|
جون
اوزبورن ينظر خلفه بغضب
إعداد: مريم جمعة فرج
في حياته كان
الكاتب المسرحي البريطاني جون أوزبورن مثقفا عنيفا غاضبا وكان مؤلفاته
وحتى الاعمال التي اخرجها للمسرح تطفح بالنقد اللاذع غير العادي اما
رائعته المسرحية الاولى (انظر الى الوراء في غضب) (1956) فقد الهمت جيلا
كاملا من المبدعين, صار يطلق عليهم فيما بعد اسم جيل الشباب الثائر.
بين عامي 1981
ـ 1991 نشر لاوزبورن الجزآن الاول والثاني من سيرة حياته الذاتية الاول
بعنوان (رجل متميز), و(سيد مهذب تقريبا), بينما لم ينته من كتابة الجزء
الثالث والاخير اثناء مرضه الى ان عاجله القدر وبقيت ملاحظات هذا الجزء
الذي كان قد تعاقد على نشره مع دار (فايبر اند فايبر) واستلم في مقابله
الدفعة المقدمة من المبلغ المتفق عليه ـ بقيت محفوظة لدى جامعة تكساس
الامريكية الى الان, وبعد ستة اعوام من وفاة اوزبورن عاد الكاتب المسرحي
الشهير ليثير عاصفة من الاستياء والجدل حول مصير اخر المجلدات الثلاثة من
سيرته الذاتية.
وفي الوقت
الذي تطالب دار النشر البريطانية هيلين اوزبورن, ارملة اوزبورن برد
المقدم البالغ عشرين الف جنيه استرليني وذلك للتعويض عن الخسارة المالية
التي لحقت بالدار يسبب استلام زوجها الراحل لمستحقاته المالية مقدما.
وعدم اتمام العمل فإن هذا يثير عاصفة من الاسئلة حول الاسباب التي حملت
دار النشر على السكوت حتى الموعد الاخير المقرر لانجاز العمل من جهة وحول
الكيفية التي ستلجأ من خلالها الاطراف المتنازعة الى نشر اخر اعمال
الكاتب المسرحي الكبير الشبيه بالغاضب في قبره.
والواقع ان ما
يثير الجدل حول اوزبورن هو ان اعماله كانت دائما قابلة لأن تعيد نفسها
على نحو متجدد مليء بالثورة التي تميزها وعلى نحو مساير لقدرتها على
المعاصرة, فمن كان يتوقع مثلا ان يحدث عمل مثل (انظر خلفك في غضب) تلك
الهزة القوية التي شهدها مؤخرا (1999) الموسم المسرحي في بريطانيا لدى
اعادة اخراجها بعد ما يقارب الـ 45 عاما من عرضها للمرة الاولى.
في البداية
كان اوزبورن قد كتب ثلاثة فصول من المسرحية قامت باخراجها فرقة انجلش
ستيج كومبني في سنة 1956 وعلى الرغم من افتقادها لذلك الطابع الفوري
الحقيقي الا انها كانت ذات مضمون استثنائي غير عادي ساهم فيه ابطالها من
شباب بريطانيا العظمى الذين تتراوح اعمارهم ما بين الـ 20 ـ 30 عاما ومن
الذين لم يكونوا قد شاركوا في احداث الحرب العالمية الثانية واخذوا يرون
ان نهاياتها كانت غير منصفة او مبشرة بمستقبل واعد بل مخيبة للآمال,
فالبطل هو (جيمي بورتر) الذي ينتمي الى الطبقة العاملة وعلى الرغم من
تفوقه الاكاديمي فإن الواقع الاجتماعي والاقتصادي يحد من طموحه في الوصول
الى اعتاب الطبقة الوسطى وبينما يشعر بالاحباط وخيبة الامل فإن اوزبورن
لا يقدم له اي حل لمشكلته سوى حمل جمهور المشاهدين او القراء على مشاركته
ذلك الشعور في الواقع الذي يعيشه الكثيرون منهم.
(الممثل
الكوميدي) 1957 يقدم اوزبورن ايضا رؤية معاصرة لبريطانيا مختلفة عن
الصورة المليئة بالثقة بالنفس التي كانت عليها الامبراطورية العظمى سابقا
وبطلها هو كوميدي فاشل وفيها يستعير اوزبورن صورة محازية للانحدار الذي
مرت به حياة الامة في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية ويقارنه
بالانحدار الذي مر به تقليد محلي معروف (مسرح المنوعات للرقص والغناء)
لكن اهميته تلك الصورة التي رسمها اوزبورن لنفسه كاحد شباب بريطانيا بعد
الحرب الثائرين كانت قد تعدته هو الى التأثير على جيل كامل من الشباب
المثقفين والمبدعين المنتمين الى الطبقات الدنيا من المجتمع البريطاني من
الذين كانوا ينظرون الى الطبقة العليا والمؤسسة السياسية بازدراء شديد
والذين كانوا يعتبرون ما تم انجازه على يد اوزبورن تقدما كبيرا على صعيد
معاناتهم الشخصية.
اثناء عرضها
للمرة الاولى على خشبة مسرح (جورج ديفاين رويال كورت التجريبي) في منتصف
الخمسينيات اختفى باوزبورن كنجم جديد واعد كما استطاع هذا العمل ان يدشن
ثقافة جديدة من ضمنها لغة جديدة مختلفة وانسانا جديدا كان يجسده بطلها
جيمي بورتر الذي تحول الى نموذج حقيقي للبطل المقاوم للتقاليد السائدة.
فيما يمثل العمل الذي اخرجه في سنة 1999 (جريجوري هيرسوف) في فصلين اعادة
قراءة قابلة لأن تكون اهم انجاز حققه المسرح الوطني في بريطانيا بعد صمت
طويل وبحق فإن جون اوزبورن هو الكاتب والمخرج المسرحي الذي بشرت اعماله
وعلى رأسها (انظر الى الوراء في غضب) بولادة حركة مسرحية جديدة اضيفت الى
تاريخ الدراما البريطانية.
ولد جون جيمس
اوزبورن لأب كان يعمل فنانا ذا منحى تجاري, اما أمه فكانت تعمل نادلة في
احدى الحانات وفي بداية حياته المسرحية نجح اوزبورن في استغلال الثروة
التي تركها له ابوه بعد وفاته في سنة 1941 لاتمام دراسته الثانوية في
كلية بلمونت ديفون التي ما لبث ان غادرها بعد شجار مع ادارتها ليغادر
للاقامة مع امه في لندن ويعمل لفترة من الوقت في تجارة الصحف الى ان عرض
عليه العمل في احد المسارح البريطانية قبل ان يجرب حظه في التمثيل ثم
الاخراج والكتابة المسرحية.
كتب اوزبورن
مسرحيته الاولى (الشيطان القابع في داخله في سنة 1950 بالاشتراك مع
استاذته وصديقته (ستيلا ليندن). ومن اعماله المسرحية الاخرى لوثر (1961)
وهي عمل درامي ملحمي عن حياة رائد ثورة الاصلاح استطاع اوزبورن من خلاله
ان يظهر قدرته على تجسيد صورة الشخصية المركزية للبطل المتميز التي يمكن
رسمها على خشبة المسرح بذكاء.
واظهرت مسرحية
(غرب السويس) (1971) نوعا من المشاركة الوجدانية لطراز من المستعمرين
البريطانيين الذين كانت قبضتهم قد اوشكت على الضعف والانهيار ونوعا اخر
من الكراهية الفطرية لاعادته الايديولوجيين الذين خلقوا كما يعتقد
اوزبورن لكي يظهروا بمظهر المرتبك شديد الاضطراب.
ويعتبر النقاد
ان مسرحيته الاخيرة (ليس بجديد) (1992) كانت بمثابة التكملة لما بدأه في
مسرحية (انظر الى الوراء في غضب) او بمثابة القراءة الثانية لشخصية جيمي
بورثر بعد 35 عاما من الانقطاع. وكما يكشف عنها الجزء الاول من سيرة حياة
اوزبورن في رجل متميز فإن كما كبيرا من الثورة التي تضمنتها مسرحيته
الشهيرة كان قد ظهر بوضوح على السطح ليشير الى الاثر الكبير الذي تركته
تلك التجربة في نفسه وفي هذه المرة يهاجم اوزبورن ذلك الاعتدال والحياد
اللذين اتسمت بهما حياة ابناء الطبقة الوسطى من المجتمع البريطاني (في
مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة) التي تنتمي اليها في الواقع
والدته هو والتي كان قد كرهها بالفعل وعبر عن حساسيته الشديدة تجاه
انتمائها الى تلك الطبقة بعنف.
ان بدايات جون
اوزبورن في العمل المسرحي كممثل في الاساس كانت قد ساعدته كثيرا في
الوصول بموهبته في الكتابة للمسرح الى درجة عالية من القدرة على تأدية
الادوار الصعبة التي امكن له تجسيدها على خشبة المسرح.
كما عرف
بقدرته على تجديد ما يعرف بالخطاب المطلوب العنيف وايصاله الى موقع متميز
بين العناصر الدرامية الاخرى والاهم من ذلك انه كان قد نجح في اعادة
توجيه ما دأب المسرح البريطاني على عرضه تنوع من الاعمال الجيدة التي
تسلط الضوء على حياة افراد الطبقة الوسطى نحو ما يمثل بالفعل الدراما
الواقعية في الحياة المعاصرة, متى يفلت نصه المسرحي الاخير (المجلد
الثالث) من سلطة قوانين النشر التي تعاقب الميت كما قالت ارملة اوزبورن؟
لك ان تتصوره وهو ينهض من جديد او ينهض بغضب ليسأل (فايبر اند فايبر) هذا
السؤال الذي لا تبدو في الافق اجابة واضحة عنه.
|