السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  24- 5- 2004

* الوسام

  (مسرحية في فصلين)

* ماجد الخطيب

* الطبعة الأولى 2003 م

* جميع الحقوق محفوظة

* لوحة الغلاف للفنان لؤي سعيد

* التصميم والطباعة: مؤسسة سندباد ـ دمشق

* منشورات أقواس للنشر والتوزيع

Pijperring 154 - 2625 EL Delft

The Netherlands

Tel./Fax.: 0031 (0) 152616864

E-mail: aqwaas@Planet.nl

www.aqwaas.nl

* توزيع: الفرات للنشر والتوزيع

  ص.ب: 6435 ـ 113

  بيروت ـ لبنان

  هاتف  9611750054

  فاكس 9611750053

Email: daramawaj@inco.com.lb

www.alfurat.com

ماجد الخطيب

الوســام

(مسرحية في فصلين)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الإهـداء

 

 

 

 

                 إلى ملك...

                     لولاه ما رأت

                     هذه المسرحية

                               النور..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الشخصيات

– الأب والأم

أبو حسين      : (الحاج كريم) الأب، بزاز (بائع أقمشة)

أم حسين      : الأم

– الأبناء

حسين          : الابن الأكبر، 40 سنة، عامل

سلام            : الابن الأصغر، طالب إعدادية، 17 سنة

طه               : الابن الأوسـط، مهندس بحري عسـكري، 26 سنة

– الجيران

مكي             : نجار، 50 سنة

سعيدة                   : زوجته

– شخصيات أخرى

: الدكتاتور، الضابط، رجال شرطة، الجنود، المتسول، العامل، الرجل في البار، المصور، الطفلة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

 

المشهد الأول

(بيت بصري بسيط في محلة الجمهورية. صالون واسع تفصله ثلاثة مقاعد عن مطبخ صغير في اليمين. "ملاحظة: الجهتان اليمنى واليسرى تتحددان من جهة الجمهور". في المطبخ طباخ غاز صغير موضوع على منضدة واطئة. قنينة غاز رمادية، على الطباخ المشتعل طنجرتان تتصاعد منهما الأبخرة. في مواجهة الجمهور تبدو في المطبخ خزانة للصحون دون أبواب.

أما الصالون فكبير نسبياً. أريكة خشبية عند الجدار الواقع في خلفية المسرح في مواجهة الجمهور. بابان صغيران على جانبي الأريكة وفوقهما على الجدار صورة كبيرة مؤطرة لشيخ مسن. سرير على الجهة اليسرى وقربه مرتبة صغيرة. مروحة سقفية.

أم حسين وسعيدة تجلسان في المطبخ تتجاذبان أطراف الحديث).

(يندفع مرافقو الدكتاتور إلى صالة العرض من ناحية الجمهور وهم يزعقون بالناس بوحشية. يتحركون كالدمى (الروبوتات)، يتقلدون مسدساتهم ويحملون الرشاشات. رفعوا اردان قمصانهم إلى أعلى ويضعون بيرياتهم في كتافيات قمصانهم. يتحرك الضابط كالدمية إلى مقدمة المسرح ويقف مواجهاً الجمهور، متوثباً وبندقيته مشرعة.

يدخل الدكتاتور. يرتدي زياً عسكرياً ويعتمر كوفية حمراء، يحمل مسدساً رشاشاً في وسطه، يدخن السيجار ويؤدي التحيات بيده إلى الجمهور. ابنته تمسك بيده ويحمل في يده اليسرى جهازاً صغيراً كالحاسبة الإلكترونية أو الريموتكونترول.

المرافقون جامدون. يكبس الدكتاتور على زر في الجهاز فيتحرك المرافق الأول، يوقف أحد المتفرجين ويفتشه).

المرافق الأول  : اكعد!!

                   (يتلفت)

المرافق الثاني          : انته أبو شوارب، شمالك تتلفت مال العمة!!

          لحد يتحرك! ... واللهِ اللي يرفع أيده أصليه صلي!!

(الدكتاتور يوزع الابتسامات. يكبس زراً آخر فيتحرك المصور ليصوره في عدة أوضاع. يصور الجمهور أيضاً. أم حسين وسعيدة تنتفضان، تلبسان عباءتيهما وتنطلقان إلى مقدمة المسرح ثم إلى أسفل. أم حسين تداري ارتباكها وخوفها بأن تحاول إطلاق زغرودة لكن صوتها لا يسعفها. تعوض عنها سعيدة بأن تطلق زغرودة رنانة)

(وحشية المرافقين تزداد. أم حسين وسعيدة تستقبلان الدكتاتور بفرح وتنضم إليهما جوقة من مختلف الأشكال: مصري، سوداني، هندي، كوري... الخ).

أم حسين      : (تهّوس)

          : جده حسين أبو الثوار كلكم تعرفونه

سعيدة                   : أي أي أي

المصري         : اييييوووووه

أم حسين      : زلمه خشنة ويه الفرس ما كدروا يلاوونه

سعيدة                   : أي أي أي

المصري         : اييييووووه

أم حسين      : بالقادسية نموت كلنه وفدوة نروح لعيونه

                   ها ها ها

                   قعقاع اسمك هز الكاع

                   قعقاع اسمك هز الكاع

(أم حسين وسعيدة تخلعان عباءتيهما وتهوّسان، تشاركهما الجوقة. يكبس الدكتاتور على بضعة أزرار فيصعد مرافقوه والمصور إلى المسرح ويتخذون مواقعهم. تتبعهم أم حسين)

أم حسين      : هله بيكم يمه.... هله بهالوجه الحلو.... تفضلوا عيوني... على راحتكم... كل الهله

الدكتاتور        : هله بيج خاله

(يسرع مباشرة إلى المطبخ، يرفع غطاء الطنجرة ويشم المرقة. المصور يلتقط)

          : هاي شنو طابخين اليوم؟ ما شاء الله! مركة شِجَر! نكدر نضوك؟

أم حسين      (تناوله ملعقة)

                   : تفضل عيوني

(الدكتاتور يشير إلى المرافق الذي يختطف الملعقة من يده ويذهب إلى الطنجرة)

المرافق الأول  (يخوط بالمرقة)

          : اشو لَحَمْهَه قليل!

(يذوق المرقة، يفرقع بلسانه، يجمد بضع لحظات ثم يوميء إيجاباً. يأخذ الدكتاتور الملعقة ويتذوق المرقة. المصور يلتقط. تبدو إمارات التقزز ظاهرة على الدكتاتور من المرقة بعد انتهاء بوزات التصوير. يناوله المرافق منديلاً يمسح به فمه)

الدكتاتور        : فد كلاص مي!

المرافق                   : يللّه شوفي شغلج!!

                   (تركض أم حسين وتأتيه بقدح ماء. لون الماء أصفر. المرافق يخطف القدح)

المرافق                   : هذا شنو؟ شربتْ برتقال!

أم حسين      : لا عيوني هذا ماي، من الحرب وليهسة ماي البصرة أصفر ومّرمك.

(المرافق يضع القدح قرب الطباخ متقززاً. الدكتاتور يغادر المطبخ إلى الصالون يلحقه المصور والمرافقون)

الدكتاتور        : وين الزلم، شو ما كو أحد؟

أم حسين      : بالشغل يمّه. أبو حسين يروح لك فدوة يشتغل بزاز بالسوك وسلام طالب بالمدرسة.

(المصور يجلس أم حسين على نفس الأريكة التي يجلس عليها الدكتاتور ويلتقط الصور)

الدكتاتور        : وبعد؟ هذوله كلهم؟

أم حسين      : لا يمّه، خادمك طه ضابط مهندس بالبحرية وما نشوفه غير مرة وحدة بالسنة وحسين يشتغل بالميناء.

الدكتاتور        : حسين الجبير؟

أم حسين      : أي، الجبير.

المرافق         : سيدي، حسين هذا جان من المعارضين، وليهسة رأسه يابس وما يقبل ينضم للجيش الشعبي. احنه عدنه معلومات أكيدة عن علاقته باخوانه المخربين بالخارج.

الدكتاتور        : ليش؟ بعده يحن لجماعته؟ خل يروحلهم منو لازمه، جماعته هناك بأوربا ينامون بالمحطات ويشربون فودكا. لو يريد يلعب بذيله؟ ما يخاف يرجع للمستشفى؟ مو هالشكل تكتبون بالرسائل لأوربا! “والله فلان مريض وطب للمستشفى” و”فلان طلع من الكرنتينة”... عبالكم احنه نايمين، لا احنه ما نايمين وعيونّه مفتحة والحمد لله وما عدنه شي اسمه وسط، لو أبيض لو أسود، خلي حسين يفهم أنّو الرمادي عدنه ما يمشي

          (بشدة)

                   : لو يلبس خاكي لو نلبسه أبيض!

: على أية حال هيجي نماذج لا يمكن أن تؤثر على مسيرة الثورة. لأن الخصوصية البعثية المستمدة من الواقع الموضوعي الملموس للمسيرة التاريخية الظافرة للثورة تستلهم جماهير الأمة العربية الصميمة اللي تتجاوز تداعيات من هذا النوع. وهذه أمور ما تفوت على حساباتنا الوطنية والقومية.

(يتلفت. لا أحد يصفق. يكبس على أحد الأزرار فتتقدم الجوقة حالاً وتؤدي الصفقة البصرية المعروفة)

(تتقدم ابنة الدكتاتور بحذر نحو جهاز التوجيه وتحاول كبس أحد الأزرار. ينتبه الدكتاتور إليها فينقل الجهاز إلى الجهة اليسرى. تكرر الفتاة المحاولة من الجهة الثانية فيعاود نقل الجهاز بعيداً عنها)

أم حسين      : العفو أستاذ، تره حسين كلشي ما عنده...

          (يقاطعها)

الدكتاتور        : أستاذ شنو!!

                   (بحدة)

المرافق                   : كولي سيدي!! سيدي!!

أم حسين      : العفو سيدي. حسين وقّع وعاف الأكو والماكو وبعد ما له غرض بالسياسة. إن شاء الله ما يصير غير الخير، بجاه الله ورسوله.

          (في وضع دعاء)

: كلنه بخدمة الثورة والحزب، الله يطّول عمر الحكومة.... الله يطّول عمر الثورة.

المرافق         : وعندهم ولد وبنية يدرسون بالخارج سيدي. واحد اسمه عبد الرحمن ويدرس بموسكو والبنية اسمها أمل وتدرس ببلغارية و......

أم حسين      : ما عدنه صلة بيهم، احنه بريئين منهم. لاعدنه فلوس اندزلهم ولا رسائل نكتبلهم، والله العظيم أستاذ....

الدكتاتور        : هم كالت أستاذ....

          (يقذفها بالنفاضة)

المرافق         (مفكراً)

: ها، يعني من هذا ما معلكين صورة السيد الرئيس!! شنو يابه هذا المعلكين صورته؟ الموناليزة خو مو الموناليزة؟!!

(فيما يحملق الدكتاتور بصورة الرجل المسن بغضب تتسلل الفتاة إلى جهاز التوجيه وتكبس أحد الأزرار. فوضى عامة. المرافقون يزعقون ويطلقون النار في كافة الاتجاهات، يقذفون القنابل اليدوية وينبطحون. يتفرق الموجودون وكل يحاول أن يجد له ساتراً. تنتهي حالة الذعر بأن ينتبه الدكتاتور للموضوع فيكبس على زر آخر. يتوقف إطلاق النار ويعود كل إلى موقعه بالتدريج).

الدكتاتور        (يضرب الفتاة على يدها)

          : بنتي ميت مرة كلتلج لا تلعبين بالدكم!! يالله امشي نروح!

أم حسين      : يمّه ما صار شي، ابقوا عالغدة..

المرافق الأول  : خلّي غداج الج!! طابختلي مركة هوه.

المرافق الثاني          : ابتعد!!!

المرافق الأول  : افسحوا المجال!!

(الجوقة تتلقى الدكتاتور بالزغاريد عند أسفل المسرح. تبدأ سعيدة بترديد الهوسة ثم تشاركها أم حسين. تنزعان عباءتيهما وتهوسان. المصور يلتقط)

أم حسين      : ها ها ها

سعيدة                   : أي أي أي

المصري         : أيووووه

أم حسين      : جده حمزة أبو حزامين حامي البيت والدين

سعيدة                   : أي أي أي

المصري         : أيووووه!

أم حسين      : حار رأسه وما دنج أبد للفرس الصليبيين

سعيدة                   : أي أي أي

المصري         : أيووووه

أم حسين      : لون عدوا كل صفاته ما لكوا غيره صلاح الدين

سعيدة                   : ها ها ها

أم حسين      : صل يبن الصل يشبه جده وزاد عليه

                   صل يبن الصل يشبه جده وزاد عليه

                   (الجوقة تردد الهوسة)

(ظلام)

المشهد الثاني

(نفس المشهد في الصالون. أم حسين تجلس على الأرض، تنود وتلطم فخذها بين آونة وأخرى. كأنها تخاطب نفسها)

أم حسين      : منين جتنة هالطركاعة.... شراح يصير بينه!.... اثنين بالخارج.... الثالث بام قصر لاخط ولا خبر!.... وهالنوبة داروا عله حسين... شراح يصير بينة!

          (يدخل حسين. يرتدي بدلة عمالية قديمة وآثار التعب بادية عليه)

حسين          : سلامُن عليكم

(أمه لا تجيب ومستمرة في النواح. يتوجه إليها فزعاً، يمسكها من كتفيها ويهزها)

          : شنو القضية، خو ما صاير شي؟

                   (أم حسين مختنقة بالبكاء تعجز عن الإجابة)

حسين          : طه؟

                   (لا تجيب)

حسين          : لو عن أمل ورحمن؟

                   (أم حسين تشير نافية، تتمالك نفسها قليلاً)

أم حسين      : الريّس... جان عدنه الظهر!

                   : (يجفل)

حسين          : جفات!! جفات عدنه بالبيت؟ وشنو المناسبة؟

                   (بجزع)

أم حسين      : وشمدريني آنه؟ أول مرة جِفَتْ بالمطبخ مثل عادته وجيّت عالجدر يشمشم بيه. بعدين راح يسأل عنكم واحد واحد. وما أدري يا هو الكايللهم انته تراسل أمل ورحمن وكايللهم انته معاند وما تقبل تنضم للجيش الشعبي!

حسين          (يهز رأسه دلالة الفهم)

: عجيب غريب! يعني سيادته مالكه رعايا يتفقدهم غيرنه! عاف الدنية كلها وإجه لبيت حجي كريم البزاز اللي كل الناس تعرف لونهم. بيش بلشت يابو بشت! وشلون بشت؟ احمر! بس الله يدري شلون توصلهم المعلومات

                   (ينظر إلى الحيطان والسقف)

          : إذا احنه بيت عله بيت وحايط عله حايط وكل حجينه ابيت مكي وسعيدة!

أم حسين      : لايمّه حرام عليك، مكي مثل أخوك الجبير. هذوله منهّ وبينه، جدرهم جدرنه.

(يدخل سلام. يرتدي بنطالاً وسترة سبورت بلا ربطة عنق. مسرعاً وغاضباً، لا يسلم)

سلام            : يعني هاي الردتوهه؟

حسين          : عرفت؟

سلام            : هسّه كالتلي سعيدة، جانت واكفه بباب الحوش. جان لازم تتمادون بعنادكم وعفستكم إلى أن ينزرب بينه أكثر.

          (إلى حسين)

: يعني جلدك يحكك. ألا يجرجرونك للأمن ويفصلونك من الشغل ويطلعوني من مركز الشباب ويدزوني للجبهة يللّه ترتاح. شراح يصير لو علكنة صورة السيد الرئيس؟

حسين          : يعني عبالك هي مشكلة صورة ها؟ إذا همّه جايين يعرفون أصلنه وفصلنه،

 الصورة شعليهه. هاي موصدفة، أكيد بيهه إنّ!!

سلام            : هوّه منو غيرك الـ “إنّ”! إذا وقعت اعتراف وبطلت، ليش ما تروح للجيش الشعبي؟

حسين          : الجيش الشعبي خليه الك، آنه حرس قومي ما أصير!!

                   (يلج سلام باب الغرفة الواقعة على اليسار)

          (لأمه)

          : صبيلي غده الله يخليج، خو ما خلصوه؟

أم حسين      : لا عيني ما أكلوا، ما عجبهم

(تذهب إلى المطبخ. يخرج سلام من الغرفة حاملاً صورة مؤطرة للرئيس، مسرعاً)

سلام            : وميت مرة كلت هاي الصورة لازم تتعلك هنا محل هذا الشايب!

                   (يرفع صورة جده ويلقيها على الأريكة ويعلق صورة الرئيس محلها)

                   : وأريد اشوف الرجال اللي ينزلها!

          (يدخل إلى الغرفة مجدداً)

حسين          (يخاطب سلام بصوت عال)

: سلام لا تسويلنه مشاكل. كلش زين تعرف أبوي ما يقبل تعلّك هاي الصورة. بعدين ليش تشيل صورة جدك؟ خو دكهه يمهه. صحيح احنه وقّعنه واعتزلنه السياسة بس ما كو داعي تخلي الصورة شك إبليس بيناتنه.. شيلهه! آنه هم راح اكتب لرحمن وأمل وأكلهم بعد لا يراسلونّه، واخليهم يدبرون حالهم.

          (أم حسين تعود حاملة صينية الطعام)

أم حسين      : يمّه حسين، لو تروح فد جم يوم لبيت خالك بابو الخصيب لحد ما...

حسين          : وبعدين؟

أم حسين      : بعدين بلكي ينسون، بلكي يسكتون...

حسين          : والشغل يمّه خو لو يريدون يأخذوني يجون للشغل مثل عوايدهم هاي الأيام. هسّه آنه كلشي ما عندي، دافع بدل ومو حزبي. يعني ما عدهم شي ضدي. بعدين آنه ما أصير حرس قومي لو يذبحوني.

          (يخرج سلام من الغرفة مرتدياً زي الجيش الشعبي ويحمل رشاشاً)

سلام            : رايح للتدريب

حسين          : سلام شيل الصورة كبل ما يجي أبوي!

                   (خارجاً. بوعيد)

سلام            : ما اشيلهه. وأريد أشوف الرجال اللي يشيلهه!!

(قطع)

المشهد الثالث

(ظلام. بقعة ضوء في منتصف المسرح يبدو فيها رجل طويل القامة، يرتدي بدلة قديمة مع صدرية ويعتمر الكوفية والعقال، بيده عصا)

الرجل           : مساكم الله بالخير، آنه حجي كريم البزاز، أبو حسين. الله موفقني وعندي خمس أولاد كبار، وانتو تصوروا اللي عنده أولاد بأيام الحرب شصاير بيه. البزر هالأيام صاروا بله اكشر عله أهاليهم، وما مرتاح باله غير اللي ما عنده جهال مثل مكي النجار. (فترة صمت قصيرة) وشغلي بالمحل ماشي، يعني اكو ازدحام دائماً على باب المحل، وجوكة معاميل جاية وجوكة معاميل رايحة بس مَحّد يشتري. ليش؟ لأن الناس ما يردون ألوان وصاير دردهم يم الأبيض والأسود بس. الخاكي مو يمنه طبعاً، يم الحكومة، ولهالسبب العركة عالكة عد البزّازين عله الأسود والأبيض. والشوارع تغص بهالأسود. ناس لابسه أسود، ناس لابسه خاكي، ناس لابسه خاكي تروح للجبهة ترجع لابسه أبيض. ومن الصبح لليل الناس تتصايح عله خام أبيض وبوبلين أسود، راسي غده طبل وكلساع جايتلي وحدة (يقلد صوت امرأة): أبو حسين، أمي تكول بلكت تضملنه فد طول بوبلين أسود. (يقلد صوت رجل): أبو حسين، الله يخليك ما تدبرلنه فد جم متر خام أبيض نلف بيه المرحوم، وآنه أصيح... ولكم بابه والله ماكو، ومحد يصدك. اكلهم يا عالم ما بيهه شي لفوا المرحوم بمقلّم، بمنبت، بمشجر! بجنفاص! ومحد يسمع. والقماش مْكَوّد بالدكان ملون وحلو... احمر وأخضر وبنفسجي بس الناس لاهية تلهط وره الأسود والأبيض. حته لساني دار وصرت الهج بالأسود والأبيض... يوم الأسود اللي بدت بيه هاي الحرب. حته الأطباء كاموا يلبسون صدريات مقلمة ومشجرة. الناس عمت، لا ماي أسود ولا ماي أبيض نزل بعيونهه بس صار بيهم عمه ألوان. ابني حسين الله يخليه يتفلسف يكللي الحكومة مصابة بمرض اسمه كلوروفوبيه وصايرة تخاف من الألوان. هسه الحكومة تخاف من الأحمر هاي افتهمناها جان يكفي الواحد يلبس بينباغ أحمر حته يأكل طن كتل. سّود الله وجوههم! إي الأخضر ليش كاموا يخافون منّه؟ يكلّك طلعوا الخضر بأوربا، وطلع كتاب أخضر وحزام أخضر وزحف أخضر واخضر بن يوسف و... الخ لونهم صار الخاكي، واللي ما يلبس خاكي يلبسونه أبيض. (ينظر إلى ساعته) ما أطوّلهه عليكم، دك الطوب وهسّه مكي معمر بيكه وكاعد ينتظرني بالوردة البيضاء.

(إضاءة. يدخل إلى البار. تقتصر الإضاءة على المطبخ. تمكن إدارة المقاعد الثلاثة واستخدام منضدة المطبخ وخزان الصحون للديكور. مكي يجلس إلى مائدة الشرب ويحتسي العرق. رجل آخر يجلس إلى منضدة قريبة. يبكي بين الحين والآخر. مكي في الخمسين من عمره. مربوع القامة، حاسر الرأس، يرتدي بنطالاً وسترة بسيطة. الراديو يردد بعض أغاني القادسية).

          (يدخل الحاج كريم وعصاه في يده)

أبو حسين      : سلامُن عليكم.

مكي             : وعليكم السلام، هله أبو حسين، شو تأخرت اليوم؟ صار ساعة من وذّن!

          (يجلس)

أبو حسين      : شنسوي، جنت ادردم ويه نفسي وأخذتني دالغة.