قراءة في كتاب الدكتور عبدالرحمن بن زيدان
المسرح المغربي في مفترق القراءة
نعيمة الحرشي #
إن الانتقال من
كتاب " من قضايا المسرح المغربي" سنة 1978، إلى كتاب " قضايا التنظير في
المسرح العربي من البداية إلى الامتداد" سنة 1992، مرورا بـ" خطاب
التجريب في المسرح العربي سنة 1976، وصولا إلى " المسرح المغربي في مفترق
القراءة " يجعل هذا الأخير يأخذ ترتيبه العاشر ضمن إنتاجية الكاتب و
الناقد المسرحي الدكتور عبدالرحمن بن زيدان الذي أغنى الساحة الوطنية و
العربية بمقارباته النقدية على مستوى النظرية و الإبداع، متجاوزا بذلك
الثابت و الجاهز و المتداول من الأجوبة و المفاهيم، قابضا على جمر
الأسئلة المنهجية و الجوهرية مما أجل تأسيس نسق رؤيوي متكامل.منطلقا من
مشارب متنوعة و من تجربته الشخصية، فهو كما يقول ا للأستاذ برشيد
«
لم يحصر بحثه في فضاء المسرح المغربي فقط، بل إنه قارب كل التيارات و
الاتجاهات و التجارب المسرحية في العالم و في الوطن العربي دون أن ينقل
معرفته العلمية عن الصحفيين، أو من الخطابات المتداولة، لأنه سافر و رحل
و حضر في كثير من الاحتفالات المسرحية، و عايش أسماء كثيرة في هذا
المسرح، و كان في لجان التحكيم، و لجان القراءة، و لجان صياغة التوصيات،
و بذلك راكم خبرته الإجرائية المأخوذة من ميدان المعايشة، و أخذ العلم
المسرحي من المجال المسرحي". 1
و يعود الناقد في
هذا الكتاب مرة أخرى يعد كتابه " من قضايا المسرح المغربي"، ثم "
المقاومة في المسرح المغربي"، ثم " كتابة التكريس و التغيير في المسرح
المغربي" يعود للحديث عن هذا المسرح المغربي في إبداع و قراءة جديدة
مختلفة عن القراءات السائدة، يقول " في هذا الكتاب أردت الإمساك بكل
الكتابات الإبداعية في المسرح المغربي، و أسجل أقوى اللحظات، و أكتب عن
أفصح الخطابات، و أسبر غور أعمق و أبهى الإبداعات المسرحية المغربية "2
فما هي انعكاسات معرفته الإبداعية على محاور الكتاب؟ و ما هي الطروحات
التي صاغها لإكمال بنية مشروعه النقدي؟
لماذا "المسرح المغربي في مفترق القراءة" ؟
إن أول ما يواجه
أفق توقعنا في القراءة الأولية للكتاب هو عنوانه " المسرح المغربي في
مفترق القراءة " أو مفترق الطرق كما ينطقها البعض سهوا، و هذه الغرابة في
البنية التركيبية لهذا العنوان تغرينا بتشوف ما بني دفتي الكتاب، تغرينا
رغم أن الناقد حدد في البدء دوافع هذا الاختيار في اختلاف قراء المسرح
المغربي، و بالتالي اختلافات قراءاتهم و تأويلهم و فهمهم، كما حدد فعل
القراءة لديه في قوله " إن فعل القراءة عندي، في كل ممارساتي النقدية لا
يفتأ يبوح مع كل قراءة، و مع كل تأويل و إبداع بكل ما اختزنته و تختزنه
الذاكرة في ذاكرة من تراكمات و أسئلة و قراءات و مشاهدات و حوارات و تقبل
للنص المسرحي أو العرض" 3
المسرح المغربي و أسئلة الرواد
يستحضر الناقد
مجموعة من الأسماء الفاعلة في المسرح المغربي إما من وجهة نظر تاريخية،
أو من وجهة نظر نقدية، و يبدأ من اسم أجنبي مؤسس لهذا المسرح الوطني و هو
" أندري فوزان " الذي اهتم في كتاباته في خمسينات هذا القرن بمحاولة
تأسيس مسرح وطني متبنيا شكلا جديدا لهذا المسرح من خلال الاهتمام بالتراث
الشعبي و البعد عن النموذج الغربي، مع مراعاة خصوصيات المغرب في فعل
التأسيس لشكل و فرجة المسرح.
و في إطار النبش
في التاريخ المسرحي المغربي المنسي يتعرض الناقد لكتاب " حياة في المسرح"
مع الأستاذ عبدالله شقرون الذي أرخ من خلاله للمسرح المغربي، و كتابة ما
لم يكتب في التجارب التي أرخت له، معتمدا على أسلوب جديد في الكتابة
النقدية المسرحية، و هو أسلوب السيرة الذاتية، و ما يميز الكتاب في نظر
الناقد هو " قدرته على التوثيق و استحضاره الرسائل و المواقف و الذكريات،
و الحوار و أسماء المسرحيات بتواريخها، و مدة عرضها، و دعم ذلك بالإحصاء
و البيانات في ترتيب زمني محكم، أعاد إلى المسرح المغربي جزءا من ذاكرته
المفقودة أو المغيبة" 4
و تمشيا مع نفس
الهدف، و هو إتمام المشروع النقدي الذي بدأه الرواد، يقدم لنا الناقد
تأريخ نهضة المسرح في طنجة من خلال كتابات عبدالقادر السميحي، خاصة كتابه
" تاريخ المسرح و الرياضة في المغرب"، حيث يقف على تاريخ المسرح في مدينة
طنجة، و كتابته تأخذ طابعا مونوغرافيا، و تبحث عن العلاقة بين بدايات
المسرح المغربي و الظواهر الأدبية و ذلك بواسطة الوثيقة، يقول الأستاذ بن
زيدان" و قد وجد السميحي في التوثيق منهجا للتأريخ للمسرح، و أيقن أن به
يمكن أن يكفل للكتابة موضوعيتها و به يضبط الحقيقة و تاريخ الأحداث" 5
و إذا كان
السميحي قد و جد حلقة مفقودة من حلقات المسرح المغربي، وهي حلقة مدينة
طنجة، فإن الأستاذ عباس الجراري سار في نفس المنحى، و هنا استعرض الناقد
الذخيرة الفكرية و الثقافية و الإبداعية لدى الجراري من خلال سؤال النشأة
في كتاباته، و الذي يلقى جوابه في تأكيد وجود المسرح في الثقافة العربية
عكس ما ذهب إليه معظم الدارسين، حيث يتخذ من الحفر الأركيولوجي طريقا
لتفنيد مزاعمهم، و يذهب الناقد هنا إلى القول " إن عباس الجراري شكك في
مصداقية هذه الآراء، و قدم مشروع قراءة جديدة لبدايات معرفة العرب و
المغاربة للمسرح، معتمدا في البرهنة على ذلك إعادة قراءة التاريخ العربي
القديم و إبراز حوار الحضارات و تفاعلها كان من العوامل المساعدة التي
سهلت احتكاك العرب بفنون أخرى و حضارات عديدة تفاعلوا معها في المشرق و
المغرب" 6و يطالعنا الناقد بالمرجعية الفلسفية من خلال الأستاذ محمد
مصطفى القباج في كتابه " من قضايا الإبداع المسرحي " حيث يزاوج بين ما هو
فلسفي و ما هو مسرحي لصياغة سؤاله النقدي، يقول عن ذلك " كان يورط خطابه
أثناء التحليل و في أسئلة وجودية و اجتماعية و سياسية و فلسفية و أدبية و
فنية صاغت سؤاله النقدي في سؤال النقد المسرحي." 7
يأتي دور محمد
الكغاط كمبدع و هو ناقد في قراءة المسرح سواء في الدرس النقدي الجامعي أو
في الممارسة المسرحية على الركح التي أعطت للقراءة عنده – بعدا متميزا،
يقول الناقد " معنى هذا أن محمد الكغاط في مشروعه النقدي – في أحضان
الجامعة- لم يبعد خبرته المسرحية، و سعة اطلاعه على أسرار المسرح العربي
عن هذه الخارطة المسرحية المغربية، و خبرته و سعة إطلاعه على المرجعية
الغربية، كل هذا انعكس بجلاء و وضوح على المفاهيم و المصطلحات أثناء
القراءة".8
من هنا نستنتج أن
قراءة المسرح عند الكغاط تنطلق من استدعاء مناهج النقد الأدبي و الفني و
التكامل و الشمولية بين المسرح كأدب و كعرض باعتبار المسرح عنده ممارسة
طقوسية،
هكذا يرصد الناقد
محطات متعددة من محطات المسرح المغربي بمنهجية تاريخية و توثيقية و علمية
في نفس الآن و هو رصد يتوخى منه إثبات وجود هذا المسرح الذي حاول البعض
تهميشه تارة و نفيه تارة أخرى متذرعين بحجج واهية، عمل الناقد على دحضها
بالدليل و البرهان، قبل أن ينتقل إلى محورين في غاية الأهمية و هما
المدينة و الطفل في المسرح المغربي، فكيف تناول الأستاذ بن زيدان هذين
المحورين في قراءته ؟
دلالات المدينة و الطفل في مفترق
القراءة
تحضر المدينة في
المحور السابع من الكتاب، و للمدينة عند المؤلف دلالات عميقة في صورتها
الفنية و الحضارية و الإنسانية، سواء منها المغربية أو العربية أو
الدولية، يعبر عن ذلك في مؤلفه " مدن في أوراق عاشق" بقوله: ".... من هذا
الصراع كانت هذه المدن تقدم رموزها في التناقض، و كنت بين هذه الرموز و
بين الكتابة التاريخية و الكتابة الإبداعية أتحرك بالكلمات و بالجسد نحو
جوانية هذه المدن حيث وجدت أن لكل مدينة تاريخ ميلاد تعلن به عن بزوغ
فجرها في الزمن العربي، ميلاد تبوح به فضاءاتها حين ترتسم فيها تفاصيل
حياتها بكل الدلالات الظاهرة منها و المستترة، الناطقة و الصامتة،
المركزية أو المهمشة " 9
أما عن حضور
المدينة في النص الدرامي المغربي فهو حضور استعاري غير محدد تاريخيا، و
غير موجود ماديا وجودا مباشرا في أفق القمع و تغييب الحرية، يقول: " إن
من أهم الأسس التي انبنت عليها هذه المدن المتخيلة في الدراما المغربية،
هي دراميتها المستمدة من عملية ابتداع الرحلات الخيالية، الساحرة، لفضح
العادات و الحكومات و السخرية منها".10
و يفرد الناقد
بابا في كتابه للطفل كموضوع للمتخيل في المسرح المغربي، باعتباره مهمشا
في هذا المسرح و مغيبا عنه مع تبيان أسباب ذلك، ثم يتطرق المؤلف لكيفية
التفكير بالطفل في الكتابة المغربية من خلال محوري: الطفولة المصادرة من
الطفولة، تم الطفولة و الموقف من المجتمع و العالم، يقول:" هذه هي
المستويات و القضايا التي ستساعدنا على معرفة الكيفية التي يفكر بها
الكاتب المسرحي المغربي بالطفل، حيث يضعه في بنية النص المسرحي حسب
القناعات التي توجه مسار الكتابة الدرامية".11
يواصل الدكتور بن زيدان أسئلته في المسرح المغربي بسؤال التحول في أفق
تحولات العالم الكبرى فكيف يتعرض لذلك ؟
أسئلة التحول في المسرح المغربي.
يستقرئ الناقد
الدكتور عبدالرحمن بن زيدان حيوية النص المسرحي المغربي في مؤلفه هذا من
خلال علمين احتفاليين هما الأستاذ رضوان حدادو مع نصيه المسرحيين " زمن
مضى و لم يمض " و " أهل المدينة الفاضلة " في أفق تسييس الخطاب المسرحي،
تم نص " اسمع يا عبد السميع " للأستاذ المبدع عبدالكريم برشيد الذي تأرجح
خطابه بين الفوضى و الوضوح و استخدام رموز التراث العربي، يقول الناقد "
إن في نقل التراث إلى المسرح و تحويله إلى احتفال، فيه توليد مادة دلالية
جديدة تنتظر المعنى المجاور لعدة معان تسيرها قوة الميل إلى الغموض
الوظيفي الذي يعمق بإضاءاته فهم المبهم و الملتبس في الواقع". 12
يطرح الناقد في
الأخير مسألة التحولات في سؤال الكتابة الدرامية بالمغرب، من خلال رصد
أهم المحطات قبل الاستقلال و بعد الاستقلال و في تفاعله مع الخصوصية
المحلية و الخصوصيات العالمية ليصل إلى أن " النتيجة الحتمية لهذا التحول
في الوعي التاريخي و الثقافي و الفني، كان المسرح المغربي يبحث عن
إمكانات إفراز نوعه الخاص على مستوى كتابة النصوص المسرحية، و على مستوى
تجريب التعامل مع المدارس و الاتجاهات المسرحية العربية و العالمية، ثم
على مستوى إنجاز العرض، لخلق تواصل حقيقي يربط بين فعل التحول بين تلقي
ظلال و حقيقة هذا التحول مسرحيا".13
و رغم التحولات
التي عرفها المسرح المغربي عبر أهم محطاته فإنه لم يستطع الوصول إلى
العالمية، فما هو السبب؟
يرجع الناقد
السبب الرئيسي في ذلك لغياب عنصر الفلسفة و السؤال المعرفي و الوجودي
طغيان الشكلاني على حساب الموضوعاتي، و في بحثه الحثيث دوما لقراءة هذا
المسرح قراءات متجددة، ينهي المؤلف مؤلفه بقراءة تحليلية لعروض المهرجان
الوطني الثاني للمسرح مكناس في يوليو 2000، هذه العروض التي تنطلق من
مرجعيات عالمية وعربية مع التباين في تقنيات إنجاز الفرجة، حيث قدمت
مسرحية " الخادمات" لجون جونيه من طرف فرقة الأمس المسرحية " كيد الرجال"
المقتبسة من " الجرة" لويجو بيرانديللو ، و هنا يتساءل الناقد " هل تمكنت
كل هذه العمليات الاقتباسية و الإعدادية و الإستنباتية من ترسيخ قواعد
واضحة المعالم في عروض المهرجان يمكن الرجوع إليها لاستكناه كيفية
التعامل مع هذه المرجعيات؟".14
أما على مستوى
العروض ذات المرجعية العربية فقد تم التعامل مع غانم السليطي من قطر، و
محمد بن قطاف من الجزائر، كما تعاملت فرقة مسرح الأراكوز و فرقة محترف
سوفوكل مع نصوص عربية. و عن النصوص المغربية فقد حققت أصالتها في هذا
المهرجان من خلال المؤلفين أحمد الطيب لعلج في " زنقة جحا رقم 13" و
المبدع عبد الكريم برشيد في " علي باب الوزير"
خاتمة
إن كتاب "المسرح
المغربي في مفترق القراءة "هو لبنة كبرى في المشروع الثقافي للدكتور
عبدالرحمن بن زيدان، و مشروع يقوم على أسئلة من قبيل التأسيس و التجريب و
التأصيل، قوامه الانطلاق من الخاص نحو العام و طرح الأسئلة القلقة من
جهة، ثم القراءة من جهة ثانية، و هي قراءة عالمة بأسرار كتابتها، يقول
الأستاذ برشيد في مقدمة كتاب " أسئلة النقد العربي" " إن الكتابة في
المسرح ـ و للمسرح ـ لا يمكن أن تكون مجرد إضافة كمية، أي تراكم الأوراق
المسودة و لا شيء غير ذلك، المطلوب في كل كتابة أن تكون ذات رؤية مركبة،
أن تكون رؤيتها الباطنية جديدة و أن تفجر قضية أو قضايا، و أن تخلخل كل
المفاهيم العتيقة و البالية" 15
هكذا فقد حقق
الناقد بن زيدان الغاية النقدية المتوخاة من كتابة المتجدد مع كل قراءة،
فكان هذا المتجدد إضافة متميزة في المسار المغربي والعرب وكان إضافة
علمية مدروسة دقيقة بعيدة عن كل انطباعية و تأثرية و تنميط. و هو بتعبير
الأستاذ عبدالعالي السراج " جدير بالقراءة و المتابعة لأنه يجمع بين
الفائدة المعرفية و المتعة في التحليل و الرصد بحساسية جديدة قراءة مبدعة
في نقد النقد بعيدا عن التعميم و الانطباع و الاختزال و التعليق و
السطحية ".
#باحثة في
المسرح
وحدة المسرح
وعلاقته بالأجناس الأدبية الأخرى
كلية
الآداب.ظهر المهراز. فاس
هوامش
1)
عبد
الكريم برشيد: قراءة في كتاب " المسرح المغربي في مفترق القراءة " جريدة
الصحراء المغربي عدد5184.
2)
الدكتور عبد الرحمن بن زيدان « المسرح المغربي في مفترق القراءة "
إصدارات أمنية للإبداع والتواصل الفني والأدبي. ص 9.
3)
الدكتور عبد الرحمن بن زيدان: التجريب في النقد
والدراما ص 5.
4)
الدكتور عبد الرحمن بن زيدان « المسرح المغربي في مفترق القراءة "
إصدارات أمنية للإبداع والتواصل الفني والأدبي. ص 21.
5)
المرجع نفسه: ص 25
6)
المرجع نفسه: ص 43
7)
المرجع نفسه: ص 52
8)
المرجع نفسه: ص 66
9)
الدكتور عبد الرحمن بن زيدان: مدن في أوراق عاشق ص 6.
10)
الدكتور عبد الرحمن بن زيدان « المسرح المغربي في مفترق القراءة "
إصدارات أمنية للإبداع والتواصل الفني والأدبي. ص 85.
11)
المرجع نفسه: ص 99.
12)
المرجع نفسه: ص 124.
13)
المرجع نفسه: ص 140
14)
المرجع نفسه: ص 144.
15)
عبد
الرحمن بن زيدان:" أسئلة المسرح العربي " مقدمة عبد الكريم برشيد.
مطبعة النجاح الجديدة. الطبعة الأولى ص8.
|