|
في لقاء مع المخرج المسرحي
العراقي د. عوني كرومي
أي تمرد على الشكل المسرحي هو جزء
من التمرد على ما هو اجتماعي
أجرى الحوار: الدكتور عبد الرحمن بن زيدان
بجانب المخرج
إبراهيم جلال و محسن العزاوي وبدري حسون وقاسم
محمد ويوسف العاني وسامي عبد الحميد جواد الأسدي وصلاح القصب وحسين
الأنصاري وعزيز خيون يوجد الدكتور عوني كرومي الذي بصم حركة الإخراج
المسرحي العربي بالتجديد والبحث عن الجميل والفني للتعبير عن تراجيديا
الإنسان العربي المعاصر.
الدكتور عوني كرومي يبحث عن معاني جديدة للفضاء المسرحي باستثمار الفضاء
العربي لتقديم الطقس المسرحي، ويبحث من خلال دراساته النقدية عن خطاب
نقدي يقارب قضايا الإخراج المسرحي في الوطن العربي. من ذاكرته ومن تجربته
الإخراجية، ومن مساهمته في الحركة المسرحية العراقية والعربية كان هذا
اللقاء.
? هل تمكن المسرح العراقي من رسم وإنتاج خطاب مسرحي،
واستطاع تأسيس تجارب على مستوى كتابة النصوص الدرامية وعلى مستوى إعطاء
صيغ مختلفة لمناهج الإخراج المسرحي؟.
¨ قد يكون تحديد مصطلح الخطاب المسرحي في العراق
حديثا وجديدا، ذلك أن الكتابة في هذا المصطلح محدودة جدا، وهذا ما جعلني
أكتب في هذا الموضوع بالذات دراسة تحت عنوان "المدخل لدراسة الخطاب
المسرحي" اقتنعت بعدها أن هذا الخطاب يتكون من مستويين أساسيين هما
المستوى الجمالي والمستوى الفكري، وأستطيع أن أقول أن تجارب المسرح
العراقي تمتلك خطابا معاصرا متغيرا ومتنوعا يختلف حسب تطور المرجع
الاجتماعي والمرجع السياسي في العراق.
في نهاية القرن التاسع عشر،
وبداية القرن العشرين؟ كان يسعى هذا الخطاب إلى التحرر من الثقافة
العثمانية ومن الاحتلال البريطاني فيما بعد، وبعد الاستقلال والتحرر
والسيادة الوطنية جاءت تمظهرات كل هذا في نصوص استخدمت التاريخ العربي
والإسلامي مضمونا لها، ومن شكل الفعالية الثقافية شكلا من أشكال العرض.
منذ البداية أخذ النشاط المسرحي
روح الارتباط أو الربط بين الخطاب السياسي وبين الخطاب المعرفي، وكانت
المعلومات والأفكار والمشاعر تقدم على المسرح من خلال إعادة تقديم أحداث
التاريخ، ومن خلال النظر إلى الواقع اليومي المعيش كأساس لتأويل خلفيات
هذه المرجعيات. ف"تحرير عمورية" و"فتح بيت المقدس" و"وفتح مصر" كانت
دلالات التحرير والتحرر من السيادة العثمانية، وكان التأكيد على اللغة
باعتبارها وسيطا للثقة والتأكد من الشخصية العربية أساس الكتابة
الدرامية. حيث إن المؤلف لم يكن يهتم
–بالرغم من حداثة بنية مسرحيته- برؤية العالم المسرحي كونه عبارة عن
محاكاة أو تقليد، أو إعادة تجسيد لتاريخ ميت، بل كان يؤكد على أن العملية
المسرحية هي حضور للواقعي في الزمن الماضي، فجاءت البنية المسرحية ملحمية
تتقاطع مع التاريخ ومع شخصياته، وتتفاعل مع الوعي اليومي المعيش في صياغة
تستثمر التاريخ كوسيلة لتحريك الوعي بالواقع. أما فعالية الحضور المسرحي
والأداء والتمرين فلم يكن سوى وسيلة للاجتماع والحوار والتفسير والتضامن
والعمل على اختبار المواهب والقدرات بهدف التأثير "في المتلقي"، بل وكانت
المباشرة والخطابية هدفا مقصودا وشكلا جماليا مفهوما ومرهونا بغائية
العرض، حتى المناظر المسرحية، والإضاءة، ومكان العرض، لم يكونوا تقليديين
بل اشتغلت السطوح ودور السينما والصالونات أمكنة للعرض وللتجمع، وكثيرا
ما كان الاحتفال المسرحي يرتبط بالاحتفال السياسي، وكان النظر إلى العرض
المسرحي لا يهدف- فقط
– إلى الاستمتاع بجمالية
العرض،ـوإنما كان الهدف منه هو تقصي المضمون اللفظي الذي يعتمد على متن
النص المنطوق والملقى والمرتب،حتى أن خروج الممثل عن الدور ومشاركة
المتلقي في الهتاف كان فعلا يلازم موقف الممثل وحالة المتفرج للتعبير عن
الحالة الاجتماعية.
وبعد تأسيس الدولة الاجتماعية
تراجع الخطاب السياسي على حسب الفعالية المدرسية والتظاهرة الاجتماعية،
وبدأ ينحو منحة الترفية والتسلية، ومع تركز الدولة وانتشار مؤسساتها
وظهور طبقة التجار والصناعيين والمتعلمين والضباط بدأ النزوع للتظاهر
بثقافة هذه الفئة المسيطرة والتعبير عن حاجياتها الجمالية ومتعها الذاتية
والفردية. فتطور المسرح الشعبي الذي كان يعتمد على الحكواتي والمهرجين
والمحبطين الذين يظهرون في فترات الأعياد والمناسبات ليدخلوا إلى المقهى
لأحياء الأمسيات وتقديم العروض المسرحية الاجتماعية النقدية التي كانت
تعتمد على المفارقة لفظا، وعلى التهريج والمبالغة في إظهار العيوب
الاجتماعية، وما أن تطور الملهى "الكباريه" حتى دخل العرض المسرحي في
فقرة من فقراته، وبدأت الجوانب الأخلاقية والنصائح والحكم، والكشف عن
عيوب الطبقة الاجتماعية المتصدرة بالكونات الملاهي تطفو فوق سطح العرض
المسرحي، حيث كلما بالغ الممثل في نقد السلوك الاجتماعي ونقد العيوب
الاجتماعية إلا وزادت قهقهة المشاهدين الذين أصبحوا ينظرون إلى العرض
المسرحي ككشف لسلوكهم وممارساتهم اليومية.
إن القسوة في طرح العلاقات
البيتية الزوجية، والبحث عن المتع ومشاهد الغرام والثأر والتحدي
والمنافسة في كسب قلوب الحسان كان محورا يستأنس به الجالسون بعيدا عن
هموم السياسة وأزمات الاقتصاد وتخديرا للمشاعر الوطنية التي بردت تحت
جليد الانتداب.
وما أن اشتدت أوزار الحرب
العالمية الثانية وأصبح سوق الكساد يخيم على فعالية المجتمع الاجتماعية
والاقتصادية حتى ظهرت مطالب الطبقات المسحوقة التي أفرزتها بعض الصناعات
الإنتاجية مثل صناعة النفط والحرف والصناعات الخفيفة، وبدأت تطالب بتغيير
وقت العمل وأجور العمال وتطالب بالضمان الصحي والعدالة الاجتماعية إلى
جانب التحرر من هيمنة الاستعمار البريطاني والمطالبة ببناء الدولة
الديموقراطية الحديثة، وقد لامست النصوص المسرحية هذه المشاكل عبر تجسيد
صراع ابن البلد مع المحتل أو صراع ابن البلد مع نفسه في بحث دؤوب عن
الدواء والخبز أو مطالبته بالحرية:حرية القول والمعتقد والفكر فظهرت
مسرحيات تتطرق إلى هذه المطالب وتعمل على تقديم نماذجها، فبدأت المسرحية
النقدية الاجتماعية تأخذ شكلا مغلقا بروح الكوميديا والهجاء والسخرية.
وما أن توجت حركة الوعي الاجتماعي بالتعبير الانقلابي سنة 1958 حتى ظهرت
بوادر تعميق الوعي بالعمل على تقديم النص الأكثر إشكالية في مناقشة
الجوانب الإخراجية فتطور منهج الإخراج والتمثيل وبدأ السعي إلى تحقيق وهم
الواقعي وتجسيد الطبيعة الإنسانية بمفردات من البيئة معمارا وزيا وموسيقى
ولهجة حيث طغت على هذه الأعمال اللغة المحكية بهدف الوصول إلى مستوى وعي
المتكلمين بها، إلا أن خيبة أمل كبيرة نتجت عن عجز التغيير السياسي حين
فشل في تحقيق أحلام وطموحات الذين ساهموا في بلورة التغيير نفسه فجاءت
النكسة والإحباط والانهزامية والانهيار، فظهرت النوازع الفردية والآلام
والشعور بالاغتراب والاستلاب الروحي والمادي على أعمال وكتابات جيل خابت
ظنونه وأحلامه أمام التعبير الانقلابي العسكري الذي اقتنعوا أنه ثورة
اجتماعية ستعمل على تغيير البنى التحتية للمجتمع،يمثل هذا الجيل عادل
كاظم، محي الدين زنكنة، جليل القيسي، طه سالم، نور الدين فارس، ويمثل هذا
الجيل من المخرجين: سعدون العبيدي جعفر السعدي وابراهيم جلال.
من هذه الخيبة بدأ المسرح العراقي
يبحث عن النص الأوروبي كبديل للنص المحلي بهدف التعويض عما كان يفتقده في
الواقع، لكن هذه الموجة لم تستمر طويلا حتى ظهر جيل من الشباب المتمرد
الذي أراد أن يعوض عن الثورة الاجتماعية بالثورة في الشكل المسرحي وفي
التقنية وفي روح المسرح، فظهر "المجددون" الذين أطلقوا على أنفسهم هذا
الاسم منهم: عوني كرومي، علي رفيق،سامي السراج، حميد محمد جواد، فبدءوا
يعملون على التجريب والتشكيل في الفضاء، وهجروا
–لأول مرة-العلبة الإيطالية. وقدموا نصوصا من
أدب "اللامعقول" ومن المسرح الملحمي لبريخت، اعتقادا منهم أن هذه
العروض قد تقلل من حدة الاغتراب الذي نشأ بين وعيهم وبين الواقع
الاجتماعي الذي يعيشونه، وبدأت تتكون اتجاهات أساسية: الأول منها كان
يتبنى العروض النقدية الاجتماعية ويعمل على تقديمها بوسائل واقعية معتقدا
أنه جيل من التنويريين الذين يعملون على رصد ظواهر المجتمع بكل علمية،
ملتزمي بانتمائهم للفكر الشعبي المتمثل في الطبقات الكادحة والفقيرة،وفي
كتابات يوسف العاني ونور الدين فارس وبدري حسون فريد وابراهيم جلال مع
نصوص لطه سالم وعادل كاظم يتبلور هذا الاتجاه الذي هو صورة لأبناء الطبقة
المتوسطة والمثقفة فجاءت روح التظاهر بالجانب الإنساني والتضامني مع آلام
الإنسان وسيلة لتغيير الواقع أو العالم.
أما الاتجاه الثاني فأراد أن يبقى
المسرح كفعالية أدبية وثقافية هدفه الامتاع الفكري الراقي والمحاكاة
الحضارية للمجتمع الغربي والخلط بين التأثر الحضاري والفكري، والتأثر
بحضارة الغرب، فجاءت النصوص مترجمة لمجتمعات أوربية وغربية ولم يستطع
المخرجون تثوير الواقع بقدر ما كان همهم يسعى إلى تجسيد واقع النص
وبالتالي العمل على تعميق مفهوم الأداء ووسائل العرض الموجودة في المسرح
الأوروبي فجاءت بعض الأعمال محاكاة تطبيقية لعروض تمت مشاهدتها من قبل
مخرجين شاهدوها في البلدان التي درسوا فيها المسرح. يمثل هذا الجيل بهنام
ميحائيل، بدري حسون فريد ابراهيم الخطيب.
أما الاتجاه الثالث فهدفه تنمية
وتطوير المسرح الشعبي والاجتماعي الذي يغيب فيه الهم السياسي وتصعد فيه
أشكال السلوكات والأخلاقيات المراد انتقادها بواسطة الضحك الذي يعتمد على
المفارقة والشخصية واللغة المحكية والنكتة والكلمة ذات الرنين الذي يفجر
التناقض بين وعي المشاهد وواقعه المعيش إلى جانب استغلال اللكنة واللهجة
المحلية وسيلة للحديث عن الخداع والمساواة، يمثل هذا الاتجاه وجيه عبد
الغني،أسعد عبد الرزاق حيث ظهرت لأول مرة شخصية الفلاح الساذج والعامل
والأصول الفلاحية وشخصيات الشحاذين والمتسولين أو تلك النماذج الاجتماعية
التي تمتلك عاهات الجسد مثل الجنون والخرص والتشويه الخلقي. كان هم هذه
العروض نقل المشاهد إلى عالم غير مسيس، لا سياسة فيه، يستغل التناقض
والشذوذ والمفاجأة والدهشة وسيلة لإثارة الضحك.
? في تجربتك المسرحية هناك استحضار للمناهج الغربية،
ونجدك تلح على تطبيقها أثناء إنجاز الفرجة: هل هذا يعني أنك تتبنى
التجريب كوسيلة للخروج بالمسرح العربي من التكرار؟
¨ في البداية لم نكن نعرف أين هي حدود المنهج، وكنا
ننظر إلى تجربتنا من منطلقين: الأول يتمثل في تجربة المسرح العربي،
والتجربة الثانية هي العالم، بدون تحديد في رقعة جغرافية ويمكن أن تكون
إما أوربا أو أمريكا، وبدون الأخذ بالنظر الاختلافات السياسية والمجتمعات
التي استخلصنا منها التجربة.
في التجربة العربية كنا نرى أن
هناك تجربة محلية وأخرى عالمية، وبدأنا نؤسس نموذجنا على أساس ما نشاهده
في الخبرة العالمية، والتي كان مصدرها المسرح الفرنسي والإنجليزي
والأمريكي، وعندما تعمقنا في فهم المناهج أدركنا أن هذه المناهج تعود إلى
منظرين ومخرجين في المسرح بمعزل عن المجتمع الذي ظهرت فيه هذه التجربة.
أول المناهج والأفكار التي تعرفنا
عليها كانت مستمدة من منهج ستانيسلافسكي في محاكاة الواقع وبدأنا نعمل
على إعداد أنفسنا كممثلين ومخرجين بمعايير هذا المخرج وشروطه وأخلاقياته
المسرحية وطموحه في بناء المسرح المثالي، وربما بعجز منا أو لفقر النموذج
وقفت أمام عدة اختيارات،إما محاكاة أو تجسيدا أو خلق صدى الواقع في داخل
المسرحية والنص، أو أن محاكاة الواقعي الذاتي وتجسيد حياتنا الاجتماعية
تمردت على الفهم الفني ورفضت محاكاة المسرحية وتاريخيتها بالذات في ذلك
النص الأجنبي وعملت على إسقاط الواقع الاجتماعي المعيش وتجسيده من خلال
هذا النص وليس تجسيد النص.
إن هذا التناقض بين واقع النص
وإشكالية التعارض مع واقعي الشخصي، والتناقض مع مخيلتي قادني لكي اكتشف
بريخت مبكرا، واكتشف التغريب على أن ما يقدم ليس هو الواقع بعينه إنما هو
شكل لواقع عشته أنا ومؤسس في ذاكرة المشاهد.
إن هذه الأفكار في سنة 1965 لم
تكن شائعة، إنما كانت في بداية الحوار معها والتعامل معها وفهمها، وبما
أننا كنا ندرك أن عملنا الثقافي والفني ليس هدفه الفن بعينه أو الحرفة
بذاتها، إنما هو جزء من ممارستنا اليومية السياسية، ففي أي عمل كنا نعتقد
أن هذا العمل يجب أن يحمل أفكارنا ومشاعرنا وطموحاتنا السياسية وكان الفن
والمسرح بالذات بديل حقيقي عن كل ما هو ايديولوجي وتنظيم سياسي، وكنا
نعتقد أن الناس يتبنون وجهة نظرنا في الحياة من خلال ما نقدم باعتبار
المسرح فعالية اجتماعية نفعية هدفها إيصال الخطاب المسرحي إلى المتلقي،
والتوجه إلى الناس بالرأي والفكرة، فكنا نحزن أشد الحزن عندما لا تصل
فكرتنا واضحة. هذا قادنا إلى التمرد على الشكل المتعارف عليه في المسرح،
واعتقدنا أن أي تمرد على الشكل المسرحي هو جزء من التمرد على ما هو
اجتماعي وما هو فكري، وأن أي شيء يهم التجديد والحداثة في المسرح هو
التعبير عن تقدميتنا في الحياة لكن وعندما أحبطنا من أن التغيير
الاجتماعي سيتم بعد حالة انقلابية، وأحبطنا من أن العالم الموفود "اليوطوبا/الجنة"
التي نريد أن تحققها في الواقع لم تعد ممكنة، بحثنا عن البديل في الفني
لكي نتوازن مع أنفسنا ونستقر مع مشروعنا الثقافي، فجاءت كثير من أعمالنا
لا تسعى إلى تجسيد الواقع ومحاكاته في تماثل الحياة إنما جاءت كصورة
لخطاب الوعي، ومحاكاة للوعي، فبدأنا في البحث عن واقع قائم بذاته والبحث
عن مسرح له خصائصه الجمالية، واعتقدنا أن جميع أشكال المسرح الحديث هي
واحدة مادامت تهشم بنية المسرحية،وتهشم عناصر المسرحية والمسرح، بعدها لم
نعد نفرق بين نصوص العبث وبريخت،كما لم نعد نستطيع أن نفرق بين نصوص
سترتدبرغ وارثر ميلر، وهنا غاب المنهج وتماه مع اجتهادتنا الذاتية ومعطى
الخبرة والتجربة التي لم تكن ترقى
–بأي حال من الأحوال -إلى
ما كنا نهتم به ونقارنه مع المسرح الأوربي، فامتزج التمثيل بمفهوم المسرح
الأوربي في أسلوب الأداء وبناء الصوت في أسلوب محاكاة الواقع على مستوى
الملابس والفضاء، ولكننا اكتشفنا في النهاية أن هذا وهم فنحن لم نقدم
مسرحا أرقى من الذي يقدم في المسرح الأوربي بعروضه الإبداعية والتقنية.
لهذا جاء بريخت ليقضي على هذه الهوة الموجودة في وعينا، وأصبح الأخذ
بمنهج المسرح الملحمي الوسيلة الوحيدة لاكتشاف خصائص المسرح الوطني… ربما أخذنا بريخت في
جانبه الشكلي أكثر من جوانبه الأيديولوجية، إلا أن بريخت حررنا من هيمنة
تقليد المثل الأوروبي أو الشكل الأوروبي بالرغم من أن بريخت هو في جوهره
صورة لهذا المسرح الأوروبي.
? على هذا الأساس بماذا وكيف يتميز المخرج في المسرح
العربي المعاصر؟
¨ بدأ التمييز-أولا- عندما شرعنا نبحث عن فضاء آخر
للمسرح وبدأ عندما خرجنا من فضاء المسرح "المسقف" واستثمرنا وجود فضاءات
أخرى حولناها إلى أمكنة للعرض وللفرجة، ثانيا بدأ هذا التمييز في بحثنا
عن بنية نص يقدم الأزمة الاجتماعية العربية والمحلية وهذا عبر خطين
أساسين هما استثمار التراث كوسيلة لتغريب الواقع، أو جعل هذا التراث
وسيلة لتحقيق هذه المغايرة والتميز لأن في داخله يوجد عنصران أساسيان
هما: درامية الشكل المسرحي، ومضمونية الدراما في النص، ثالثا بدأنا نتميز
في عملية "الأدائية" حيث إن الممثل العربي يتقاطع مع مفهومي الاندماج
والعرض، ويتقاطع بين مفهوم المعايشة "للدور" ومفهوم الاستعراض والتباهي
والتقديمية. واعتقد أن هذه السمة مهمة جدا في أن شكل المسرح الأوروبي
–نفسه- كان وسيلة لتغريب
الواقع المعيش عند المشاهد ومهما فعلنا لم نكن نستطيع أن نجعل المشاهد
يتماهى معنا أو يندمج مع ما نقدم، وفي أكثر عروضنا الدراماتيكية كان
المشاهد يعلق على بيئة مشاهدته للعرض وكان روح الاحتفال والتظاهرة
المسرحية قائما لأن التماهي الحقيقي في مجتمعاتنا كان يتم
–فقط-
عبر الطقس الديني المعيش الذي يعبر عن أزمة الموت والخلود والخاص
والتحرر، ومن هنا يمكن لنا أن نقول أن أهم المسرحيات وأكثرها نجاحا
وإثارة ودهشة هي التي تعتمد على النقد الاجتماعي والمنهج الكوميدي أو
الضاحك وسيلة لها.
أنا لم أتعرف على المسرح العربي
وتجاربه إلا من خلال النماذج التي كانت تزور العراق في الستينيات وهي
نماذج متقاطعة في نماذجها ومستوياتها. في الستينيات شاهدنا مسرحية منبر
أبو دبس "الملك يموت| لينسكو كصورة من صورة المسرح اللبناني، كما شاهدنا
مسرحية "فتح بيت المقدس" لزكي طليمات من خلال المسرح الكويتي كفرجة
مسرحية تقدم طقوسية المسرح الشعري من خلال التجربة الكويتية وكانت
التجربتان في أشد ما يمكن من التناقض والتعقيد، طبعا رفضت زكي طليعات
بخصوصياته لأن موضوع السياسة في المسرحية كان متخلفا وأن رؤية الواقع
المجملة كانت أدنى بكثير من التاريخ، فرفضت صورة التاريخ في المسرحية لأن
مستوى تقديمه كان ضعيفا وهزيلا وغير ممتع، وفي المقابل سحرتني تجربة منير
ابو دبس بتقنيات الضوء، وبدلالات اللون وحركة البروجيكتورات، وانضباط
ودقة الأداء بالتجهيزات، والاهتمام بالممثل وبشخصيته، وأعجبت بالجودة في
خلق إيقاع العرض في الأجواء الفانتازية غير المألوفة في تجربة المسرح
العربي، وهو إيقاع يقوم على الاقتصاد في اللغة المسرحية حيث لا توجد
ثرثرة في السينوغرافيا أو في المناظر أو في الملابس أو في المهارات
والتقنيات العالية في الأداء وفي ضبط التلوين،وخلق عناصر التشويق. لقد
كان إلغاء الواقع في مسرحية منير أبو دبس يتوخى إدخال الرموز والإيحاءات
المادية منها أو تلك التي تأتي من خلال الحركة للتعبير بالصمت، في عرض
تعرفنا به على الصمت كلغة معبرة وموحية، كما أن رفض المحاكات الميكانيكية
التقليدية بأسلوب العمل والحياة داخل المسرح وانعكاس أخلاقيات المسرح على
الإنتاج كانت مثار انتباهنا في العراق.
كل هذا جعلني أفكر بالتغريب وسيلة
من وسائل قلب المألوفية والاعتيادية في العرض، خصوصا بعد منتصف
الثمانينيات حين تعرفت على تجربة وخبرة مماثلة مع تجربتنا،ومع تجارب
متقاطعة جدا حيث وجدت أن مجمل العروض المسرحية العربية لا تخضع لسمة
محددة تتكرر في كل إنتاج، بل إن هذه العروض عبارة عن اجتهادات واكتشافات
مستمرة لمفردات المسرح الإنسانية كالعمل على جسد الممثل والاشتغال على
الفضاء والسينوغرافيا. عندما ذهبنا إلى تونس وهي أول مشاركة لي في مهرجان
عربي، رأيت أن فرقة المسرح الجديد في تونس هي أكثر التجارب وأقربها من
أخلاقياتنا، بل وأكثرها قربا من أسلوب ومن خصوصيات المسرح ووظيفته
لدينا،في هذه التجربة يعمل المسرح الجديد في تونس على الفضاء المسرحي،
فهو حول كنيسة إلى مكان للعرض ليقدم مسرحية "عرب عرب" في فضاء جديد.
? وفي تجربتك المسرحية حولت فضاء بيت عربي في بغداد
لتقديم مسرحية الكرسي الهزاز ما الفرق بين التجربتين التونسية والعراقية؟
¨نحن حولنا دارا قديمة في بغداد إلى دار للعرض المسرحي، إلا أن الفرق
بين التجربتين هو أن المسرح الجديد في تونس يعتمد على بناء الشخصية من
الداخل وتأكيد عنصر المعايشة للدور وابتكار حياة العرض، أو ممارسة حياة
العرض للوصول إلى التضامن مع الشخصية ليس كنموذج معروض،وإنما كنموذج يعبر
عن الذاكرة الفنية وسيرة وحياة الممثل.
أما شخصيات مسرحية "الكرسي
الهزاز" فهي شكل من أشكال حياتنا ولغة من بين اللغات التي نعبر بها عن
قلقنا وخوفنا كحالة من حالات الإحباط والضياع اليومي الذي يحيي فينا
ونحيي فيه، لقد كنا نعمل مع هذه الشخصيات على أنها أدواتنا التي تمثل
نموذج الإنسان في الحياة ، لقد كنا نسعى لكي نقول من نحن ونطلب من الناس
أن تعايش وجودنا وهمنا كما نحن دون ادعاء ولا ثرثرة ولا فنتازيا ولا كذب
ولا وهم على أن من نحن لسنا من نحن، فكانت أغنيتنا الذاتية هي جسدنا
بمفردات حياتنا اليومية المألوفة ولكننا كنا نقدمها بشكل جمالي مغاير في
عرض طقسي عبادي يستحضر كل نواقصنا بهدف التكامل وخلف حالات التوازن
العاطفي بين معطى حياتنا العلمي وبين سرائية حياتنا الذاتية. في مسرحية
"الكرسي الهزاز" أكدنا على الغرائبية التي هي في المحصلة إسقاط ودعوة
للآخرين لرؤية أنفسهم وإدراك حياتهم،ومن هنا لم يعد المتلقي في مسرحنا
مشاهدا غريبا بعيدا منا بل إنه صار في طقسنا إنسانا متضامنا ينتمي إلينا
بكل شيء نحن ندعوه كي يستبيح عوالمنا كعاشق يطمح إلى استباحة جسدنا
النموذج أو المثال.
? س: في علاقتك بالفضاء المسرحي، وفي موقفك الصريح
من المسرح "المسقف" نجد أنها علاقة تناقض واختلاف واضح فيه السؤال التالي
معماريا هل لنا في تجربة المسرح العربي مسرح؟ طبعا أن ما نملكه ليس سوى
مسرح مسقف وأنت بهذه العلاقة المتناقضة أضفيت على أماكن غير مسرحية معنى
مسرحيا، كما في تجربة مسرحية "الكرسي الهزاز" بهدب تأسيس ذاكرة جديدة
للمكان كيف ذلك؟
¨ج: في الحقيقة إن البحث عن معمارية جديدة للمسرح لا تأتي عفوية، إنما
تتولد كحاجة ملحة جدا للتعبير عن قدرتنا أو لتغطية فشلنا وإحباطنا في
التعامل مع المكان، أعتقد أننا عاجزون بأدواتنا ووعينا الفني كي نتعامل
مع الأسس الأكاديمية للفضاء التقليدي، فخلق الوهم، وإعادة الحياة، وتقمص
الشخصية،وخلق أجواء التأثير العاطفي على المشاهدين كان من أصعب الأشياء
في متطلبات إنجاز تقليدية العمل المسرحي مما كان يفرض علينا الفهم
والتحليل، من هنا جاء التمرد على فضاء المسرح من أجل إظهار ما نملكه من
قدرات ومواهب على أنها تتناسب وتؤثر في المشاهد فجاءت الفضاءات جديدة
ووسيلة عفوية لتحريرنا من المألوفية لتخلصنا من محاسبة ذواتنا، وجلد
أنفسنا بالنموذج الأوربي إنه الإصرار على تفجير عفويتنا للتواصل مع الناس
والمشاهدين والتحرر من التقولب والكليشيهات والمهارات الجاهزة والسماح
لعفويتنا بالتدفق والانسياب. وأعتقد أن بحثنا عن فضاءات جديدة جاء لتغطية
عجز ممارساتنا للمسرح الذي يتطلب منا الصوت ومهارات إلقاء اللغة،وعملية
توصيل المعنى الملفوظ لمحاك |