السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  1- 3- 2004

 

الخياط والإبرة

تأليف:  عواطف إبراهيم

 

(فضاء المسرح شبه فارغ.. هنالك اوراق مبعثرة وكتب قديمة، وفي وسط المسرح كرسي هزّاز.. على يسار المسرح يقبع كائن بشكل متقوقع.. الإضاءة خافتة.. سبوت لايت على الكرسي الذي تجلس عليه الفتاة.)

 

الفتاة:

لماذا؟ ترفض الأمطار أن تسقي روابينا

لماذا؟  تنشف الأنهار إن مرّت بوادينا

لماذا؟  تصبح الأزهار فحما في أوانينا

لإنا قد قتلنا العطر.. وأغتلنا الرياحينا

وأغمدنا بصدر الحب، أغمدنا السكاكينا

لأن الأرض تشبهنا

مناخات وتكوينا

لأن العقم، كل العقم.. لا في الأرض بل فينا

 

(تنهض الفتاة وتتحرك إلى الأمام مخاطبة الجمهور)

 

الفتاة:           ماذا حدث في الأمس؟.. وماذا يحدث اليوم؟.. لم كرهت كل التغيير الذي رأيته؟.. ربما لأني لم أشهده.   رحلة طويلة متعبة.. عيناي تؤلمني.. الضوء الذي كان ينير طريقي هو نفسه الذي يتعبني الآن..  أشعر بفراغ كبير في رأسي.. رأسي الذي كان إلحاحه يتعبني وإصراره على التفكير كان يحركنين،  والآن.. لم لا يهزني رأسي كما كان؟.. أشعر بأني أعضاء متفرقة لا يجمعها شيء.. آه يا روحي.. كم ستتعبي لتلملمي أشلائي التي بعثرها الزمن (تضرب رأسها بقوة) أيها المتعب.. أيها النائم.. إصح! لقد عدنا.. هل أفرغوك مثلما أفرغوا أوردتي وشراييني.. أصابعي تحسك تماما.. إذا أنت موجود.. ساعدني أرجوك.. ساعدني كي أتذكر.. أريد أن أعرف من أنا و أين أنا.. كأني أعرف هذا المكان.. كأنه جزء منّي.. لكن ذاكرتي لا تسعفني على التذكر (تلتقط كتابا من الأرض) "بدر شاكر السياب".. نعم..  أتذكر هذا الإسم جيدا.. أعرفه.. نعم.. شاعري المفظل.. يا ألله..   يا ألله ساعدني.. نعم لقد تذكرته.. كنت أقرأ شعره عندما أكون مجهدة.. أقرأ كي أسترخي.. نعم.. تذكرت جزءا (تضرب على رأسها) إصح يا هذا.. تكلم.. ما كل هذه الكتب والأوراق ولم هي مبعثرة هكذا (تروح وتجيء وهي تدمدم مع نفسها) آه.. هذا مكاني.. لقد بعثروا كل شيء.. تذكرت.. المجرمون كانوا يفتشون عن ذاكرتي..(تضحك) وهناك حاولوا قتل ذاكرتي و ظنوا أنهم نجحوا.. لذا أخرجوني.. أشكرك يا رب ولكن هل كنت وحدي أم كان معي أحد.. لا أتذكر تماما.. يا إلاهي (تضرب على رأسها مرة أخرى)  هل كنت أعيش وحدي؟  بلا أهل بلا أصدقاء.. أواه يا أصدقائي إن كان لي أصدقاء. لمَ لمْ أر أحدا منهم في غربتي؟  نعم.. غربتي وهي أصعب أنواع الغربة.. الغربة في أوطاننا.

                   كيف أأتي بالناس.. كيف أستحضر الأصدقاء.. أي التعاويذ تأتي بأصدقاء لا أتذكرهم.  (تلتقط ورقة من الأرض.. تنضر إليها بفرح وتقول) وجدتها.. هذا الورقة، أنا من كتبها.. وكان صديقي معي.. تذكرته.. أين هو؟  كان صديقي الوحيد.  قلمي.. أين هو.

 

( تتحرك الفتاة على المسرح يمينا وشمالا باحثة عن ذلك الشيء) ربما هنا

أو هناك.. ربما تحت الكرسي أو أو.. أو (صمت) أيعقل أنهم أخذوه؟.. لكني كنت وحيدة.. لم يكن معي أحد ولكن إذا كان هنا يجب أن أتذكر أين وضعته.. يا إلهي.. هَيْ!  يا صديقي الوحيد.. أين أنت أخرج.. أنا متأكدة أنت هنا.. أرجوك أخرج.. (تضرب رأسها) ساعدني أرجوك ساعدني.. عليّ أن أجده.. يجب أن أجده.. إنه قلمي.. صديقي الوحيد

 

(تقترب الفتاة من الكائن المتقوقع و تحاول لمسه.. يفزع منها وينهض هاربا وهو يردد:)

 

القلم:           لا.. أرجوك لا تلمسيني.. لا تلمسيني

 

الفتاة:           ماذا أصابك؟ هل نسيتني؟

 

القلم:           إبتعدي عنّي.. من أنت؟

 

) تلتقط اوراق وكتب من الأرض وتريها أياه وهي تصرخ)

 

الفتاة:           أنا هذي.. وهذه أنا.. وهذي.. بصماتي في كل مكان.. أنفاسي كل حياتي وتاريخي.. بل تاريخنا معا.. وإن جفّت عروقه.. لكن سنعيد له الحياة من جديد (لم تنظر إلي هكذا) ألم تتعرف عليّ بعد؟.. أجب!

 

(ينهض القلم مبتعدا عنها وهو يدمدم)

 

القلم:           عرفتك من رائحة الورق، ونظرات الخوف، الزمن المتأرجح بيني وبينك.. أي ضوء شارد أدلك على طريقي مرّة أخرى.. أي قدر أتى بك ثانية.  لم أعد أعرف لأن أقداري كثيرة.. لم عدت؟ 

 

الفتاة:           لأني قدرك الأعظم ولأنك لا تعرف غيري.. ولا أنا لي غيرك.. عدت أليك من جديد.. إنني بحاجة لك.

 

(يتقدم نحوها ببطء وخوف، وهو يردد:)

 

القلم:           لماذا تأخرتي عن موعد النغمات الأخيرة والشاي؟

                   قلت أقبّل كفـّيك في غربتي..

لا أزال بأرصفة الليل..

كل العراق بأرصفة الليل..

كثيرون ناموا هناك واستغرقوا

وبقيت مغنّي المحطّات والعربات التي لا مصابيح فيها

وأسحب جفن اللذين ينامون في الذلّ

باعوا الحقل يا سادتي

إنتهت آخر الأغنيات التي يمكن الآن إنشادها

ربما يقتلون المغني.. ولكن الأغنيات..

ستبقى تذوبهم أبد الآبدين

 

(يتقدم و يمسك بالفتاة.. )

 

القلم:           نعم.. جئت متأخرة فلم يبق لي سوى وحشة المكان ورائحة الخوف ..لقد شخت وأضعفني ترددي.  تركتني للأصابع الباردة الميته.. لقد تعبت.. لست قادرا على فعل شيء فما حاجتك لمثلي؟.. لا إتركيني أرجوك.

 

الفتاة:           أقدر ما حدث لك.. لكنه ليس ذنبي ولا ذنبك أيضا.. الأقدار مثلما تفرق..

                   تعود فتجمع بين الناس وأنت تعرف بيد من كانت أقدارنا.

 

القلم:           كابوس.. نعم كابوس.. مسخ كل شيء جميل.. مسخونا.. كأنّا لم نكن شيئا.. لم ينجُ أحد من شرهم.. ملاعين!.. كلهم متفقون على الشر.. مثل أسماك القرش.. تبتلع كل شيء.. حتى وإن كانت شبعة.. تلتهم لمجرد الإيذاء. كرهت نفسي.. كرهتك كثيرا وكرهت هذا المكان الذي بات أقسا من السجن.

 

الفتاة:           لم أعرفك يوما متشائما. كنت في لحظات أذكرها جيدا تلأم جروحي وتهون عليّ عندما ينتابني ألم أو وجع.. كنت بلسما تداوي جروح روحي ..كنت القوة التي أستمد منها الحياة.. والآن جاء دوري لأكون لك تلك القوة.. سنبدأ من جديد.

 

القلم:           (مقاطعا بسخرية غاضبة) أي جديد هذا.. ألا تعرفين أن الأموات لا يعودوا إلى الحياة.. وأنا ميت.. ميت.. أتفهمين

الفتاة:           إهدأ.. معا سنقاوم الموت.. صدقني سنكون بأمان..

 

القلم:           هل عدت لخداعي من جديد.. عن أي أمان تتحدثين

 

الفتاة:           الأمان الممتد بين الورقة وإبهامي. وصدقني.. لم ولن أخدعك يوما

 

القلم:           كلماتك باردة مثل شتاء الفقراء.. كلماتك ميتة بل حمقاء.. كاذبة (يتحرك بهستيريا)

 

الفتاة:           أرجوك إهدأ .. لِمَ تقول هذا؟ لماذا

 

القلم:           لأنك فعلا هكذا ألا تعرفين لماذا؟.. لأن إستسلامك كان أول هزائمي وجبنك أضعفك وأضعفني.. هذا هو السبب.

 

الفتاة:           (بإنفعال وقد نفذ صبرها)لا، لم أكن جبانة.. كنت خائفة.  كانت اللحظات التي أسترقها لأفكر.. قليلة.  كنت أفكر في لعبة الحياة والموت.  أي حياة هذه التي تقرّب منا الموت في كلّ لحظة.  وِلمَ نحيا ولِمَ نموت.......  معادلة لا أستطيع حلـّها. 

                   أتعرف؟  كان الخوف يأتي مؤلما..  كالمغص.

 

القلم:           أكثر إيلاما من الإستسلام؟!

 

الفتاة:           أصواتهم ما زالت تخيفني.. رأسي مليء بالصرخات والعويل.. الأصوات كانت تخترق الجدران السميكة وبوابات الحديد تصّر من الألم.

 

القلم:           ألتقطتني يد غريبة.. صاحبها كان يعاني مثلما الكثير يعانون.. كان يحاول كتابة مذكراته.. يده كانت مرتجفة أملتني الكثير.. كان كلامها أيضا على الجدران والصرخات والموت.. كأن عالمنا أنفصل إلى جزئين.. جزء خلف الجدران وجزء آخر تحت التراب

 

الفتاة:           بعضهم يصرخ بريء.. والبعض الآخر يشتم سجانيه.. غير مبالٍ لما سيحدث له.. وكثير يصرخ "عاش الوطن" .. كلها صرخات وإحساسي كان مزيجا من الخوف والألم والأمل أحيانا.  لو تعرف كم مرّة تمنيت أن أموت.. كم تمنيت.. لكن هناك لا مكان للأمان.. حتى في الموت.

 

(تتركه وتذهب بإتجاه الكرسي)

 

القلم:           من غير تلك الجدران، أنا كنت سجين.. سجين وحدتي وقلقي.. كنت أشعر بأقدامهم تأتي صوبي ولا أستطيع الحراك.  أتذكرين يوم وجدتني وأخذتني معك؟  كنت وقتها خائفا منك أيضا لأنني عانيت الكثير.. لقد تلاطمتني الأيدي القذرة مثل أمواج عاتية لا تعرف الرحمة....

                   مرّة تمسك بي يد مسؤول كبير تخط بي أمر سجن أو إعتقال أو إغتيال أو إعدام.. كنت بائسا، لإنني لم أستطع فعل شيء.. ثم فجأة، أجد نفسي بيد أخرى، يد متسلق يبحث عن ترقية فيقوم بكتابة تقارير ليحظى برضى سيّده.. وتارة أجد نفسي بين يدي عبد يغازل أزلام السلطة ليحظى برضاهم.. لم أجد نفسي إلا معك عندما إنتفضنا معا..أجمل أيامي كانت في هذه الزوايا الخاوية.. لا تلوميني إذا غضبت منك فإن غضبي محبّة..

                   رأسك المليء بالصرخات.. مثله أوردتي المليئة بالدم الفاسد.. هل تستطيعين تغيير دمي من جديد؟.. هل تستطيعين؟

 

الفتاة:           سئمت الشتائم والكلمات النابية.. كانوا يصفوننا بأحقر الكلمات وأوسخها.. أريد إفراغ أذني مما تعودت عليه.. أريد أن أسمع كلماتٍ جميلة.. خذني أرجوك إلى ماضينا الجميل.. وقصائدنا التي طالما رددناها معا.. أتذكر تلك القصيدة.

 

القلم:           أي واحدة؟  لقد رددنا الكثير من الكلمات والأشعار.

 

الفتاة:           تلك التي تقول:

 

وترحل في آخر الليل عني

كنجم.. كطير مهاجر

وتتركني يا صديق حياتي

لرائحة التبغ والذكريات

وأبقى أنا

في صقيع إنفرادي

وزادي أنا.. كل زادي

حطام السجائر

وصحن.. يضم رمادا

يضم رمادي

 

القلم:

وأبقى أنا في ضباب الضباب

كأني سؤال بغير جواب

كأني حملت الوجود معي

وأشعل ضوءي.. وأسدل حولي الستور

وأنبش بين السطور.. وخلف السطور

لعلك بين الصحائف خبأت شيئا

سلاما صغيرا.. يعيد السلام إليا

 

(يتقوقعان كل في جهة ويعم المسرح هدوء وصمت.. تدخل الموسيقى.. تنهض الفتاة ببطء شديد.. متثاقلة.. وكأنها تحدث نفسها.. تتحرك لغير إتجاه)

 

الفتاة:           مسخوا ملامح الحياة.. زيفوا كل العناوين الجميلة..  كانوا قديما يصنعون الإله من تمر يعبدوه ثم يأكلوه.. في هذا الزمن، صاروا يصنعون الإله من كلمات حمقاء ساذجة.. وعندما يكبر الإله، هو يأكلهم ويبتلع أحلامهم.

 

القلم:           مرّة.. امسكت بي يد ناعمة.. كان ملمسها رقيق على عنقي.. كان شاعرا معروفا.. فرحت عندما أخذني ليكتب.. وبدأ يكتب.. ولكنه فجأة عصرني بقوّة.. كانت كلماته تعذبني.. كأنها نار تتسلل إلى عروقي بلا رحمة.. كتب و مجّد وهتف.. مزق الورق عدّة مرّات.. أحسسته مجبر على كتابته وعاد يكتب من جديد.. وأنا أتألم ،تارة كنت أرثي لحاله وتارة أخرى أحقد عليه..  لم النفاق.. لم الزيف.. لم يفعلون كل هذا.

 

الفتاة:           حاولت الكتابة على الجدران.. لكن الجدران كانت مثقلة.. رطبة.. طبشورتي أو حجارتي الصغيرة..  لم تقوَ على الحفر.. كانت تتفتت من الألم.. عندما تلامس جدار الموت.. كنت في الإنتظار.. إنتظار المجهول.. إنتظار الموت.. وكان سؤالا يلحّ علي.. لماذا الموت؟  من أجل ماذا يموت هؤلاء؟  أمن أجل المباديء والقيم التي صارت أضحوكة الزمن اللعين؟ 

القلم:           (يتحرك بهستيريا)..  كلهم دجالون.. منافقون.. خائفون.. لا أدري.. كل ما أعرفه أن بعضهم كان يتألم وهو يمسك بي.. وآخرون كانوا يفخرون بخط أي تفاهة تخلو من الإنسانية..

                   أعداء الحياة كثيرون.. أشعر بالذنب لأني لم أفعل شيئا. كخيوط العنكبوت عذاباتنا، تلتسق ولا يراها أحد.. ولكن عندما تتجمع وتنصر بزاوية.. تبدوا مخيفة.. العنكبوت يصطاد بها الحشرات، أما عذاباتنا فيصطادون بها الأحلام والأماني الصغيرة.. عناكب كثيرة كانت تحيط بي.. كنت حشرة.. نعم أنا حشرة.. لأني لم أفعل شيئا.. كان لا بد من فعل شيء أو قول شيء.. جبان سلبي مثلك

الفتاة:           لا تقل سلبية

القلم:           نعم.. إذا لم تكون كذلك فماذا أنت؟

الفتاة:           معك حق عندما تقول عني سلبية.. لأنني اكتفيت بالإنتظار.. إستسلمت.. معك حق.. لكني وقتها كنت خائفة من الموت..

لا تنظر إلي هكذا.. أعرف إنه مبرر جبان.. مثلي.. ولكن لم أقوَعلى المقاومة.. لقد عذبوني كثيرا.. وقتها كنت مستعدة لفعل كل ما يريدون مقابل خمس دقائق راحة من التعذيب.. جلدي فقد الإحساس من شدّة الألم.. كان شيئا مخيفا.. كان الخوف أقوى مني ومنك.. نحن ضحايا (وكأنها ترفض ما قالته) ولكننا الأقوى بكل ما نملك.. هم من ضعفهم كانوا خائفين منا.. لذا أبعدونا.. لم يعرفوا أنك كنت في وجداني وعقلي.  أتعرف؟ كنت أحتمل العذاب كله وأغطي رأسي لأحميك من جلادتهم اللعينة.. عذبوني لدرجة فقدان الإحساس بالألم.. نعم.. فصلت رأسي عن جسدي.. لذا فقدت الإحساس بالألم

(تسقط باكية.. القلم يتقدم نحوها محاولا تهدئتها)

القلم:           لست وحدك من فقد الإحساس بالألم.. أنا أيضا مثلك.. كانوا يجلدوك بالسياط.. أما أنا فكم ألف مرة جلدوني بالكلمات.. كانت كلماتهم مثل سهام مسمومة.. تخترقني.. لم أكن أقوى على قول كلمة لا فجعلوني جبانا.. نعم.. لقد شاركتهم بكتابة تاريخ أسود.. لم أغفر لنفسي أبدا

الفتاة:           كلنا كنّأ دمى، لا حول لنا ولا قوة.. يحركوننا مثلما يريدون.. جعلونا نكرة ونخاف كل شيء.. نعم.. لعنت نفسي كثيرا ولعنت الزمن الذي أختارني لأن أكون فيه.. لم أختر زماني ولا مكاني..  صحيح! لماذا يختارون لنا الأشياء ونحن ننفذ ما يملئ علينا.. الشيء الوحيد الذي أخترته هو أنت، وربطت مصيري بك.. إنتفضت بك على زمني على كل أخطائي.. كل سلبياتي، فحاكموني لأنني إخترتك، فأبعدوني عنك.. وها أنذي من جديد أختارك ولكن، هذه المرة، بلا إحساس بالخوف.. لأن ذلك الإحساس مات في داخلي.

القلم:           (بحنان) هل من العدل أن تتعذبي وحدك؟ وهل من العدل أن لا أشاركك العذاب؟.. وهل من العدل أن ألومك وأأنبك.. آسف.. إنني آسف حقا ولكن تأكدي بأني عندما ألومك فإني ألوم نفسي.. أخاطب عقلي الذي جمدته لأستريح وأختبأت وراء أوراق وكتب صفراء بإنتظار يد تنتشلني.. كنت ساكن في زاوية يعتليني الغبار.. وسط رائحة الزمن الذي كان يجمعنا.. كنت خائفا أيضا.. نعم.. أخاف أياديهم القذرة من أن تعثر علي وتخنقني.. كنت ساكنا بإنتظارك.. وها أنت هنا الآن.. بالرغم من ذلك..أنا ما زلت خائفا.

الفتاة:           كلانا عانى و تعب.  صدقني، الآن الوضع أختلف.. سوف لن تجدهم.. أتعرف لماذا؟.. لأنهم عادوا إلى طبيعتهم.. حجر.. نعم لم يكونوا سوى حجر

القلم:

لكأنني ألقى الحقيقة في يدي

بسيطة كالعشب

امتنا تشيخ

وبين مكاتب الحكام والعقداء تفقد آخر أرضها

القبر المهيأ

أمة بعثت، ولكن منذ آلاف السنين

وما الذي يأتي؟

الشرارة قد تجيء.. وليس بعد الموت من موت

وآخر أرضنا القبر المهيء كان عند التل

والحكام والعقداء ينتظرون ساعتها الأخيرة

 

الفتاة:           وجا ئت الساعة الأخيرة.. ساعة خلاصنا وموتهم.. فخرجت أصوات الضحكات من وحشة الليل الكئيب.. تكسرت الكراسي.. وتهدمت أعمدة الظلم وأنبعثت منها رائحة الخشب المنخور.. رائحة الظلم والعذاب.. وأستفاقت الشمس لتمحوا بقايا الضلام في الزوايا.. أتعرف ما هو الصعب الذي أراه الآن؟  هوكيف نساعد الأمل والفرح لدخول حياتنا.. وكيف نعتاد عليه بعد أن نسينا ونسيناه

 

(هنا تدخل موسيقى هادئة.. يلتقيان في وسط المسرح ويقومان برقصة تعبر عن آلامهم)..

القلم:           أين هي؟

 

الفتاة:           أين هو؟

 

(تطفئ الإضاءة ويبقى سبوت لايت متحرك على أطراف المسرح.. هنالك موسيقى صاخبة، الإثنان وكأنهما في ضياع يبحثان عن شيء ويصرخان......سبوت لات على القلم عقب سكون تام في المسرح.....)

 

القلم:           أنت.. ايتها السيدة الأم التي أسست لجاش.. عندما وقعت عينك على البلاد، نزل القطر وفاض الماء.. عندما وقعت عينك على الإنسان، إمتدت له الحياة.. أنا ممن لا أم لهم، فأنت أمي.. أنا ممن لا أب لهم، فأنت أبي.

 

الفتاة:           أمي.. أبي.. أين هما؟.. صحيح أين أمي.. لم تزرني منذ أعوام طوال ولم أرها.. أين هي.. أين أمي.

 

القلم:           رحلت كما رحل الجميع.. هناك من رحل حيا وهناك من رحل ميتا.. بل مقتولا..

 

الفتاة:           قتلوها.. قتلوها..

 

القلم:           قتلتها الحسرة بعد أن أدماها الألم   

 

الفتاة:           ومن صنع الحسرة وأوجد الألم.. أليس هم؟  قطع الحجارة التي لا تشعر ولا تحس؟  قطع الحجارة الجافة من الحياة التي تؤلم ولا تتألم.. مسكينة أمي.. كانت تتمنى أن تشهد عرسي.. ولكن لا هي شهدت عرسي ولا أنا شهدت موتها.

 

القلم:           كانت الأرض باردة، ربما مبللة.. لا أذكر.. لم تكن هناك أرض.. كان هواء تحت قدمي.. أو ربما جثث أحلامي.. لم يكن هناك مكان.. كانت اللحظة وحدها تحملني

 

(يبدأ بغناء أغنية فلكلورية عراقية...)

 

الفتاة:           لم يبق لي سواك.. شعور اليتم يؤلمني.. بوابة الأحزان تفزعني.. أشعر بالإختناق.. إمنحني الهواء لأعيش.. أرجوك إني أختنق.

 

القلم:           لا، ليس أنت من يموت.. أتعرفين لماذا..؟ لأن الحلم لا يموت.

 

الفتاة:           كانت حياتنا كذبة.. صحراء رمالها متحركة.. حياة بلا حياة.. جئتك آملة بحياة جديدة.. لم أحبطتني؟