|
مسرح البانتوميم البولندي
بقلم : عدنان المبارك
إرتبط مسرح البانتوميم البولندي المعروف بشخصية هنريك توماشيفسكي(1919 -
2001) الذي أسسه في فروتسلاف المدينة التي كانت قد إحتضنت مسرحا طلائعيا
آخر : المسرح – المختبر ليجي غروتوفسكي. درس توماشيفسكي فن المسرح في
مدينة كراكوف المشهورة بحياتها المسرحية الغنية ، وبعدها عمل في فرقة
باليه كان يقودها فيلكس بارنيلا أحد كبار مجددي الباليه. وفي عام 1949
إنتقل الى باليه أوبرا مدينة فروتسلاف و بقي يعمل بصمت هناك لغاية عام
1956 حين أسس أول مسرح للبانتوميم في البلاد. وكان قد إنتبه الى الفقر
الفكري الذي يلازم الباليه وراح يفكر بعمل درامي يملك إمكانيات لاتعيق
التعبير الجسدي. وهذا المسرح الجديد عاش يومه الحاسم في الرابع من تشرين
الثاني عام 1956 أي العرض الأول الذي إشتمل على أربعة فصول مسرحية مستقلة
إستقاها توماشيفسكي من ( معطف ) غوغول و ( أحدب نوتردام ) هيغو ومن أعمال
أدبية أخرى أيضا. وفي عام 1958 أبدل إسم المسرح الى ( مسرح فروتسلاف
للبانتوميم ). وبعدها بعام واحد شملته رعاية الدولة أي أصبح تابعا لها.
وطيلة عقود عمل توماشيفسكي في المسرح كممثل ومخرج وواضع سيناريو. وفي بضع
سنوات إحتل هذا المسرح مكانه اللائق في الحلبة الأوربية. وقد عاد عليه
بالشهرة تقديمه لمسرحية بيتير فايس ( مارا – ساد ).
وكان توماشيفسكي قد نبذ المفهوم القديم ( اليوناني ) للبانتوميم وبحث عن
المحفزات والوسائل في الأدب نفسه. إلا أن تأثير الفلم الصامت وخاصة
الفرنسي، والبانتوميم الصيني واضحا على عمل توماشيفسكي. وكان قد وجد
المصدر الأدبي في أعمال غوغول وهيغو وتوماس مان وغيرهم. وهناك من وجد أن
طغيانا لهذه الروح الأدبية على فن البانتوميم يكشف عن حالة ضعف مما يكون
له مردوده السلبي على عمليات توظيف السبل الأخرى في التعبير الفني.
وموضوعيا لابد من الإعتراف الجهد الذي كان يبذله توماشيفسكي لتحقيق توازن
مقبول.
كان توماشيفسكي يؤكد منذ البدء على ضرورة الأخذ بالعمل الدرامي ( الجماعي
) وعلى العكس من منحى فنان البانتوميم الفرنسي المعروف مارسيل مارسو
M.Marceau
الذي عرف بأدائه المنفرد وكان نموذجه الأدائي تشارلي تشابلن و جان ديبيرو
J.
Deburau
خالق شخصية بيرو من مسرح (كوميديا ديلارته). و كان الفرنسي قد وجد في هذا
الأداء تعبيرا عن وحدة الفرد. فعلى سبيل المثال قدّم مارسو ( معطف )
غوغول لوحده في حين عامل توماشيفسكي ( وكان قد مثل دور أكاكي أكاكييفتش )
هذا الأثر الأدبي الكبير كتجربة معاشة على الصعيد الإجتماعي..
وبعد تلك العروض القائمة على أعمال أدبية معينة دخل توماشيفسكي مرحلة
جديدة تميزت بالبحث عن مصادر لفنه في مواضيع الأساطير والحكايات من مختلف
مراكز الثقافة. فبعد العرض المسمى ( أقنعة آرلكين ) الذي طغت فيه غرابة
الشكل ، جاءت ( حديقة الحب ) التي كانت موسيقى موتسارت ( ديكورها )
الأساسي ثم عرض ( مينوتوار ) الذي أثار أحاسيسا وردود فعل معقدة للغاية
وتوارد خواطر منتزعة من مجهود فكري بالدرجة الاولى. وكان عرض ( البريد )
من عروض توماشيفسكي الناجحة . وصوّر فيه مشاعر وتجارب إنسان عجوز، بروح
لاتخلو من الفكاهة والمراقبة الذكية للعادات مع ميل واضح الى التامل. إلا
أن العرض الإعطافي في نشاط توماشيفسكي كان مسرحية ( جلجامش ) التي جاءت
إشارة أولى الى دخول هذا المسرح البوللندي مناطق فكرية ديدة تدخل في نطاق
الفلسفة وما يسمى بحكمة الشرق. وقد سعى توماشيفسكي عند تقديمه بطل
الملحمة السومرية الى التوكيد على فكرة الفناء الجسدي والشعوري عبر البحث
المحموموالخارق عن الخلود. ولكي يعزل توماشيفسكي الزمن عن هذه الفكرة
البس ممثليه أردية اغريقية وأخرى من نهاية القرن التاسع عشر..
ما كان يميز هذا البانتوميم عن غيره من المسارح في العالم هو نزعته
الإصطفائية ورفضه لما يسمى بالشكل النقي. إنه مسرح يلجأ الى مختلف
الأساليب ، وما يطغى فيه الإستنفاد البالغ للمعدات المسرحية وعدم التردد
في أقصى إستهلاك لعنصر الديكور. أكيد أنه يمنح الموسيقى إمتيازا خاصا
جعلها أحد العناصر الرئيسية في التقديم القائم ، بمساعدة تكنيك معقد
وعنصري الرقص والحركات الأخرى ، على أساس ( مهاجمة ) المتفرج من كل
الجهات.
وفي تصريح لتوماشيفسكي عقب تقديم البانتوميم لعرض بعنوان ( رحيل فاوست )
لم يكن في كل الأحوال تفسيرا آخر لمؤلف غيته ، أشار الى أن البانتوميم
يحقق رسالة المسرح في كل مكان أي إضاءة وتوسيع الطريق لفهم الإنسان
والعالم ، ولو أن الوسيلة هنا هي تجاوز حواجز اللغة. و لم يستهلم
توماشيفسكي في عروضه الرقص والحركة فقط بل كان للأدب والتصوير وزنهما
النوعي في خلق ذلك المناخ الأسطوري الذي ميّز هذا المسرح الطلائعي. فلقد
تضافرت هذه العناصر في فنّية التقديم المدهش لكل من فاوست وأورفيوس و
مينوتاور والملك آرثر والإبن الضال التوراتي وجلجامش. وما كان يلاحظ في
العروض الميل القوي لدى توماشيفسكي الى الجمع بين النقائض ، مثلا :
الفاجعة والقفشات المرحة ، في جو لا نلقاه إلا في أحلام النوم..
قال توماشيفسكي مرة : الإنسان هو الأجمل بين كل المخلوقات. إنه أنعكاس
للكون. وفي الحركة يظهِر الإنسان شكله الأكثر نقاء ، وحينها تشكل حياته
الروحية وحركاته كلا واحد. و يطمح الإنسان الى الوصول الى شيء عندما
يمارس الحركة. وفي الحقيقة ليست نتيجة الحركة بالمهمة بل الحركة نفسها،
فنحن جميعا نعرف أن إيكاروس قد هوى ولكن ليس مهما لديّ كيف حدث ذلك.
يرى كثيرون أن توماشيفسكي خلق لغة جديدة للجسد. ولهذه اللغة أساليب
متنوعة بدءا بالفقر أو الخشونة الأسلوبية و إنتهاءا ب( إنفجار ) الشكل
على الطريقة الباروكية حيث يتحول العرض الى مهرجان صاخب للألوان والحركات
والأصوات. إلا أن وراء هذا العنفوان الحسّي هدوءا عجيبا جاء به التأمل
الفلسفي .
و في عام 1999 جاء آخر عرضين لتوماشيفسكي : ( ألعاب تراجيدية ) لفردناند
بركنير
F.
Bruckner
وهو قصة إمراة عملت كل شيء كي تقاوم الزمن وتنتصر عليه. والثاني كان
بعنوان ( مقالة في الدمى ) لهاينريخ كلايشت
H. Kleist
. والجدير بالذكر أن هواية توماشيفسكي كانت جمع الدمى من مختلف البلدان.
وهي لعب مصنوعة من شتى المواد. وكتن قد عاملها كطلاسم ورقى.. وتوجد اليوم
في متحف بولندي للدمى.
ولايزال هذا المسرح يواصل نشاطه لغاية اليوم. وبعد ثلاثة أعوام على رحيل
مؤسسه تبقى العروض تحمل سمات الأسلوب التوماشيفسكي الذي كما يبدو من
الصعب نبذه . و يعي هذا المسرح أنها مهمة شاقة القيام بمواصلة خلاقة لإرث
توماشيفسكي
|