مناهج علمية
موثقة
بشقيها النظري
والتطبيقي يقف وراءها مخرجون لامعون
يملؤهم
الحماس وقوة الخيال
والموهبة ونزعة التجريب
والتجديد امثال فيزفولد مايرهولد , ستانسلافسكى
,
برتولد
برخت ,غروتوفسكي
, بسكاتور, انتونين ارتو , كوردن غريك
,
كانتور .
يوجين باربا ,بيتر بروك وغيرهم
ان
مااعتمده هؤلاء من مختلف المناهج والاساليب
والتجارب
عمق
المسار المعرفي والجمالي للعملية المسرحية وأمدها
بنسغ
التجدد
والمواكبة
للتحولات الجارية فكريا وفنيا
وذلك
من خلال التجريب
المستمر
ومحاولات الاجتهاد في أليات البنية المسرحية وبما يجعل
منها
خطابا تواصليا
فاعلا وبما يجسد حلم المبدع في صياغة
واقع
اجمل .
حول
اهمية
المنهج
المسرحي وتطبيقاته وتأثيره في حركية
المسرح
الحديث تحدث المخرج د. فاضل
الجاف
الذي استضافته
الجمعية الثقافية العراقية بمدينة مالمو السويدية
مؤخرا
,
والجاف هو مخرج واكاديمي , درس المسرح في جامعة بغداد
واكمل
دراساته
العليا في
جامعة لندن- كلية كولد سميث
–
متخصصا
بالاخراج التطبيقي وبعدها سافر
الى
روسيا للحصول
على
شهادة الدكتوراه بعد ان قدم اطروحته عن منهج
مايرهولد
وتأثيره في
المسرح الغربي وهي الان كتابا قيد
الطبع,اخرج وكتب وترجم العديد من
الاعمال المسرحية في
السويد
وخارجها , عن مايرهولد وتجاربه يقول
يعد
فيزفولد
مايرهولد من
ابرز اعلام المسرح العالمي
,
لما
يتمتع به منهجه من اضافات نوعية
واكتشافات متنوعة في
عمل
الممثل وافاق التجربة المسرحية بشكل عام
,
فمايرهولد
يلخص
تجربته قائلا : ( مهنتي المسرحية , هي جميع عروضي
التي
كانت
نقدا ذاتيا
متواصلا , فسيرة حياة الفنان
الحقيقي ماهي الا تأريخ حياة انسان
يشعر
بعدم الرضا عن
النفس
على الدوام , ان الفنان يصبح حاذقا لا لكون
الطبيعة
قد منحته
الموهبة , بل لكونه يجسدها في عمله
العظيم
للغاية )
ان
تجربة
مايرهولد
اتخذت مرحلتين الاولى هي مرحلة ماقبل
الثورة
والمرحلة الثانية هي فترة
العشرينات التي اعتبرها
النقاد
انذاك الفترة الذهبية لمايرهولد والمسرح
الروسي
كونها
انتجت فنا وادبا يرتكزان على الاسس الايديولوجية
والمفاهيم
الثورية ,
متناسين كل ماانجزه في المرحلة
الاولى
من ابداعات خالدة
لقد
ركز
النقاد هنا
على الجانب السياسي في مسرح مايرهولد
متجاوزين ما تحقق في المستوى
الجمالي وما اضافه من
ابتكارات في عمل الممثل وطرق اعداد الدور عبر منهجه
الذي
عرف ب
((البايوميكانيك )) والذي كان حصيلة خبرته وتجاربه
الواسعة في
انتقاء
واكتشاف تمارين خاصة تقوم على اساس
تعدد
المصادر الاكثر دينامية وتأهيلا
للممثل
في اتقان
الدور
منها مايتعلق بالسيرك,موسيقى الصالة,
الملاكمة
,الجمناستيك
, تدريبات الجيش ومنها ما يرتبط بجوانب
المسرح
الصيني
والكابوكي
مضافا اليها ابحاثه في الاشكال
المسرحية والتي في ضؤها اوجد عددا من
التمارين التطبيقية
القائمة على الاعراف والتقاليد المسرحية المختلفة
وذلك
خلال
عمله في مرحلتي ما قبل الثورة وبعدها
.
ان
الاهتمام بمسرح مايرهولد
ومنهجه
بدأ في العشرينات من
قبل
المخرج البريطاني ب,دين والكاتب الالماني
التعبيري
تولر ,
والامريكيين دانا والمخرج لي سمنسون اضافة
الى
بيسكاتوروبرخت وغيرهم
ومع
مطلع السبعينات ازداد الاهتمام بدراسة ما
ابدعه
مايرهولد من قبل الوسط المسرحي الناطق بالانجليزية , وقد
اتخذ
طابع
البحث المنظم
ابتدءا من نشر مؤلفات المخرج
وتقديم
دراسات عديدة عنه
تناولت
القضايا
المتميزة في اعماله .ويعلق عددا من
النقاد
والمبدعين حول مسرح مايرهولد
من
بينهم
الناقد
الشهير مايكوفسكي بقوله ( المسرح ليس بمرأة عاكسة
بل
زجاجة
مكبرة ,
استعارة تكشف حقيقة مسرح مايرهولد
)
اما
الفنان بيكاسو فيقول ( اذا اردت
تعلم
التكوين في
الرسم
عليك بدراسة مايرهولد
)
ازاء
هذا الرصيد الكبير
والانجاز الخلاق لهذا المبدع
المسرحي منهجا وتطبيقا لم يصل منه لثقافتنا
العربية
الا
جزء يسير فما زال هناك لبس وسوء فهم كبيرين بسبب
الترجمات غير
الدقيقة
والاراء المنحازة التي اعتبرت
مايرهولد مخرجا ايديولوجيا اختصرت جهوده
على
نشر افكار
الثورة
وبرامجها للفلاحين والناس البسطاء بأساليب
وتقنيات
بسيطة جدا
.
هذه
الاراء وغيرها مما نقلت او ترجمت عن مصادر كانت
تعمل
ضمن
جوقة النظام
الستاليني حينها هي التي يتناقلها
بعض
نقادنا والتي بالتأكيد تجانب
الحقيقة فقد قرات موخرا
مقالا
للناقد طارق العذاري نقله الناقد عواد علي في
معرض
تعليقه
حول بعض الافكار والمقترحات التي تخص المسرح
العراقي
الجديد
في
مقاله – رهانات المسرح العراقي – المنشور في جريدة
الزمان
العدد 1808
ألخميس 13
أيار 2004
ان
مايرهولد الذي تبنى الفكر الاشتراكي واخلص له لم
ينظم
الي
تيار الواقعية الاشتراكية , بل عارضه وخالف سياسة
النظام
عبر اعماله
الجريئة
والمتحدية كما تجسد ذلك في
رائعته
اوبرا ليدي ماكبث من
ميتسينسك , التي وضع موسيقاها المولف –ديمتري سستاكوفتش
, هذا
العرض
دفع رمز
النظام ستالين الى التفكير بضرورة
التخلص
من مايرهولد , المخرج المولع
بالتحدي والافكار
الطليعية , وهكذا شنت
ضده
حملة اعلامية هاجمت عروضه وهمشت
انجازاته التي كانت
تبتعد
عن تمجيد النظام مثل مسرحيات
المفتش
العام , اريد
طفلا , الغابة
وغيرها
وهكذا
ضيق الخناق على مايرهولد واغلق مسرحه
وازدادت
الضغوط
عليه بأيعاز من ستالين مباشرة والحزب واجهزة
المخابرات ,
الامر الذي انتهى بأعتقاله بتهمة زائفة الا
وهي
التجسس لصالح
بريطانيا
واليابان وليتوانيا والتعاون مع تروتسكي ,وعلى اثر
اعتقاله كتبت
زوجته الممثلة
الشهيرة – زينادا –
خطابا
شديد اللهجة لستالين مباشرة ادانت فيه
هذا
السلوك
وتدخل
السلطة السياسية بشؤون المسرح وبالمقابل منع
فنانواالشعب
الحقيقين من
التدخل بالسياسة , وبعد ايام
لقيت
زينادا حتفها بعد ان اصابتها عدة
طعنات
بسكين داخل
بيتها .
وفي
الثاني من شباط1940 نفذ حكم الاعدام بمايرهولد
ايضا
في
سراديب الهيئة العسكرية وبذلك انتهت حياة هذا المبدع
الكبيرواسدل
الستار على كل
ماتركه من ارث فني وابداع
جمالي
.وخلال الخمسة عشرة عاما التالية
لم
يذكر اسمه
ومنع
منهجه وتجاربه وكتاباته لكن شبحه ظل مخيما على
المسرح
الروسي وانتقل
صدى انجازاته الك المسارح العالمية
كما
ظهرت في البرلين انسامبل
عند
برخت وبسكاتور
ان
مايرهولد اسما لامعا في تأريخ المسرح الروسي فهو
يمتلك
موهبة فذة
وخيالا متوقدا ترك اثره على عدد غير
قليل
من الفنانين الروس وتلاميذه
امثال
المخرج السينمائي
الشهير
ايزنشتاين الذي يقول ان الثورة ضربت
المبدع
الكبيروالحقيقي في المسرح الروسي فيزفولد مايرهولد بينما
هيأت
ظروف
العمل
للمحافظين امثال قسطنطين ستانسلافسكى والانتهازيين امثال
تايروف .
والجدير بالذكر ان معظم تراث وابداع مايرهولد النظري قد
تم
اخفاءه لدى
ايزنشتين
لسنين طويلة اتطلاقا من حرصه
واعجابه بما انجزه استاذه وانعكس ذلك في
اعماله
لاسيما
منهج
البايوميكانيك الذي افاد منه في فيلمه الذائع الصيت
ايفان
الرهيب وكذلك
وظفه في فكرة المونتاج السينمائي
التي
تعد من ابرز انجازاته
السينمائية .
وتضمنت
الامسية التي ادارها كاتب المقال عرضا لمشاهدمن
بعض
العروض
المسرحية التي اخرجها الفنان فاضل الجاف منها
الف
ليلة وليلة التي اعدها
البريطاني دموني كوك وقدمت في
مدينة
هلسنبوري السويدية اعقبها نقاشا مفتوحا مع
الجمهور
الذي
اثار اسئلة ومداخلات حول المسرح والجمهور والسلطة
والتأثر
والتأثير
والمناهج وتطبيقاتها في المسرح الغربي
والعربي عموما والعراقي بشكل خاص
.
|
|