|
المسرح في المدينة ... المدينة في المسرح
سؤال العلاقة وجمالية الحضور
عبد العال السراج
أن نضع
–ومنذ البداية-علائق المدينة بالمسرح والمسرح
بالمدينة والكتابة عموما موضوع تساؤل أو تفكير، معناه أن نفتح أفقا في
مسارات ومسالك الحفر داخل الجسد الثقافي لمسائلة الذات والواقع في
علاقتهما التعادلية الجدلية بسؤال المكان، هو أيضا أفق لتحسيس الإبداع
عموما بأهمية سؤال المدينة لا على أساس تأمل ما هو كائن فيها، بل على
أساس فتح كل الأسئلة على الممكن المتعدد، على صيرورات أخرى أكثر أهمية.
في هذا السياق
–وتجاوبا
مع هذا المعطى-وفي مساق التأكيد على العلاقة الجدلية والبنيوية بين
المسرح والمدينة والمدينة والمسرح تقترح هذه الورقة إنجاز دراسة لطبيعة
هذه العلاقة انطلاقا من أسئلة جوهرية نسوق بعضها كالتالي:
-لماذا الفضاء المديني؟ وماذا
نعني بالمدينة فضاء مسرحيا؟ وكيف يتأتى لها أن تصنع فضاءها المسرحي؟.
-ما طبيعة علاقة المسرح بالمدينة؟
وما حدود هذه العلاقة الكائنة والممكنة؟ وما آفاقها الظاهرة والخفية؟ هل
تقوم هذه العلاقة على أساس الانعكاس، أي على إعادة إنتاج واقع المدينة
واستنساخه كما هوـ أم أن الأمر يتطلب خلق واقع آخر بهواجس وأحلام
وجماليات جديدة؟
-هل المسرح ممكن التحقق فعلا داخل
المدينة، أم أن إطاره الحقيقي هو البناية؟
-إذا كان الأمر كذلك
–ممكن
التحقق
– فكيف يتأتى خلق مسرح يمزج فيه ما هو أدبي بما هو
فني في فضاء أرحب الذي هو المدينة؟.
هل المسرح لكي يولد ويفرض نفسه
يظل دائما بحاجة ماسة إلى المدينة، وهل أعطت بالمقابل للمسرح المكانة
التي يستحقها؟ هل خصصت له الفضاء الذي يناسبه؟ أم أنها أساءت إليه؟
-كيف تحضر المدينة في المتخيل
الدرامي؟ ما طبيعة وما مواصفات تمظهرت هذا الحضور؟ وبصيغة أكثر تدقيقا
كيف تناولت الكتابة الدرامية المدينة؟ هل تناولتها كموضوعة أم كفضاء أم
كشخصية أم كسؤال في الهوية؟
هذه مجموعة من الأسئلة لا ندعي
بأننا سنقدم عنها إجابات شافية ووافية، بقدر ما نروم من طرحها إثارة بعض
الجوانب التي بدت لنا ونحن بصدد تناول بعض قضايا هذا الموضوع الذي آثرنا
مقاربته انطلاقا من مجموعة من الإشكالات الجمالية التي تثبت أهمية
الموضوع، وإن كان يتعذر الإحاطة به من كل جوانبه وقضاياه وإشكالاته، لذلك
لن نكون مغالطين في شيء إذا اعتبرناه ومنذ البداية موضوعا صعبا وشائكا،
ليس لأنه غير قابل للطرح والمساءلة ولكن لأنه يبدو
–أولا- موضوع تتوزعه عدة حقول ومجالات وتخصصات نظرية ومعرفية، ولأن
ثانيا مادة التفكير فيه- الخطاب المسرحي نقصد بالأساس
–مادة معقدة ذلك أن هذا الخطاب خطاب مركب من
حيث تعدد مستويات التعبير والدلالة، بما هو
–المسرح- نظام من العلامات يتراكم بعضها فوق
بعض نقف منها على حقول دالة جد مختلفة، وخطاب متراكم من حيث تعدد مستويات
التأثير والإيحاء تقنيا وجماليا: الديكور الإكسسوارات، الإنارة، الحركة،
اللغة…
لهذا ورفعا لهذا اللبس وحتى لا
نسقط في العموميات سنحاول تناول الموضوع انطلاقا من جانبه النظري وذلك
وفق مجموعة من الإشكالات الجمالية.
v
مدخـل:
إن الحديث عن المدينة في علاقتها
في المسرح، يطرح بالضرورة السؤال حول معناها
–المدينة كأصول وكذاكرة وكفضاء وسند للحياة
الفكرية وأفق للتقنية والتحديث- وإن كان البحث في هذه المسألة من
الموضوعات المعقدة، لاعتبارات عديدة يتداخل فيها السياسي والاجتماعي
والاقتصادي والتاريخي والجغرافي وأحيانا الأسطوري.
لذا فالحديث عن المدينة كمفهوم لا
يخلو من صعوبات، باعتباره- فضلا عن الاعتبارات السالفة- مصطلحا تشارك
العديد من الحقول المعرفية في توظيفه،ودمجه داخل أنساقها، وبوصفه موضوعا
تشتغل عليه هذه الحقول المعرفية وترصد آلياته انطلاقا من خلفيات نظرية
مختلفة.
هذه الصعوبات في تعددها، تجعلنا
نثبت ومنذ البداية إشكالية وجود تعريف واحد متفق عليه فيما يخص المدينة،
وإشكالية وجود أسس عامة في كل زمان ومكان لتعريفها مادامت«ظاهرة متطورة
ومتغيرة، يتوقف شكلها وطبيعتها على الزمن الذي ينتمي إليه والمكان أو
الحضارة التي تنتمي إليها"(1).
في هذا السياق يمكن للمرء أن يلجأ
إلى تعريفات مختلفة لتحديد معناها، وإن كان العنصر المشترك في أغلب
التعريفات التي تناولت المدينة، كونها فضاء عمرانيا وحضاريا، بناء أو
تركيبا معقد من الأنساق القيمية والثقافية، علاقات إنسانية ومؤسسات
وذهنيات وبنيات متعددة، إنها نتاج للطبيعة البشرية على وجه الخصوص حيث
يعطي الناس الحياة المدنية معنى من خلال نسيج علاقاتهم الاجتماعية،
واختلافهم وتمايزهم الثقافي، عندئذ تبرز المدينة لا كظاهرة معمارية أو
ديموغرافية، وإنما كظاهرة حضارية«تعني الفن بتشعباته الكثيرة، من هندسة
ونحت وأدب، وتعني التاريخ والسياسة والتجارة كما تعني الشوارع والعمارات
والإنشاءات المدنية والدينية والأرض بترابها ومائها، وتعني أيضا ماضي
الإنسان المتطور نحو الأكمل إذ هي صورة لكفاحه المزمن، وباختصار إن
المدينة سجل لقضية الإنسان وحضارته(2) هذا وقد حدد اليوناني
باوسيناس ماهيتها قائلا:«إنها السلطة والجمنازيوم والمسرح والسوق وماء
الشرب وتحديد الحدود، وأعضاء أو ممثلون عن المدن في المجلس الأعلى"(3).
*المدينة موضوع جمالي للكتابة:
ليس ثمة مغامرة مثل مغامرة تحويل
المدينة، بأماكنها التاريخية والتراثية والجمالية، وبأناتها وآهاتها
وبرموزها وطقوسها وأفضيتها، إلى تجربة للكتابة والتخييل، هذه المكتسبات
التي تختزنها المدينة في رحمها هي أساس هذه المغامرة، برموز ودلالات
وانزياحات، تغطي تلك المسافة القائمة بين المدينة في صورتها«الواقعية»
وإعادة بناء صورتها ببلاغة جديدة تشتغل بكل هذه الرموز وهذه الدلالات
الحاملة لإمكانات قراءة المدينة وتفكيكها، وأن تصبح هذه الأخيرة«موضوع
كتابة وقراءة وتأويل للقراءة، يعني أن يصبح إبداعا يكشف عن المخبوء في
الأحياء، وفي المعالم التاريخية، بين الذاكرة المنسية والذاكرة الواعية
اليقظة»(4).
أليست الكتابة إذن عن المدينة من
هذه الزاوية مغامرة، واقتحام للمجهول؟
يقول محمد عز الدين التازي«الكتابة
عن المدينة مغامرة…. والكتابة التي لا تغامر باقتحام المجهول، ليست
كتابة والكتابة التي لا تهشم مراياها لتجعل لها مرايا أخرى، للغة
والذاكرة والمخيلة والمكان سري ليست كتابة… لأن التاريخ الإبداعي
للحظات الزوال، زوال المدينة، هو مغامرة بآخر رصيد رمزي يتبقى"(5).
إن انفتاح الكتابة على المدينة
يجعل منها فضاء منفتحا على قوى الإبداع والتفكير، خصوصا عندما يتعلق
الأمر بصياغة جمالية وتصورية، تدمج المكونات الواقعية للمدينة في عالم
تخيلي تصير معه المدينة فضاء عميقا بالكتابة جماليا وتكوينيا، وسؤالا
إشكاليا مرتبط أشد الارتباط بوعينا الثقافي والإجمالي.
إن المدينة من هذه الوجهة على حد
التعبير رولان بارت«خطاب» والكتابة عندما تستدرج المدينة إلى فضاءاتها،
تنظر إليها باعتبارها خطابا متعدد الخصوصيات والدلالات بتعدد حكاياتها
وأساطيرها وأحلامها ومغامراتها ومفازاتها وأسئلتها، وهو التعدد والغنى
الذي يجعل منها موضوعا خصبا للكتابة ككتاب مفتوح على كل احتمالات الكتابة
والقراءة.
هذه الاحتمالات بشتى تنويعاتها هي
التي ستدفعنا لرصد حضور المدينة في المتخيل الدرامي، لكن قبل ذلك ماذا عن
المسرح في المدينة؟ وما طبيعة العلاقة التاريخية التي جمعتهما معا حتى
صار ظهور المسرح قرينا أو مرتبطا بظهور المدينة؟.
*المسرح في المدينة
والمدينة في المسرح
أ-
المسرح في المدينة: بحث في سؤال العلاقة
إن استقراء متمعنا لتاريخ المسرح
في علاقته بالمدينة، من خلال تتبع المراحل التي عرفتها أماكن عروضه، يؤكد
أن العلاقة بينهما لم تكن علاقة افتراضية، بل هي علاقة حقيقية فعلية،
فالمسرح ولد مدنيا«بينما صيغت المدينة من صراع الأصوات والفئات والطبقات،
فخرج المسرح من رحمها، يعرف قيمة الصراع، ويدرك ضرورة التطور، ويستوعب
قيمة التغيير في مصائر الشخصيات، ويحدد لنفسه بنية درامية تتماثل وتتفاعل
مع بنية مجتمع المدينة(6).
في هذا السياق شكلت المدينة وعلى
مرور التاريخ -وفي إطار هذه الصيرورة المتبادلة- الفضاء الذي أوى المسرح،
فمنحته شروط التبلور الفعال وأسهمت في تطوير أشكاله في مسائلته للوجود
والإنسان، وإذا كان ثمة من يلاحظ أن البدايات الأولى لفن المسرح، ترجع
إلى المجتمعات البدائية أو مجتمعات الصيد والرعي قبل نشوء المدينة، التي
بنشوئها ارتقى الإنسان أخيرا من حالته البدائية إلى حالة التحضر، فإن
المسرح تأسس ونمى وتطور في المدينة، وترعرع بين بناياتها وعاش في ساحاتها
وأسواقها ومعابدها.
فبعودتنا إلى بدايات المسرح
اليوناني، نكتشف أن ما وجده المسرح عند الإغريق هو الوسط والبيئة
الحميمية والجو الملائم لاحتضانه، فتولد المسرح من هذه العلاقة في فضاء
مديني، متوفر على مختلف المكونات الرمزية والمادية والثقافية التي تسمح
بممارسته واشتغاله، والذي هو«أثينا» الذي شكل المسرح اليوناني فيها ركنا
من أركان المؤسسات الرسمية حيث احتل هذا اللون الأدبي مكانه كلون قائم
بذاته، جنبا إلى جنب مع الألوان الأدبية الأخرى مثل الملحمة والشعر
الفردي أو الشخصي والشعر الغنائي وهذا يرجع طبعا إلى عوامل عديدة-تتوزع
بين ما هو طبيعي جغرافي وتاريخي سياسي جعلت آثينا
"
تفرض نفسها كمرجع وحيد وأوحد لحياة الانسان بمجمل مستوياتها" (7)
لقد ولد المسرح-في المجتمع الإغريقي-مع ولادة دولة المدينة
فصيغت"بنية الدراما الإغريقية على نسق البنية الاجتماعية، وقتذاك، وحددت
معالم العرض المسرحي، وفقا لطبيعة البناء المقام في سفح الجبل، ثم
المنتقل لوسط المدينة، وبشكله الجبلي نصف الدائري، ومنظره السينوغرافي
الثابت"(8) .
وبتغير معمار المدينة تغيرت البنيتين الدرامية والمسرحية معا،
فخضعت لطبيعة مجتمع المدينة في العصور الوسطى، التي وجدت في امتداد
المسرح
أداة لخدمة ديناميتها، في الوقت الذي ألقي بالتمثيل خارج باحات الكنيسة
إلى الساحات العامة وانفتح على جمهور أوسع"فعادت إليه الحياة وأصبح
مسرحا من جديد(9) كما خضعت لطبيعة مجتمع المدينة في عصر
النهضة، حيث سجن المسرح"داخل إطارات ضيقة سواء من حيث المكان أو الزمان
أو الموضوع... وتحول المسرح .. من فن جماعي تحتضنه الأرض والسماء إلى
بناية ضيقة مغلقة على معمار هندسي خاص(10)
يتساوق
مع التكوين الاجتماعي لمدينة عصر النهضة.
وبتغير معمار المدينة، تغيرت كذلك البنية الدرامية والبنية
المسرحية لعصور التأسيس الكلاسيكي والرومانسي، خلال القرون السابع عشر
والثامن عشر والتاسع عشر، وشكلت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن
العشرين، الإطار التاريخي التي أثيرت فيه مساءلة"الفضاء المسرحي" مساءلة
فرضتها التحولات العلمية والتقنية والاجتماعية والاقتصادية والجمالية،
التي مست مختلف المجالات الحضارية، وكان لها بالتالي تأثير على المسرح
الذي سيكون بدوره موضوعا لمساءلة تتوخى النظر إلى دور المسرح في
المجتمع/المدينة، اعتمادا طبعا على مجموعة من الأسس الجمالية والفنية،
التي عبرت عن رغبة المسرحيين المعاصرين، في التخلص من العمارة المسرحية
لأنها ليست إلا مجرد مكان للعرض، ينفصل عن المدينة بل وعن الحياة اليومية
داخل مجتمع المدينة.
وهي الرغبة التي كانت سببا في"تفجير كل شيء(الأمكنة
والأزمنة)... بحيث أصبح بإمكان اللعبة المسرحية، أن تتم في أي مكان بغية
خلق تماثل بين المسرح والحياة(11) داخل المدينة كفضاء رحب
تتعانق فيه كل الأمكنة، التي تشكل الفضاء المديني في عموميته، هكذا إذن
يتضح-من خلال هذه المقاربة التاريخية لعلاقة المسرح بالمدينة-أن المسرح
فن مديني بامتياز، مولدا ونشأة نبع منها وعبر عنها، وعاش في أحضانها
وتوجه بدوره الفاعل إليها، باحثا عن مواقع الجمال فيها لمسرحتها، وفق
رؤية فنية لا تستهدف تزيين ما شوه بإعطاء صورة أخرى للموجود سلفا، بل
تحسيس الإنسان بأهمية الفضاء المديني باعتباره فضاء اجتماعيا مجهز
للاحتفال والتخيل والإبداع والخلق.
وهو الإحساس الذي عمقته العديد من التجارب التحديثية، التي
اقتحمت المدينة بحثا عن فضاءات مغايرة مدفونة في البقاع السفلية: أماكن
أثرية، كنائس، شوارع، ساحات، قلاع قصور وغيرها كثير مما يحفل به معمار
المدن، الذي يجتذب المبدعين ليجعلوها فضاءات متدفقة بالحياة والجمال
وناطقة بالإبداع.
مع المسرح في المدينة، أصبح للشارع دوره، وللساحة دورها
وللمآثر التاريخية دورها، وأصبح ينافس المدرسة في تربية الناشئة،
بانغراسه في الحياة الاجتماعية"للكشف عن الكائن في حياتها العميقة"(12)
هكذا وعلى الرغم من أن المدينة، قد تهمل أو تهمش المسرح في فترة من
تاريخها فإنها"لا تستطيع أن تتخلي عنه،لأنه فضاء وسط فضاء، تلاحم بين
الأسفل والأعلى بين الخارج والداخل بين المقدس والمدنس ولأنه يحمل في
طياته الظاهر والخفي النظام والفوضى الطبيعي والمصطنع، فحتى الكنيسة
نفسها في العصور الوسطى، حاربت المسرح في مرحلة أولى ولكنها عادت إليه
لتوظيفه في مراحل لاحقة، لأنه متجذر في المقدس، ولأنه حتى وإن كان خطير
فإنه لا يمكن الاستغناء عنه(13).
إن المدينة وهي تحتضن المسرح والمسرح يحتضن المدينة، لا يمكن
محوها، لذا فتغييب المسرح من المدينة وإقصاء وجود المسرح في المسرح-كما
يذهب إلى ذلك د.عبد الرحمن بن زيدان-"يمثل فراغا ملحوظا يفرغ وجود هذه
المدينة من دلالتها الحضارية ويجعل وجودها يزف الوصول إلى العدم
والانمحاء(14).
ومن هنا فإن تساؤلنا حول علاقة المدينة بالمسرح والمسرح
بالمدينة يبدو تساؤلا مشروعا ومهما"لأن مقياس عظمة المدن اليوم ليس في
نضجها السكاني وسعة عمرانها، وكثرة وسائل النقل والمراكز الصناعية
والتجارية فيها، بل في إشعاعها الحضاري والثقافي الذي يشكل المسرح بثقله
الإبداعي... أحد أبرز مجالات هذا الإشعاع"(15) وهو ما يعطي
المشروعية لفعل المسرح"كلقاء إنساني وحوار وصراع وأقنعة تفرضها
المواضعات الاجتماعية داخل المدينة(16).
*ب-المدينة في المسرح: شعرية المدينة في المتخيل الدرامي
إذا كان المسرح فن مديني بامتياز مولدا نشأة،نبع من المدينة
وترعرع بين جنباتها وعاش في ساحاتها وأسواقها ومعابدها-من خلال الطقوس
الدينية والاحتفالات التعبدية-وتوجه بدوره الفعال إليها، باعتباره أحد
أبرز مجالات إشعاعها الحضاري، وإذا كانت المدينة بالمقابل شكلت على مرور
التاريخ الفضاء الذي أحتضن المسرح،باعتباره ممارسة فكرية إبداعية تعكس
رؤيا الإنسان- داخل المدينة- للوجود والماهية،فإن العلاقة بينهما لم تكن
فقط تاريخية من خلال ارتباط تاريخ المسرح بتاريخ المدينة، بل هي علاقة
إبداعية صارت معها المدينة سؤالا/ موضوعا استدرج المسرح للكتابة عن
المدينة وانشغالاتها والانخراط في همومها.
فما معنى أن تكون المدينة سؤالا/موضوعا للمسرح وما طبيعة حضورها
في متخيله؟.
إن المسرح وهو يتخذ المدينة موضوعا للكتابة كفضاء"شعرية
الفضاء" أو كشخصية"شعرية المتخيل المسرحي"أو كسؤال "سؤال الماهية والوجود
والكينونة" لا يمكن باعتباره فن إبداعي يقوم على إمكانيات التخييل، إلا
أن يسهم بشكل فعال في إبداع المدينة، وليس محاكاتها محاكاة تامة كلية،
وكأنه لا يستطيع إلا أن يقلدها فهو ليس مرآة لواقع المدينة بفضاءاتها
المتعددة، بل هو إبداع لها " فالمدينة كلما كانت واقعية غير متناقضة مع
معطيات التاريخ، باعتبارها معالم حقيقية، تنفصل عن الحدث، وتأخذ
استقلاليتها لتشكل سياقها المكاني…
وعلى العكس نجد أن المدينة كلما كانت متخيلة بعيدة عن الواقع…
تكون تراكبية متخيلة ترتبط بوشائج قوية مع بنية الحدث، لتغدو في المحصلة
جزءا لا ينفصل عنه، ملتحما به يرسم جوانب النقص فيه، وتؤدي وظائف فنية(17)
ترقى بالمدينة من كونها بناء معماريا أجوف، إلى كونها تكوينا جماليا للنص
يعكس فلسفة مبدعيه وكيفية صياغية له مسرحيا.
إن دينامية الفضاء المديني في المسرح "تتخلق عبر الجماليات التكوينية
المنشئة فيه والمكتنزه بداخله والحاملة لشفرات إيحائية، لفلسفة العصر
ورؤيا الإنسان للكون عبر تواريخه المختلفة(18).
لذا ليس ثمة من شبكة معقدة مثل شبكة تحويل المسرح المدينة
بتعقيداتها وصراعاتها، وفلسفة رؤيا الإنسان فيها للوجود إلى تجربة
للكتابة والتخييل، حيث يصبح المسرح هو الخيط الرابط بين هذه المكونات في
علاقاتها بفضاءات المدينة" الواقعية" في تعددها وتنوعها.
هذه الخصوصيات هي التي تسمح للمسرح، وهو يخوض تجربة الكتابة عن
المدينة أحيانا " بأن يخدع وبأن يقدم وهم الحقيقة بدل الحقيقة نفسها،
وبأن يعرض شبح المدينة بل المدينة، نفسها، فالمسرح عندما يدخل في نسيج
المدينة وتدخل المدينة في نسيجه يمزج بين العناصر الواقعية والعناصر
المتخيلة ويخلق تأثيرا متبادلا بينهما(19) تبدو من خلاله
مدينة المسرح فضاء مليئا بالرموز والدلالات، يختزن بالمشاعر والأحاسيس
والرؤى كما لو كان هو العمود في بناء الصورة التي تكسر برمزيتها
وبشعريتها المتخيلة، جمود مدينة "الواقع" كبناء معماري ظاهر أجوف.
إن المسألة إذن تبدوا متعلقة بصياغة جمالية وتصويرية، تدمج
مكونات المدينة الواقعية في أبهى لحظات عنفوانها وجمالها، في عالم تخيلي
لغاية أساسية هي تطوير الوعي بها، بمعنى إدراك أبعادها الخفية التي
تدركها حواسنا وملكاتنا الواعية، وهذا هو أهم ما يميز المسرح أي قدرته
على أن يخلق لنا تاريخ المدينة من جديد، حيث يغوض بنا مباشرة في حياة
المدينة، ليقدم لنا صورة أفضل هي صورة مدينة المسرح/ مدينة الحلم.
وهي الغاية التي سعى إليها كبار الكتاب الدراميين، فمنذ "سوفوكليس"
وحتى "صموئيل بكيت" مرورا بأسماء الدراما الكبيرة، استطاع المسرح أن
يتمثل المدينة ويصور صراعاتها وأساطيرها وملاحمها، وبالتالي استطاع أن
يولد من المدينة الواحدة مدن متعددة متباينة فلندن
–شكسبير-هي
غير لندن هارولد بنتر او بروك كما أن الفرق بين
–هاملت-
وعطيل-وريتشارد الثالث ومكبث
–من
جهة وبينما أنتجته قرائح الكتاب المخرجين المعاصرين لهو كبير جدا
(20).
عود على بدء إن علاقة المسرح بالمدينة لم تكن فقط علاقة
تاريخية من خلال ارتباط تاريخ المسرح بتاريخ المدينة، بل هي علاقة
إبداعية تجاوزت كون المدينة ساهمت في تطوير المسرح وتنويع أشكاله إلى
كونها شيئا اكبر من تخطيطها الفيزيقي أي كونها موضوعا جماليا ، ومكونا
إبداعيا لا يقل أهمية عن مكونات العمل الإبداعي عموما.
*خلاصـــات:
-لقد شكلت المدينة على مرور التاريخ الفضاء الذي أوى المسرح
فمنحته شروط التبلور الفعال، وأسهمت في تطوير أشكاله، كما شكلت المجال
المناسب لتفتحه وانفتاحه على وقائع وأحداث وتوصيفات الحياة فيها، مستجيبا
لمقتضياتها معبرا عن حاجياتها وتلك هي وظيفة المسرح في ا لمدينة.
-لقد قام المسرح من حيث هو إبداع وثقافة بدور حاسم في المدينة
بإرساء دعائم تصور خلاق لا كفضاء للعيش من أجل الاستمرار، بل كفضاء
لممارسة الوجود وتخيل إمكاناته اللانهائية.
-إن المسرح باعتباره ممارسة فكرية إبداعية لا يمكن إذا ما تم
تفعيله وخلق شروط مواتية لممارسته خارج أسوار البناية، سوى أن يسهم بشكل
فعال في إبداع المدينة وانتظامها من جديد، فبرجوعنا إلى مسرح القرون
الوسطى-على سبيل المثال لا على سبيل الحصر- نكشتف كيف أن الاحتفالات
المدنية لعبت دورا مهما في تغيير وتعديل وجه مدينة القرون الوسطى، وهو ما
أكده جون دوفينيو بقوله "…فالعيد
قبل القرون الوسطى، وفي أولى بدايته كان يحاول تغيير شكل المدينة
بالنظام، تلك المدينة التقليدية التي تنشأ عن محظ المصادفة
…
ذلك أن العيد المدني يهدف إلى نفي الامتداد المدني التقليدي…
إنها حركة توظيف شبيهة بالحصار الذي يفرضه العاشق على فضيلة حبيبته أو
استيلاء جنسي على الامتداد المدني(21).
-لقد شكلت المدينة مجالا خصبا للكتابة الإبداعية عموما، بيد أن
تشكلاتها في هذه الكتابة لم يكن واحدا وإنما يختلف باختلاف المواقف
وبالر |