السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  8- 3- 2004

عذاب بيوتر أوهي

تأليف الكاتب البولندي سلافومير مروجيك

ترجمها: عدنان المبارك


الأشخاص :
بيوتر أوهي
أوهيوفا ، زوجته
يان أوهي ، إبنه الصغير
الإبن الكبير
البنت
الموظف
جابي الضرائب
العالم
مدير فرقة السيرك
سكرتير البروتوكول
الصيّاد العجوز
كذلك الكلب وسائسو الخيل والجبليون ونافخو الأبواق ( وراء الستار)

 

 

الجزء الأول

 

في الوسط العائلي ، لغاية قدوم العجوز.

أوهي وراء الجريدة التي يقرأها. على جانبيه أوهيوفا و يان الصغير ، و الإبن الكبير والبنت .
أوهيوفا – ( برتابة ) لاينبغي أن تقرأ طويلا وإلا ستحتاج بعد عشر سنوات الى نظارات ( صمت ).. وبعد خمس عشرة سنة الى أخرى جديدة. وبعد عشرين سنة ستكون بعيد النظر. سيكون أمرا فظيعا : كي تعثر على نعليك في الصباح ستضطر الى الخروج من البيت ومهما كانت درجة الحرارة في الخارج ، وعبور الشارع ومن هناك من خلال النافذة ستراهما. أو سيحصل الأسوء – ستسأل الغرباء ، تقطع عليهم الطريق ، تضايقهم. لن تعثر عليهما حتى لو كانا بالحجم الطبيعي ، بكرّيات فراء كيقطينتين من فراء أسترخاني مجعّد. لاتعتمد عليّ. ( صمت ) لاتعتمد عليّ ، هل تسمعني؟ حينها سأرقد في مقبرة هادئة تحت الحجر. لا. لا أريد أية أنصاب على القبر ، بل مجرد صخرة بسيطة غير مصقولة. من البازلت وعليها صورتي الفوتوغرافية وبيت من الشعر. بالطبع ليس بقدرتك أن تقرأه، فستكون حينها بعيد النظر الى حد فظيع. ربما من على مبعدة، وراء سور المقبرة. إلا أنك لن تقدر آنذاك على تركيز الذهن بسبب حركة المرور في الشارع. لكن هل أنت عموما تريد أن تركز الذهن ؟. كم مرة رجوتك أن تركز الذهن. رجوتك راكعة تقريبا، وأنت كنت بالتأكيد مشتت الذهن. ( تتحرك الجريدة قليلا)... أنت بالتأكيد لاتعرف لماذا سأموت قبلك. السبب هو أنك لا تكترث لي. لربما عندما يسدد جندي سكران بندقيته صوبي ستكون مكترثا ( تفكر للحظات ).. أو ضابط.
يان أوهي- بووم ، بووم – بوووم.
أوهيوفا – يان ، كف عن اللعب فورا، لاتقلد القس كورديتسكي !.* إنزع هذه اللحية السوداء. انت تضايق بابا أثناء قراءة الجريدة. على بابا أن يقرأ كثيرا ، ففي الجريدة مكتوب كيف ينبغي التصرف مع صبيان غير مؤدبين من أمثالك. يان أوهي – لنهجم على السويديين ، على السويديين !.
اوهيوفا – السويديون غير موجودين ، إنهم وراء البحر ( تخاطب أوهي ) تكلم معه. إنهره !. قد يؤذي نفسه وهو يقلد هذا القس!.
أوهي – يان ، كف ّ عن اللعب. الآن قلد البحّار.
الإبن الكبير - ( متجهما ) بابا ، هل رأيت النمر ؟
أوهي – أي ّ نمر؟
الإبن الكبير – أوه ، طالما بابا لايعرف ليس هناك فائدة من الكلام...
أوهيوفا – أيصح أن تتكلم الى الأب بشكل مبتور ؟
يان اوهي– الى الأمام ، أضربوا أبناء كالفن!
أوهيوفا – يان. إصم . لاتزعج بابا عندما يتكلم مع أخيك الكبير. إذهب الى الحمام وإغسل أسنانك الصغيرة
يان أوهي – غسل الأسنان يكون بعد الطعام. نحن لم نأكل العشاء بعد.
أوهيوفا – لا ، قبل الطعام . إغسل أسنانك و إلا ستلوث الحساء بالمكروبات
يان أوهي – وراءي ! ( يترك المكان راكضا)
الإبن الكبير– من الأفضل أن يقلد راسبوتين. حينها سيكون الهدوء أكبر في البيت ( يخرج)
الموظف – ( يدخل ) عفوا يا سيّد أوهي إذا كنت قد جئت في وقت غير إعتيادي. القضية مهمة جدا. ليست إعتيادية. هل تدخن؟ إذا تفضلت وقدّمت لي سيجارة؟ ربما شايا؟ ربما كان هناك قميص ما ، نظيف ، أو معطف؟ في الواقع لدي معطفي لكنني أريد تغيير الجو. لا أريد أن يكون حضوري بصفة موظف معدوم الروح. بيتكم جميل.
أوهيوفا – الأرضية وسخة الآن. للأسف لم ترها يا سيدي في عيد القيامة.
الموظف - أنا قصدت الجو الأخلاقي. البريق الخارجي يمكن صنعه دائما الا أن الأمر مع الشخصية هو الأصعب. خاصة في ساعات الشدّة وقبل الضربة
أوهيوفا – هل تريد قليلا من التوت ؟
الموظف - التوت ؟ بالطبع. الأجسام الضعيفة تنهار. إذن عندما تنزل الضربة ...
أوهيوفا – عن أيّ شيء تتكلم يا سيدي؟
الموظف – لدي توصيات صارمة من السلطة لكي أفض القضية بأكبر هدوء و كياسة وحكمة. ببساطة كي لايعم الفزع
أوهيوفا – أيتها الأم المقدسة!
الموظف – كما ترين يا سيدتي. لذلك رجاءي أن لا تصّعبوا عليّ المهمة. لكي نمهد الطريق سنتكلم أولا عن رياضات الماء وبعدها عن المعلبات البيتية ووفق الخطة يلي ذلك الحديث عن الصعوبات في الحفاظ على ماء الوجه كل يوم ثم حين تهدأوا تحصل إنتقالة لينة ومن ثم أقول الأسوء أي الغرض من قدومي

أوهي – لنكن أفظاظا! إذا لاتترك الحديث ، ولو عن رياضات الماء ، فلن تحصل يا سيدي على التوت
الموظف – طيّب. ستوّقع على الأوراق. إذن لم تلحظوا شيئا في الحمام؟
أوهي – كلا
الموظف – ضجيج ، وقع أقدام ، دمدمة؟
أوهيوفا - في الماضي كان زوجي يغني في الحمام لكنه يصمت الآن
الموظف – ربما آثار أسنان على أنبوبة المعجون أو الصابون.. آثار خدش على الآجر ، نتفة شعر حيواني على المينا..
أوهي – كلا ، ولو أنني مرة ...
الموظف – نعم نعم تكلم أرجوك!
أوهي – نعم ، كما لو أن الماء كان يسيل بصورة سيئة أو أن الثقب في الصنبور كان مسدودا...
أوهيوفا –( معاتبة ) ولم تخبرني بأيّ شيء!
الموظف – وماذا بعد ؟ وماذا بعد؟
أوهي – لاشيء. فكرت : لايريد أن يسيل إذن لن يسيل . وخرجت من الحمام
الموظف – لقد ثبتت صحة كل شيء
أوهيوفا - سيدي لاتعذبنا! قل ما عندك
الموظف – عندي توصية وهي إخباركم بأن في حمامكم يرقد نمر رهيب آكل للحوم البشر. دخول الحمام يهدد بالخطر.
أوهي – هه! هه! ياله من مزاح!
الموظف – أنت تضحك ياسيدي ؟ تفضل ، هذا إخبار رسمي
أوهي – انا أرى الختم : مكتب حدائق البلدية . لكن من اين جاءنا هذا النمر ؟!
الموظف – هذه قضية لاتخصني. الإيضاح تستلمه يا سيدي فيما بعد ومع التقدم الحاصل في التحريات والفحوص المناسبة ، وكل مانعرفه لغاية الآن ، و لأسباب لايعرفها العلم بعد ، يوجد نمر بالغ في حمامك وهو يختفي في النهار وعلى أكبر إحتمال في أنابيب المياه الساخنة التي تناسبه أكثر من غيرها نظرا لإعتياده على المناخ الإستوائي ، أو في السخان!. ليس من المستبعد أن يختفي وفق قوانين علم الحيوان الخاصة به. إن كل حالة من حالات الإستفادة من الحمام ، و الإستحمام كذلك المكوث هناك يهدد بالموت. و الآن أرجوا أن تقدموا لي التوت.
أوهي – إذن الحق معك يا سيدي ، لكن .. صغيري الذي يقلد القس كورديتسكي ذهب الى الحمام !
أوهيوفا – يالله! لقد نسيت الأمر تماما! لكم كان حلوا في زيّه التنكري ، لكم كان ذكيا!
يان أوهي – ( يدخل الغرفة راكضا ) لن نعطيكم يا سويديين مدينتنا ( تشينستوخوفا )!.
أوهي – يان ، هل رأيت النمر ؟ إخبر السيّد.
يان أوهي – رأيته
أوهي – هل تريد ضربة مني؟
الموظف – أرجوك ، لاتمنع الإبن من الإعتراف. فهذا أمر لايضلل السلطة فقط بل يشوّه شخصية الطفل. طيّب قل يا ولد هل رأيته؟
يان أوهي – رأيته. كان راقدا في الحوض وله شوارب طويلة
أوهي – أنا سأجّن!
الموظف – ( بصرامة ) في هذه الحالة ستضمن الدولة لك يا سيدي العناية اللازمة. هل علي أن أبلغ السلطات المختصة بذلك؟.
أوهي - كلا، ليس بعد ( الى الصغير ) هل قال هو شيئا؟
الموظف – ألفت إنتباهك يا سيدي الى أن النمر لايقدر على الكلام. فنظزتك قد تملك تأثيرا مضرا على مجرى الأحداث
يان أوهي - لم يقل شيئا بل أطلق هريرا
الموظف – ألم يعضك؟
يان أوهي – لقد عضني
أوهي – أين ؟!
يان أوهي – في رجلي!
أوهي – أرني !.. لكن لا أثر للعضة!
الموظف – أقول مرة أخرى ، غير مسموح به التأثير على الطفل
أوهي – أنتم لاتقدرون على أن تبرهنوا على أي شيء!
الموظف – أخشى أن ظهور النمر في حمامك لن يبقى بدون تأثير على مصيرك يا سيّد أوهي
أوهي – إذن أيّ شيء عليّ أن أفعله؟
الموظف – قبل كل شيء ممنوع الإستحمام. الإغتسال يمكن أن يتم في طاسة. إذا تعلق الأمر بالإجراءات التالية سيأتيكم أحد علمائنا. أمر واحد عليك يا سيدي أن تتذكره. إذا تصرفت خلافا لتعليماتي ونزل بك ضرر أو أذى فإنك تفقد الحق في الشكوى وفي أيّ مكان والى الأبد
أوهي – نعم
الموظف – أستودعكم. أرى زميلي وقد نفد صبره. إنه يرسل إليّ إشارة
أوهي – أيّ زميل؟
الموظف – من دائرة المالية. الى اللقاء ( يخرج . يان أوهي يتقافز وراءه )
جابي الضرائب – ( يدخل ) هذه إستمارة لتقديم المعلومات
أوهي – أيّ معلومات؟
جابي الضرائب – بشأن الضرائب على النمر
أوهي – إنه ليس نمري. عدا هذا فأنا لا أخاف منه.
جابي الضرائب – القضيتان مرتبطان واحدة بأخرى. إنه يرقد في حمامك. وأنت يا سيدي حين تخاف منه تكون بمعنى ما مستهلكا له. حينها يثير فيك المشاعر التي بدون إسهام منه لما كنت قد عرفتها. مثلا هو لايرقد في حمامي. وهكذا لايتبادرالى ذهن أيّ أحد بان يطالبني بالضريبة. إن موقفي سليم لاغبار عليه. و إذا كنت يا سيدي تخاف أو تبتهج فهذا أمر لايهم أي أحد. ومن الناحية الموضوعية فإن الخوف من النمر هو إنفعال شبيه بالسعادة من إمتلاك حصان جرّ رغم أنه عليّ الإعتراف بأن الأمر قد يملك بالنسبة لك فارقا ذاتيا. بكلمة واحدة إذا خص الأمر الضريبة على النمر فهو مفهوم تماما
أوهي – أنا لا أملك نقودا . فأنا أوهي فقير
جابي الضرائب - في هذه الحالة أنا مرغم على أخذ المصباح ( يأخذ المصباح )
أوهي – إذن بسبب هذا الحيوان المفترس لا أملك الحق في مطالعة صحيفتي المحبوبة ؟
جابي الضرائب – سيأتي في القريب ممثل العلم. الى اللقاء ( يخرج )
العالم – ( يدخل من الباب بصعوبة وهو يحمل آلة شبيهة بآلة فوتوغرافية قديمة ذات ركيزة ثلاثية القوائم) هل من الممكن أن تساعدني ياسيدي؟ الآلة أكبر من الباب
أوهي – أيّ آلة بحق السماء؟
العالم – آلة لقياس النمر. قديما إستخدموا عصا خيزران بدائية إلا أن العلم قام مؤخرا بقفزة جنونية. أرجو أن تمسك هذه الركيزة و إلا فإنها ستنقلب. نعم بهذه الصورة. شكري الجزيل
أوهي – اين ستضع الآلة؟ المكان صغير ...
العالم – في هذه المسألة علينا أن نتفاهم. أنا مبعوث من قبل أكاديمية العلوم بسبب هذه الظاهرة الغامضة التي تنشأ في حمامك يا سيدي . لدي توصية بالبقاء للفترة التي يتطلبها خير العلم ، والقيام بالمراقبة اللازمة
أوهي – هل معك أغطية فراش؟
العالم – كلا ، للأسف. لكن جلبت معي ( فراش سفري ) وأدوات الطعام. أرجو أن تدلني على المكان وليكن قريبا من الحمام قدر الإمكان. المقصود أن يكون موقع المراقبة مناسبا
أهيوفا – هذه غرفة إبنتي لكن لا أعرف إن كان يصح...
العالم – على الخزعبلات الأخلاقية أن تتنحى أمام ألغاز الطبيعة. ومن يدري هل ستظهر غدا أو بعده مثل هذه النمور في حماما ت آلاف الناس البسطاء ورقيقي الحال . علينا أن نملك المعرفة اللازمة. وفي الأخير أنا تعلمت في مدرسة مختلطة و أسرار الجنس ليست عندي بأسرار.
أوهيوفا – ( الى البنت ) أدلّي البروفسور على الغرفة.
العالم – بإسم العلم أقدّم الشكر. ( يخاطب البنت ) لنتخاطب بالإسم. أرجو أن تساعديني في نقل الآلة ( يخرجان من الغرفة )
أوهيوفا – أنت وأفكارك عن النمور!
أوهي – أهو ذنبي . الآن لا أقدر على قراءة الجريدة...
أوهيوفا – أنت تقدر على رميه إذا تربصت به قرب المغسلة. قرأت أن الأنجليز كانوا في الهند يتعمدون في سوق النمور الى الحمام و بعدها يقطعون عليها الطريق بسد ثقب الحوض ثم يصطادونها مثل البط. يالله كم كان رائعا الديك البري الذي ربّاه الأمير ستنفوشكو!. كان مرة ذهبيا و أخرى فضيا أما الضيوف فأصيبوا بسبب الدهشة والعجب بإلتهاب قرنية العين...
أوهي – لانفع من الشكوى، علينا أن نتدبر حالنا. هل هو أمر ممكن رمي صابون مسموم للنمر ؟.
العالم – ( يظهر عند الباب ) عفوا ، أين بالإمكان غسل يدي ؟
أوهي – في الحمام
العالم – شكرا جزيلا .( يتوجه صوب الحمام بدون روية)
أوهي – لكن هناك هذا .. أنت تعرف يا سيدي...
العالم – نعم ، صحيح. بمعنى ما ، أنت أنقذت حياتي يا سيدي
أوهيوغا – أتركما لوحدكما كي تتكلما كرجلين
أوهي – ( يأخذ العالم من يده وينتحي به ركنا) ارجو أن تخبرني بصراحة. من أين جاء هو؟
العالم – هناك فرضيات مختلفة : من التكاثر الذاتي الى الإرتقاء. وهذه الأخيرة أي نظرية الإرتقاء تتوقع إمكانية تطور بعض أنواع معجون الأسنان المتطور للغاية وذلك في أحد الحيوانات الكاسرة من النوع الأكبر أو الأصغر. لافرق هناك. لكن كما يبدو تكون الفرضية المحتملة أكثر من غيرها هي القائلة بأن الطبيعة تشعر بالإرهاق الشديد في لحظات معيّنة من عمرها الذي لايقاس ، وبسبب جميع هذه القوانين غير الإعتيادية لكنها المنطقية والتي عليها أن تخدمها ، تنشأ حينها حالة إزاحة ما داخلية ، حالة همود ، حالة فقدان صواب ، وفي أضعف الأحوال حالة إستغراق ذهني تمحوّر في عملية فحص لمعنى الوجود ، وجود الطبيعة مما يعيقها في السيطرة على مجرى القضايا العام. حينها تجري أحداث مفاجئة مثل حدثكم.
أوهي – طيّب ، ألا يهاجم هو البيت ؟ ربما ننثر المسامير على الأرضية ؟ رغم كل شيء أنا أشعر بالمسؤولية
العالم – لقد درسنا هذه المعضلة في قسمنا العلمي ، وهو إحتمال ضعيف للغاية أن يترك النمر الحمام ويتوجه الى عمق المسكن. كذلك فهو متوحش لايحب الإنسان ولذلك لاتوجد هناك أسباب تدفعه الى لقاء الإنسان وتعريض النفس للخطر. عدا ذلك فهو قد إعتاد على قرميد الحمام ، الناعم الزلق وسحرته شاعرية سدّادات النيكل اللامعة و شغف سمعه بقرقرة الأنابيب البعيدة والضجة في الجدران والسقوط الوديع لقطرات الماء وسيشعر بالضيق إذا نقل فجأة الى جو الصالون البارد والمتكلف أو الى ضجة المطبخ المزعجة. لكن ليس بالمستبعد ، و إذا كان هذا النمر غير حسّاس ازاء التأثيرات الخارجية ، و إذا كان ببساطة ، نمر الفعل وليس التأمل ، ان يترك الحمام ويتوجه في جولة في عمق المسكن ولأغراض شتى.
أوهي – وما الذي ينبغي عمله آنذاك؟
العالم – في الظروف المختبرية ينبغي التصدي له. إلا أن العلم يعترف بعجزه فيما يخص الممارسة العملية إذ لا يملك هو بعد أيّ مادة تجريبية تسمح له بصياغة الإستنتاجات.
أوهي – وهل هو راقد هناك طوال الوقت؟
العالم – تلك هي القضية !. إنه يرقد ، عادة ، لساعات طويلة ويغفو ثم ينهض ويدور قرب الباب. كذلك يحب للغاية التقلب في الحوض لكن هناك نهارات بل أياما بكاملها لايكون موجودا. ربما يختفي في الأنابيب أو أنه يترك البيت لفترة من الوقت لكنه يعود دائما ، كما ليس من المعلوم أبدا أيّ شيء يسّره و أي شيّء يغضبه. هل الحفيف الخافت للفرشاة وهي تمرر على الأسنان أم ضجة الماء أم الساق حين تترك الحوض وتقف على السجادة البلاستيكية. حينها يحصل أكبر عدد من الحوادث
أوهي – وليس هناك من حيلة في الأمر؟ هل من الممكن رش بوزه بسائل ما؟
العالم – النمر المبتل أشد خطرا من الجاف.
( صوت الفتاة من غرفة المراقبة )
يا سيّد!
العالم – عفوا ، عليّ أن أعود الى آلتي. ألفت إنتباهك يا سيدي الى أن المسألة تعتمد على طريقة الصيد الأكثر خطرا لكنها الأكثر نجاعة : ينتهز الصيّاد فرصة غيابه الذي قد يكلف التحقق منه الكثير من التضحيات و ذلك بخلع الثياب وملء الحوض بالماء كأن شيئا لم يحدث ، ثم يبدأ بالإستحمام. أثناء ذلك ينتظر الصياد الثاني وهو يخفي البندقية تحت رداء الإستحمام. ويكون شيئا حسنا إذا غطت رغوة الصابون البندقية من أجل إيهام النمر الذي يبرز فجأة وكله سعار. حينها تدوي الطلقات.
صوت – يا سيّد !
العالم – لاوقت لدي الآن. الى اللقاء. وفي الأخير لديك الآن يا سيدي ضيف كما أرى.
أوهي – ذهب لأغراض المراقبة . ياللأسف ، أردت أن أسأله عن بعض الأمور
مدير فرقة السيرك – ( يدخل ) إحتراماتي . كيف هي الحال مع النمر؟
أوهي – انت تعرف ياسيدي الأمر أيضا؟
مدير فرقة السيرك - عليّ متابعة الأحداث. أنا مدير مؤسسة للترفيه. لا أريد القول إنها السيرك فأنا أعرف رأيك بهذا النوع من التسلية. أنا مهتم بالنمر.
أوهي – خذه يا سيدي على الفور .
مدير فرقة السيرك – أنت تعرف بأن هذا أمر غير ممكن . لكن طالما ظهرهو في هذا المكان ثمة أساليب لحصره في أطر حضارية. إن سيركنا ليس بالكبير ، ولغاية الآن لم نملك حيوانات مهمة. أحيانا بضعة أرانب في القبعة ، أحيانا حمار صغير يقفز من حقيبة يدوية صغيرة . لم نملك حيوانات كاسرة البتة. ونأمل أن يعزز النمر مكانة سيركنا.
أوهي – خذه يا سيدي
مدير فرقة السيرك – أنا أملك فرصة نادرة كي أعدّ نوعا جديدا من الإستعراضات . ليس النمر بحد ذاته بل ظروفه تسمح لنا بذلك...
أوهي – ما قصدك؟
مدير فرقة السيرك – بهذه الصورة نبتكر فعالية غير معروفة لغاية الآن : سيرك طبيعي ذو عروض كاملة ، ذو برنامج غني لكن يقدّم برنامجه الباهر في بيت عائلي عاد تماما. هل تفهم يا سيدي؟ هل يوجد هناك شخص لاتجذبه نكهة العش العائلي المتآخي مع السيرك الغني بأبهته وسحره؟ هكذا يتراكب الداخل بالخارج ، الظاهر بالباطن كي يشكل هالة من نور تتوّج مشروعنا هذا. و أنت يا سيدي تشارك مقدّما البيت والعائلة أما أنا فحصتي السيرك. حشود الناس تحب الوصول الى ماهو محظور أو على الأقل ما يصعب الإقتراب منه. إن الجمع بين كل مزايا حلبة السيرك وخصوصيات الزوايا المأهولة والجو الأصيل للسكن العائلي يحقق النجاح. أكيد أن اهم فقرة في البرنامج ستكون مشاهدة النمر في الحمام من خلال ثقب الباب . وبالنسبة لكل شخص غير مرغم على السكن مع هذا القط الرهيب يكون تسلية حقيقية النظر إليه.
اوهي – قد تكون محقا لكنني أحب الوحدة كثيرا...
مدير فرقة السيرك – أرجو أن تفهمني جيدا. السيرك الذي أتكلم عنه سيملك إغراء يصعب مسكه وتحديده لكنه محسوس يجذب الجميع رغم أنه من وجهة النظر الأخلاقية لن يكون موضع الإتهام. الأمر لا يعتمد على أيّ إخلال بالأخلاق بل على وضع متميز. ما رأيك؟.
أوهي – أنا مشوش الذهن للغاية.. أنت يا سيدي لا تأخذ بنظر الإعتبار أن مثل هذا السيرك الحقيقي في البيت هو في الواقع مسؤولية كبيرة تقع على كاهل ربّه. مدير فرقة السيرك – ما زلت تفكر ياسيدي وفق مراتب غير حقيقية. لن تعد زوجتك ألفين من السندويتشات مرتين في اليوم وفي حالة تقديمنا العروض بعد الظهر ، كما أنها لن ترغم على الترحيب بألفين من مشاهدينا ، بل على العكس يكون المقصود هو الحفاظ التام على الوضع البيتي ، ببساطة من أجل خلق التضاد بين العرض والدفء البيتي والخصوصيات. كذلك علينا أن لاننسى أن النمر سيؤدي دوره أيضا.
أوهي - كذلك لاتنس ياسيدي بأنه ليس نمرا عاديا بل حمّامي. هل يصلح لهذه الأغراض يا ترى؟
مدير فرقة السيرك – لم أفكر بهذا الشيء لكنني لا أظن بأن هناك أسبابا ذات طبيعة جوهرية ...
أوهي – مهلا ، يوجد خبير في البيت. بصراحة أنا أعول على رأيه فيما يخص رفض فكرتك. في كل الأحوال أنا متعلق ببيتي وكما كان لغاية الآن... ( يطرق باب غرفة المراقبة ) يا سيّد . هالو!
مدير فرقة السيرك – هالو!
العالم – ( يفتح الباب وهو نصف عار وبدون حذاء ) نعم
أوهي – مدير فرقة السيرك يسأل هل يصلح النمر كي يشاهده كل مساء عدد كبير من الناس
العالم – لا شك في الأمر . فبين صفاته يمكننا أن نذكر الزهو البالغ...
أوهي – شكرا
مدير فرقة السيرك – قليل من الخطر يستثير مخيلة المشاهدين رغم أنه من الناحية العملية لن يكون هناك أيّ خطر. الباب سيكون مقفلا، هل توافق يا سيدي؟
أوهي – في الواقع ...
مدير فرقة السيرك – أرجو أن تتصور الى أي درجة ستغتني مخيلتك و إنفعالاتك. ألم تحن وحتى حين كنت طفلا ، الى السيرك؟ اليوم تجد نفسك في درب عظيم بدون أن تترك البيت ووسائل الراحة فيه وعاداتك الصغيرة لكن المهمة . ففي كل مساء هناك التوتر والبريق لكن في ذات الوقت ، السكون كأن شيئا لم يحدث و لاشيء غير الجو البيتي الهاديء.ها أنك مستلق في الفراش و بجنبك الزوجة . هدوء ، سكون ، وفي الوقت نفسه يستمر العرض.. وفوق الفراش عاليا حبل مشدود تسير عليه نجمة فرقتنا و أجمل راقصة ، هناك بعيدا قرب السقف. فكر يا سيدي بأطفالك. إنه أمر حسن أن تملك مهرجين في البيت ولو من أجل الأطفال. قفزات هؤلاء الرجال الطيبين وتكشيراتهم ، أيّ سعادة ستدخل الى نفوس صغارنا. ولكم يسهّل هذا الشيء قيادتهم وتوجيههم في الحياة
أوهي – إذا كنت أوافق فذلك من أجل الأطفال
مدير فرقة السيرك – هالو!
أوهي – أما زلت بحاجة ياسيدي الى البروفسور؟
مدير فرقة السيرك - هالو ! أرغب في سؤاله هل بالإمكان وضع خوذة رومانية مريّشة على رأس النمر. فللسيرك قوانينه. هالو!
أوهي – هالو!
العالم – ( العالم يفتح الباب وهو في رداء النوم ) كلا ! ( يغلق الباب )
مدير فرقة السيرك – إنها خسارة كبيرة . طيّب ، الى الغد...
أوهي – عندي طلب واحد فقط وهو أن لايكون في البرنامج قتال قوقازي على ظهور الخيل . فأنا أشعر حينها بتقزز غير مبرّر.
مدير فرقة السيرك - موافق ( يخرج )
أوهي – ( يبقى وحده على الخشبة للحظات. يقترب من غرفة المراقبة. يتردد في طرق الباب لكن يطرقه في الأخير. لايسمع جوابا. يدخل من الجهة المقابلة الصياد العجوز. لحيته كثة وعلى رأسه قبعة كبيرة من الفراء. يحمل بندقية طويلة. يقف عند الباب و ينتظر لكي ينتبه أوهي إليه. في الأخير ينتبه إليه. يصيبه الرعب فجأة إلا أنه يتمالك نفسه ويبدأ الكلام بلهجة صارمة ) ماذا تريد؟
الصياد العجوز – أنا من سيبيريا ، من أعماقها . إنه موجود هنا يا سيّد.
أوهي – ( مخاطبا نفسه ) أمر لايصدق. ( الى الصياد) ما الغرض من مجيئك؟
الصياد العجوز - أنا يا سيّد ، عنيد. أنا ، يا سيّد ، أشعر بالنمر و أينما كان هو . لابد أن يكون هنا.
أوهي – أنا فاهم . إنه يرقد في الحمام
الصياد العجوز – لايهم . سأنتظر. إنه لايخدع عجوزا مثلي
أوهي – طالما أنت موجود في البيت بإمكانك الجلوس.
الصياد العجوز – لا يا سيّد ، أنا واقف ، العجوز ينتظر.
أوهي – ( بهستيريا ) أجلس ، أجلس حالا !
الصياد العجوز – إيه ، يا سيّد .. يقولون عندنا ( من يقف هو ذلك الواقف ).. أنا أقف يا سيّد . العجوز يقف ، يقف...


هامش المترجم:
* أوغسطين كورديتسكي راهب دافع عن كنيسة ياسنا غورا أ ثناء الغزو السويدي لبولندا في القرن السابع عشر.

 

 

الجزء الثاني

مبعوث القدر

 

أوهي و اوهيوفا مستلقيان في الفراش جنبا الى جنب. من أعماق البيت تصل أصوات الأطفال والمعلم المشرف على السفرة المدرسية. الصياد العجوز يقف بلاحراك في الركن.
المعلم – صمتا أيها الصغار. قفوا في صفين.
أوهي – لقد أرغمت على إدخالهم الى البيت. إدارة التربية تدخلت في الأمر.
المعلم – إنتباه! سنبدأ الزيارة الآن. ستعرفون كل شيء عن النمر. يان ، صب اليود على الخدش فورا
أوهي – لم أرد لكنهم قالوا : إرفض زيارتنا نحن لكن هل يصح أن ترفض الأطفال. التعليم هو الأطفال قبل كل شيء.
صوت المعلم - ... إذن النمر يحب المسكن لكن عدد الغرف لايعني أيّ شيء لديه. فالمهم أن يكون هناك الحمام. بالطبع هذا الحمام هو لائق.
أوهي – ( بميلانخوليا ) بعدها سيأتي الأخرون ، ثم من الأقاليم ، ثم السفرات الشعبية ، ومن يعرف ربما سيأتي سكان الجبال البعيدة... عند مدخل البيت سيضعون كشكا لبيع الجعة ...
صوت المعلم - النمور لاتتلف الزرع ، وإذا أراد السكان أن يزرعوا البطاطس في الأصص فبإمكانهم أن يفعلوا هذا الشيء بدون أي خشية.
أوهي - رباه ، إذن صارت الحال بهذه الشكل . أين الصياد العجوز؟ هذه الكثرة من الناس في كل مكان ...
اوهيوفا - إنه يقف في الركن
أوهي – ولم يجلس أبدا ؟
أوهيوفا – ولو للحظة واحدة
أوهي - والبروفسور ؟ أوهيوفا – يراقب. هل تعرف ... يخيل لي أن النمر جاء خصيصا من أجلي
أوهي –ماذا تقولين؟
أوهيوفا – نعم . لابد أن شيئا فيّ أثار ملك ليل الإستواء هذا
أوهي – ماذا تقولين؟
أوهيوفا – أنا أشعر بذلك. وكنت مرتابة منذ أمد طويل. بنات أعمامي و اخوالي ، أشقائي، بيننا رباط مشترك ، نداء الدم ، حريق ما ، وليس بالمهم أن يكون هو في الحمام و أنا هنا...
أوهي – لاتتركيني ! انت ايضا !
أوهيوفا – عشت عمياء غير مدركة لهذا الغليان، أنا على يقين الآن بأنه يوجد في قرع طبول التام – تام ، شيء من الغاب
أوهي – فكري بأطفالنا !
أهيوفا – إنه شيء من الإحتفال رغم كموده إلا أنه مصدر السحر . أنا أعتب عليك . فأنت لم تنبهني أبدا الى هذا الشيء.
أوهي - أؤكد لك بأن السبب كان ضيق الوقت . لأكثر من مرة أردت أن أقول لك إلا أنه طيلة الوقت ليس هناك غير المشاغل ولاغيرها. أستحلفك هل أنت متأكدة؟
أوهيوفا – منذ اليوم لن أنظف البيت. منذ اليوم زهور اللوتس في شعري و أمضي في ذهول الرقص.
أوهي – أرجوك...
اوهيوفا – إبتعد عني ياقزم الشمال!
أوهي – طيّب ، تصرفي كما يعجبك. من هناك ؟
سكرتير البروتوكول – أنا هنا
اوهي – قف ، من أنت يا سيدي ؟ السكرتير – السكرتير الثاني في وزارة الخارجية .
أوهي – بشأن النمر؟
السكرتير – للأسف ، سأبذل الجهد كي لا أخذ الكثير من وقتكم.
أوهي – تفضل . إستلق يا سيدي
السكرتير – شكرا ، افضل الجلوس و إذا سمحتم ( يجلس ) أوصيت بأن أنقل إليك يا سيدي رجاء ، شخصيا بشكل ما ، من وزير الخارجية
أوهي – هل بإمكانك أن تنهض يا سيدي للحظة واحدة . لقد جلست على رجلي. نعم بهذه الصورة. شكرا. طيّب ، ماهو الرجاء ؟
السكرتير – كما تعرف يا سيدي يحل ببلادنا ممثلو مختلف الدول ، مختلف الأجهزة السياسية التي يهمنا كسب صداقتها و لأسباب مفهومة ، كذلك هناك ممثلو الدول غير الصديقة التي نريد رغم ذلك أن نكسب ودها.
أوهو – وكما يقول المثل ( من حبك لاشا&