|
نص
مسرحية ( سدرا )
تأليف خزعل الماجدي
المشهد الأول
بعد الطوفان
ما جدوى أن ندفنهم
سيعودون من جديد .. و يطفحون
) يظـهر موكـبٌ مهيب مـن الممثلـين يحملـون
تابوتين أحدهما لـ) الأب الأكبر
( و الآخر لـ) الأم الكبرى
( لإعادة دفنهما بعد انتهاء الطوفان و يظهر أمام
الموكب الشيخ الكبير
) سيدرا
( و معه كاهنٌ وقور .
ترافقُ ظهور الموكب و التابوتين موسيقى جنائزية مناسبة . يُعتنى
كثيراً بهذا المشهد الطقسي و يظهر بمنتهى الجلال والهيبة
( .
صوت مسجل على شريط التسجيل يؤدي مع الكورال النشيد الجنائزي الآتي :
إهنئي يا أُمَّنا
أيتها الأم الكبرى
و لتملأ نسماتُك الأرضَ
ليملأ روحَكِ السلامُ
و ارقدي ما بين القلوب
ارقدي في نورِنا
ارقدي في آلامِنا
ارقدي في الماء الذي خرجتِ منه .
اهنئي يا أمنا العظيمةُ
أحبَّ الإنسانُ الإنسانَ بكِ
أحب الله الإنسان بكِ .. يا أُمنا
يا أبانا
الذي يحملُ سرَّ الكونِ
الطاهرُ المبرأُ من كلِّ دنسٍ
يا أبانا
النَفَسُ المغروسُ في الإنسان يا بؤرة الأسباط
يا من بسرهِ أحاط
الأرضَ و الإنسان و السراط .. يا أبانا
أيتها الأرضُ البتول
يا مكان الخلاص
يا بيتنا
بوركتِ أيتها الأرض التي غسلها الله من شرورها
ارجعي لنا مطمئنةً و امنحيننا خيراتِكِ
امنحينا الأمان .
الكاهن :
صنعت أصابعُ الربِّ الجسر و كان قبراً وضعت فيه من كلِّ قوى السماءِ
أجملَها فدمهُ من المطرِ .. و عقلهُ من السحابِ .. و عظامُه من
النجومِ .. و شعرُه من العشبِ .. و عيونُه من البرقِ و نُفخت فيه الأنفاس
.. فقام .. و مشى و اشتعل جسدُه كلُّه بالنورِ إلاّ فمه كان أخرس و
عيونُه كانت عمياء و آذانُه كانت مقفلةً فتوغل في الظلمات و أمسكت بيده
امرأةٌ وأخرجته من العتمةِ للنورِ فسارَ و إياها فوقَ الماء و
عبرا أفواجَ النارِ .. و أطلقت المرأة لسانَه و فتحت عينيه و جعلت آذانَه
تتنصت و قالت له أريدكَ .. فقال تعالي نطيرُ في أرجاء الفردوس فقالت
نطيرُ ، فطارا .
و خرجت الزواحفُ من أصابعِه .. ما هذه الدناصير ؟ ما هذا الغرابُ
يخرجُ من دماغِه ؟ ما هذه الفراشاتُ تخرجُ من كلامِه ؟ ما هذه
الأسماكُ تخرجُ من أقدامِه ؟ ما هذه الطيورُ تخرجُ من صدرِه ؟
و رأى النورُ أنَ المرأةَ حمامةٌ حسنةُ المنظرِ فقال تعالي أضمّكِ إلى
حشد الملائكةِ ، قالت ، لا ، معَ زوجي أبقى و أخيطُ له أجنحتَه حتى لا
يسقطَ .. قال هو ساقطٌ لا محالةَ ، فقالت لا .. مع زوجي أبقى أُسقيه
الماءَ و أُطعمهُ الحَبَّ فقال هو جائعٌ لا محالةَ .. قالت لا ..
مع زوجي أبقى ، إلى جانبه ، فقال هو ساقطٌ لا محالة .
فسقطا من الفردوس متعانقين .. و الدمُ يسقطُ منهما فوقعا
كلٌّ في بلدٍ .. و وقع الدم في الماءِ و استطال فصار حيّةً لامعةً .
وانجذب كلٌّ منهما إلى الآخر .. إلى بعضهما فالتقيا و كانت أجنحتُهما قد
تحطمت .
فقال الرجلُ هذا عقابُ الربِّ لنا .. فتعالي نكتبُ ما تعلمناه كتاباً
كنـزا يكون من بعدنا لأبنائنا سبيلا .
سيدرا :
هذه ساعة مباركة .. لا أرى نسراً أو غراباً فوقنا ، ثقُلت أقدامي و تمطى
الدمُ في عروقي و لم يعـد الدمعُ يُسعفني أو يدلّني .. لقد طوقتُ
البشريةَ بحناني و ها قد غسلَ الربُّ أدران العالم في أربعين يومٍ و
ليلةٍ .. لقد ذهبَ الشرُّ من نفس الإنسانِ وغسلَ الماءُ ما على الأرضِ
من بقاياه .. فلنبذرُ هذه الأرضَ برفات الآباء و لتُنبتُ الأرضُ خيراً
عميماً .
هام
: السمكُ خلاصةُ البحر و رايته .. هل يرفعُ البحرُ راياتٍ أخرى ؟ هل
سيهدأ الموج ؟
ماذا يعني أن تكون البحرَ و صيادَهُ ؟
ندفنُ مَنْ ؟ و نبكي مَنْ ؟. سلالةٌ من العاطلين ندفنُ عِقداً من
الخرافات .. ندفنُ شريط الأبجديةِ كلّه .
ألف : أول الخطايا ، باء : الباب ، جيم : الجحيم ، دال : الدم، هاء :
الهواء ، واو : الوعد ، سين : السبت ، قاف : قابيل ، نون : ننفجر ونتحطم
، ندفنُ ألسنتنا
فلترتفعَ الأذنُ مكانَ اللسانِ ، و القدمُ مكان الرأس و لتتكلم
الأرجلُ .
مَنْ هؤلاء الذين نجرُّ توابيتَهم و بخورَهم إلى الأبد ؟
تحت رقابهم ملائكةٌ مذبوحون .. تحت سياطِهم التي تقرعُ الدفوفَ ..
تحت الشكران .. تحت الغفران .
ما جدوى أن ندفنَهم .. سيعودون من جديد .. و يطفحون . سيعودون و نغرق
نحن . الأسلاف .. الأسلاف دائماً وراءَنا .. إننا مقيدون بهم .. نرتجفُ
منهم .. نُطيعهم .. نُعطيهم رؤسَنا ليتصرفوا بها .
ثم من أين نجد طيناً طرياً نستطيع حفرَه .. و نعيد دفنَهم
لابد أن ندفن الأسلافَ لكي نزدادَ انحناءً لهم .
الكاهن
: من هذا الذي يُنطقُ فمَكَ .. و مَنْ تكون ؟
هام
: أنا اللسان القلاّب .. اللهّاب ، أنا الخيالُ السليطُ أنا المدفون في
أجنَّتِكم .. و في أجنحتِكم التي اختفت .
الكاهن : أنظر
..
هام :
الأفقُ يقطرُ دماً و آساً .. و الشمسُ حزينةٌ و تائهةٌ .و ها هو مانحُ
الرياحِ قد استتبَّ و نامَ .. و هذه النفوس انطوت على أسرارها و
نامت مثل الأفاعي .
ما الذي يمكن أن نعيدَ صُنعهُ و كيف ؟ لقد تبددت الحياةُ مثل خرزة و سقطت
في البئر .. و ها نحنُ أمامَ عبءٍ أعمى لا نعرفُ كيف نوجِّهه .
أنزلنا من أكتافنا أكياساً ملأى برفات الأولين و بدأنا ندفنُها
وكأننا أنزلنا ماضي الإنسانِ كلَّه إلى العدم حتى لا نشعر بهول ما حصل .
ما الذي فعله الإنسان حتى يتحملَ كلَّ هذا ؟
يافث :
لا أحد يجيب .. ولا أحد يصغي ..
كلّ شيءٍ على مهله .. ما الذي يمكن أن نفعلَهُ و هذا الجمرُ في
العيون ، الترابُ أم الغيمةُ أفضلُ
! الأيادي أم الخواتمُ
! .. الرؤوسُ أم التيجانُ
!
لا أحدَ يجيبُ لا أحد ، طالما ارتفعت الآفاق مهلهلةً بسوامقِ الجبالِ ، و
يا كثرما طفحت المستنقعاتُ بألوانٍ تُذيب العيون .
الحريرُ يلامسُ وجه الأرضِ ، فلنكن عليها .. غفوةٌ واحدةٌ
مهلكةٌ ستُزيل النِعمْ ، و لابد من عيونٍ منفتحةٍ أبداً .
سيدرا :
اسمهُ مانحُ السلامِ و القسوةِ .. فكيف تجدّف ؟
يافث
: و الشعاعُ النازلُ من سُرّةِ السماءِ .
سيدرا
: و كيف تَراه ؟
يافث :
الجسدُ نشوانٌ بما يجرجرهُ من نفائس فقط .
سيدرا :
و هو الذي وضعَ في حافات السمكةِ أجنحةً و قال لها لا تطيري .
يافث :
هذا .. هذا معنى لا يغيبُ .. نذهبُ إليه متنكرين أو أَصحاءَ لنُخرجَ ما
ضاع في جوفِ الأرضِ و لنستنبتَ القوى والرغبات .
سيدرا
: كم أخافُ عليك من هذه الدَرَنَة التي تنمو تحت تراب صدرك .
يافث :
إنها قلبي يا أبي .
سيدرا :
بل هي صُرّةُ اطماعكَ .. لها أوراقٌ و أشواك .
)
يلتفتُ سيدرا إلى حام المطرق المتجهم الحزين
(
و أنتَ يا حام ما بالُك .. لا أسمع منك صوتا ًو لا أرى فيك ما يقال
.. أعرفُ أنك مغتاضٌ مني .
حام :
ليتكَ أكملتَ غضبَكَ فأزلتني من الوجود .
سيدرا :
أنا أبٌ يا حام .. لقد حاول آدم معرفةَ شيءٍ صغيرٍ من الأسرار فهبط إلى
الجحيم و احترقَ الجنسُ البشريُّ كلُّهُ بعدَهُ يتلظى بعذابٍ و يرسم طريق
عودةٍ شائكةٍ إلى الفردوس .
حام :
و لكنكَ مزّقتَ فيَّ صورةَ السويِّ و جعلتني في سجنِ قُبحي هذا .
سيدرا :
هذا مجردُ عقابٍ تتذكر به سوءَ فعلتك .
حام
: فلماذا جلبتني على سفينتكَ إذن ؟ .. و هي سفينة الأخيارِ المنتخبين ..
ألم يخطئ أخي
) يام
(
فتركتَه نهبَ أمواجِ الطوفانِ . لماذا لم تدفع بي معه ؟ .. لماذا لم
تجلبه هو أيضاً معاقباً مكبَّلاً بخطاياه ؟
سيدرا
: لقد تركتُه يغرقُ في عاصفةِ الطوفانِ حتى نقول أن هناك درجتين من
العقاب : الموتُ و المَسخُ .
حام : الموتُ أفضل .
المشهد الثاني
حلم سيدرا
لم يغسل الطوفان شيئاً
لم يمسَّ النفوس
)
سيدرا لوحده ..
(
سيدرا :
مَنْ معي الآن .. و من ضدي .. لا أعرف
مَنْ رأس الفتنةِ .. و مَنْ غايتها .. لا أعرف
ما الذي يمكن أن أعرفه عن أرضٍ بكرٍ غسلَ الطوفان أدرانَها
لقد غضب الله على البشر و كاد يفتك بهم لولا انتباهة طيرٍ في الأعالي
.
ذهب
) يام
( لأنهُ نُطفةُ الشرِّ فيَّ و مُسِخَ حام لأنهُ بين
بين والتوى عقل يافت بالطمع و المُلكِ و توترت نفسُ هام فهام .
و لو جمعتُ كلَّ هذا لوجدت اللير يطلعُ كشجرةٍ صفراء عجوز تلتمعُ
بحكمتها و سنينها و يتساقطُ منها ثمرٌ فجٌ كثير .
ما الذي دهاني .. حتى أشيخَ بهذه السرعة .. كنتُ فلّاحَ الربِّ أزرعُ
الكرومَ و أشربُها و أهنأْ فمسّني ، من بعيدٍ ، غصنَ الحكمةِ ، و ترابٌ
و حصى في قاعي البعيد مازال .
مازال الوقتُ طويلاً لكي تصلبَهم الأيامُ فيخرجُ معدنَهم الذي هو
معدني .
كم
تلزمنا من جرأةٍ في النفوس قوىً لنسدَّ بها الموتَ القادمَ إلينا، كم
يلزمنا أن نتوغَّل في البعيد حتى نُصلحَ القريبَ .
دائماً لابد من بدايةٍ جديدة ..
)
يدخل أبناؤه الثلاثة و الكاهن و حاشيةٌ من اثنين
(
سيدرا :
أما و قد استقرّت الأرضُ في قرارِها و هدأت منذ زمنٍ وأسفرت عن طيوبها و
خيراتها و قد قدتُ سفينةَ الإنسانِ من تلك الأخلاطِ المظلمةِ السالفةِ
التي كانت تعجُّ بالعماء والفوضى وصارعتُ الشرَّ سنين طويلة فقتلتُه
بإيماني فوهبني الله سفينةَ الخلاصِ إلى زمنٍ جديد .
لقد عزمتُ على أمرٍ سأُطلعكم عليه .. غير أن ما يقلقني هو ما رأيته
في حلمي و لا أدري ما إذا كان كابوساً أم رؤيا .. ولكنني لاشك مختلطُ
اليقيِن مشوشُ الذهنِ .. و قد رأيت أن أقصّ عليكم حلمي علّكم تعينوني على
تفسيره ..
في الليل .. في أقاصي الليل ، في البحر .. في أقاصي البحر ، السفينةُ
يا أبنائي .. سفينة الخلاص المكعّبة التي رست على هذا الجبل لتخرجَ منها
الأصول .. اجتاحتها عاصفةٌ هوجاء .. ريحٌ كاسحةٌ لزجةٌ من كلّ
الجهات هجمت على السفينة .. وفؤوسٌ لامعةٌ بيضاء ،فؤوسٌ من كلّ الجهاتِ
فتفككت أخشابُها وسقطت في الماء ثم اجتمعت حولها ديدانٌ بدأت تنخرُها
وحشودٌ عمياء أخذت تخرج منها ملتويةً لا تعرف إلى أين تسير و آلاف
الحيوانات تطير .. البقرُ يطير .. السلاحف تطير .. السمك يطير ،
خرجت حيواناتٌ كثيرةٌ و خرجَ رجلٌ تكاد ملامحهُ توحي به .. لكنه كان
مرهقاً متعباً .. ممزقاً و قد أدمته العاصفةُ و مزقتهُ و بدا كما لو أن
له أربعُ أيادٍ و عشرةُ أرجلٍ وشعرُه يشتعلُ بنارٍ لا تنطفئ و لا تحرقه
.. و كانت تخترقهُ قطعة حديدٍ طويلةٍ و لكن لا دمَ و لا صراخ .. و كان
يقرأ بكتابٍ في يديه فتنتظمُ الحيوانات و الديدان أمامَهُ و كلّ مرةٍ في
جهة و ما أن يتوقف تعود إلى فحيحِها و تختلط .
لقد رأيتُ أخشابَ السفينةِ تهربُ في ماء البحرِ و على كلٍّ منها
مخلوقات عجيبة تضحك و تبكي .
و رأيتُ الرجلَ و قد ربط ناياً إلى عنقهِ يعزفُ به بين حين وآخر و
القصبُ يرتفع حولَه ، و ثلاثُ قصباتٍ كبيرات قد انتزعن من الحقل و غابةُ
القصبِ حوله تكبرُ و تخيف ، و الماءُ يطفئ موقدَه المقدسَ ، و رأيت
كأسَه المعلَّقة في مشجبهِ تسقطُ ويضيع منه محجنُ الراعي و يقبضُ بومٌ
على عصفورٍ و يقبضُ صقرٌ على عنـزاتِه . و يجنُّ الرجل من العطشِ
و هو في وسط المياه .
يا أبنائي ..
هذا هو حلُمي و لنجعل من تفسيركم له سبباً ننفضُ فيه عن شيخوختِنا
تاركين بينكم هذه الأرض و ما عليها ترثونها بالتساوي أنتم و أبناؤكم من
بعدكم .
حام
: الدنيا تتمايل و تتراتبُ أمامَكَ .. أنا يا مولاي عبدُك وخادمُكَ و
لوني و شكل هيأتي يدل على أن لك معي سلطانٌ عظيم .. أختلف عن أخوتي في
طاعتك و إني لأُحِبّ هذا ، وأرى أن حلمَكَ يعني انتهاء تجوالِك و
تجوالِنا في الماء .. فسفينتُكَ التي تحطمت ستُزهر على الأرض بيوتاً و
قرى و مدناً. و الديدان هي خروج الشرِّ مع الطوفان .. و طيران الحيوانات
هو فرحها بما هي عليه ، و الرجلُ هو أنت بأياديك و أرجلِك الكثيرةِ ذات
الخير ، و كتابُك هو ألواح المعرفةِ التي نظّمت بها الحياةَ و الكائنات .
أما القصباتُ الثلاث فنحنُ .. أبناؤك سنعمِّر لك ثلاث جهات الأرض و
أنت المركزُ و الجهةُ الرابعةُ و أما الكأسُ و المحجنُ والموقدُ و البومُ
و العنـزاتُ فهي حاجاتُك التي تخاف عليها من الفقدان .
سيدرا
: كلامك هذا دليلُ رفعةِ عقلِك .. فكيف أردُّ لك الجزاءَ أتريد أن أزيل
بدعواتي و ابتهالاتي العقابَ عنك فترجع سوياً أو أعطيك ما تستحقُ من
الميراث .
حام
: ألا أطمع بالاثنين ؟
سيدرا
: لا .. إما هذه أو تلك .
حام
: الميراث .
سيدرا
: هو لكَ و لأبنائِك من بعدِك .. جنوبُ الأرض .. بلادُ الغابات التي تحت
مساقطِ الشمس .
و الآن ما قول ولدنا يافث .
يافث
: و هل يُسألُ ولدٌ يدلُّ نحوله على محبتِه .. لقد استقرت معانيك في نفسي
و لا أرى رهط مشاعري إلاّ يرددُ اسمك .
سيدرا
: هذا ما نراه .. ما قولك في الحلم الذي رأيناه .
يافث
: سفينتُك هي الماضي يا أبي ، الذي ذهب مع الطوفانِ و ها نحنُ نغادرُ تلك
الأيامَ السوداء المليئةَ بالجحودِ و الخطيئةِ التي خرجت مع الديدانِ إلى
أعماق الماء ، و كذلك الحيوانات التي تطيرُ فرموزُ الشرِّ رجعت إلى
ماضيها السحيقِ و أما الرجلُ فهو عدوّك مزّقهُ غضبُك و توترُك وقد حاول
أن يسرقَ كتابَك العظيم فلم يفلح ، فالكتابُ و هو في يده لا يجمع إلاّ
الكائنات الممسوخةِ حولَه و القصباتُ الثلاثُ أبناؤك حاول انتزاعها لكن
الماء أطفأَ الموقدَ و سقطت كأسُه و ضاعَ محجنُه و جُنّ من العطش و هو في
وسط المياه ..
سيدرا
: تصفُ ما أتمناه .. يا لك من لامعٍ في ذكائك . لكَ أعالي الأرض و
لأبنائك من بعدك .. أكبر الأقسام و أبردها .. تناسبُ قسوتَك .
و الآن ماذا يقول أصغر أبنائنا و أعزَّهم علينا هام
هام
: لا شيء
سيدرا
: لا شيء !
هام
: لا شيء
سيدرا
: ماذا تعني بـ( لا شيء ) .. أعد علينا كلاماً آخر .
هام
: لا أريد أن أنافقَك يا أبي فأقولُ كلاماً لا يُرضيك
سيدرا
: تكلم .. ما الذي تخبِّؤه عني .
هام
: السفينةُ ذات السفينة .. و الرجلُ ذات الرجل .. ما بالُ الحيوانات تطير
؟ .. هل سألت نفسك ؟
ما بال الأذرع و الأرجل تتضاعف إن لم يكن هناك ما يفزعُها!
اليراع .. اليراع مرتفعٌ حولك .. مظلمٌ و عنيدٌ .. الناسُ من حولك .
الأشجار اليابسة ستخرجُ من البحر و تحلِّق حولَك .. الغراب أعظمُ من
الحمامةِ .. قال شيئاً و صمت .. الحمامةُ ملساء ناعمة .. مَلِقَةٌ ..
تريد أن تعيش .. الخلاصُ يتحطم .. تأكلنا الديدان قبل موعدِ طعامها ..
نذهبُ ضحية الأنفِ المرتفعِ .. العينِ المرتفعةِ .. اليدِ المرتفعـةِ
التي تلـوّحُ ، من النار يأتي .. و كتابُك .. كتابُ النورِ هذا ستمسكهُ
وحيداً باكياً مطعوناً تخترقُ الدماءُ رأسَك و زمانَك .. سيتبدد مُلكُك و
أبناؤك وعبيدُك ، و أشياؤك كلُّها سيغمرها الترابُ ، علّقني بالمسمارِ
يا عمّي .. علّقني بالمسمار من عقلي .. علّقني كي أكون في السماء ..
الأرضُ مبتلّةٌ عَطِنَةٌ تتخايلُ بذبابِها .
سيدرا
: ألا سحقاً لكَ .. تحولي يا أذنيّ إلى طينٍ أو عجينٍ حتى لا أسمع .. أنت
تقولُ هذا
!.. أنت الذي فضلتُـه على الآخرين و كنتُ قد هيأتُ
لكَ ميراثاً أجمل و أحسـن ما في ملكنـا مع كتاب الأسرار فما دام الأمر
كذلك فلتسمع أنت و من حولك .
ليكن لكَ و لأبنائك هذا القسمُ من الأرضِ .. الصحراء .. ولتكن
خرابـاً عليك أينما حللت .. لتكن سُمّـاً و جنوناً رملاً و خراباً .
هام
: أبي ..
سيدرا
: أصمت
) فوضى ... و ظلام .. يُطعنُ سيدرا
(
سيدرا
) قبل أن يموت
( : مازال الشرُّ على هذه الأرض .. مازالت الخطيئة
..
لم يغسل الطوفان شيئاً .. لم يمسّ الطوفانُ النفوسَ
أرى نجوماً سوداءَ ماكرةً
و أرى دماً سينبثقُ من كلّ مكانٍ
و ستهبّ عواصفُ الألمِ و الجنون
لن أتنبأ لكم إلاّ بشرورٍ عظيمةٍ و خراب .
) يموت
(
المشهد الثالث
|