السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  3- 5- 2004

الهواة يتنافسون مع المحترفين في المهرجان المسرحي الكويتي

عباس الحايك

 

 تسود المسرح الكويتي هذه الأيام موجة من العروض التجارية التي ترتكز على الضحك للضحك بمعناه السلبي كهدف وعلى الإسفاف والتهريج، مما أثر على ريادة الحركة المسرحية الكويتية على مستوى الخليج، وأسهم في تراجع مستوى العروض وحتى الممثلة للكويت في المهرجانات المسرحية الخليجية والعربية، خاصة وأن كثير من المسرحيين الكويتين قد ارتقى الموجة دون وعي. ومن هذا المنطلق سعى المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ومن حرصه كحاضن ومنظم رسمي للفعاليات الثقافية في الكويت إلى تدشين خط مواز للخط السائد يتكأ على التجربة الواعية المثقفة، وذلك بمواصلة إصداره لسلسلة إبداعات عالمية وهي امتدادٌ لسلسلة المسرح العالمي، وبتنظيمه لمهرجان الكويت المسرحي المحلي الذي اختتمت دورته السابعة في 21 من نيسان/ابريل الماضي، بمشاركة ست فرق قدمت عروض المسابقة الرسمية الستة، إضافة لمشاركة عرض زائر (حمران العيون) لفرقة صلالة العمانية الفائز بجائزة أفضل عرض في المهرجان الخليجي للفرق الأهلية الأخير في أبو ظبي، وثلاثة عروض موازية. وشمل المهرجان أيضاً ندوتان فكريتان بعنوان ( دور المعاهد وأكاديميات الفنون في تطوير الحركة المسرحية) و (مسرح الطفل.. الواقع وآفاق المستقبل) وشارك فيهما عدد من المسرحيين ضيوف المهرجان والمتخصصين داخل الكويت، كما قدم ثلاثة رواد مسرحيين شهاداتهم الفنية، مريم الصالح وفؤاد الشطي وسعد أردش.

 

بدأت المسابقة الرسمية بعرض( ومن الحب ما قتل) من تأليف الأردني غنام غنام وإخراج محمد سليمان، وتدورحكاية العرض حول امرأة مسنة غنية تتزوج بشاب يصغرها بسنوات، وتشك بعلاقاته بأخريات وبعزمه على قتلها للاستيلاء على اموالها، فتشرع في محاولة التخلص منه بدس السم إلى طعامه لكنه يتظاهر بالموت ليدفعها للانتحار. حكاية تلفزيونية بوليسية لا تنتمي لنصوص غنام الفكرية، ولم تقدم الرؤية الاخراجية فرادة رغم زجه بممثلين معروفين على مستوى الخليج، حسن البلام الحاصل على جائزة أفضل ممثل، وزهرة عرفات، اللذان لم يشفعا للعرض كي يحظى بالقبول، حيث لم يختبر المخرج طاقاتهما الأدائية واعتمد على الديالوجات الطويلة، دون أن يعطي للمشهد البصري مساحة للتعبير عن الفعل المسرحي، مضافاً إلى الديكور القريب من ديكور الدراما المتلفزة، وقد أخفق العرض لأن يكون بداية مشجعة للمهرجان.

 

كان من المحبط لمتابعي المهرجان أن يكون العرض الثاني (بلا رسالة) تاليف وإخراج مجيد عبدالرحيم، لا ينتمي للمسرح بصلة، فقد أراد المخرج ان يكون عرضاً للبانتومايم، إلا إن الفهم الخاطيء لهذا الفن، نزع عن العرض صفة المسرح، فاستعانته بمجموعة من الراقصين الشعبيين لم تمكنه من تحقيق نزوعه إلى التفرد، فالراقصون لا يملكون أدوات أداء البانتومايم، بينما اعتمد المخرج على قدرتهم في أداء الرقصات الشعبية التي لا تنسجم مع مجمل العرض، ولا تحقق عرضاً مسرحياً، وقد بدت أدوات المخرج مرتبكة، في تعامله مع النص.

 

اعتبر عرض ( حدث في يوم المسرح العالمي) عن نص وليد إخلاصي وإخراج عبد الله الباروني في تجربته الإخراجية الأولى، بداية حقيقية للمهرجان فقد انقذ العرض المهرجان من إخفاق الأمسيتين السابقتين. فالعرض يحمل ملامح العرض المتكامل، من النص، إلى الرؤية الإخراجية، إلى السينوغرافيا المتقشفة، حتى التمثيل الذي اعتبر جوكر العمل، فاداء أسامة المزيعل المتمكن أسهم في ضبط إيقاعه بأدواته الأدائية العالية التي كانت جلية، وقدرته على التلون، والتمكن من التعامل مع مفردة المكنسة بذكاء فصيرها تارة حصان وتارة أخرى حبيبة، وإخرى معجبة. وكان للمخرج أن يرفع من سوية العرض لو أحاله إلى مونودراما يكثـف فيها من أداء المزيعل الذي أستحق جائزة أفضل ممثل لكنها أخطأت طريقها إليه لحسابات لجنة التحكيم ومعاييرها الخاصة. نجح الباروني في تجربته الأولى، لافتاً الانتباه إلى مخرج واعي قادر على التعامل مع العناصر المسرحية بحرفية. 

(إعدام أحلام عبد السلام) هوالعرض الذي قدمه المسرح الشعبي وينتمي إلى المسرح الاحتفالي، وتدور احداث العرض في مستويين المستوى الأول المقهى الشعبي الذي تداخل مع الصفوف الأولى للجمهور، محاولاً سحبهم إلى عمق المستوى ليدخلوا ضمن دائرة المقهى، كرواد يحتسون القهوة وينفثون دخان الشيشة، ويلعبون الدومنة والدامة، وهذا المستوى من إعداد المخرج حسين المسلم. والمستوى الآخر التلفزيون الذي تدور فيه حكاية أحلام الفلسطينية التي تزوجت من يهودي محتال لا تعلم بأمر ديانته، وخوفها من أن يتزوج غيرها لأنها لا تنجب إلا أطفالاً موتى، حتى يظهر حبيبها القديم عبد السلام ويكشف لها سر زوجها، فينتحر الزوج بيد زوجته لتواجه حكم الإعدام. وهذا النص الذي كتبته الكاتبة الشابة فطامي العطار التي تحصلت على جائزة أفضل نص، يثير عدداً من التساؤلات للثغرات الكثيرة في حبكته، وحول منطلق الكاتبة الفكري. العرض ورغم جماليته في اقترابه من مفردات الحياة، إلا إنه راهن على الإتجاه نحو فكرة تأصيل المسرح، التي لم تعد تقترب كثيراً من الهم العام. ولم يوفق المسلم في ترسيخ مقولة العرض لأنه لم يدخل الجمهور في عمق المستوى ويفتح لهم مجالاً أوسع للمشاركة في الفعل المسرحي، فهناك قطيعة بين متفرجي الصفوف الخلفية والحدث الذي يدور في المقهى، وإن كان استخدامه للموسيقى والأغاني التراثية أسهم في الدفع نحو جمالية العرض. يذكر أن العرض حقق عدد من الجوائز، الإخراج، أفضل ممثلة دور أول لعبير الجندي، ودور ثان لنور الهدى صبري، وافضل ممثل دور ثان لعبد الإمام عبد الله إضافة لجائزة النص.

 

قدم المخرج خالد المفيدي تجربته الثالثة مع فرقة المسرح الجامعي، بعرض ( المعلقون) تأليف السعودي عباس الحايك في تجربته الخليجية الثانية. وقد زج المفيدي بمجموعة من الممثلين الهواة في تجربة قاسية، إذ ظلوا معلقين على حبال طوال مدة العرض، فالحكاية تدور في اللازمان واللامكان حول أخوة يعلقون في هاوية بعد أن لاحقتهم الذئاب وافترست ساق أحدهم، في رحلة أوعز والدهم إليهم بخوض غمارها بحثاًعن صكوك أملاكه، وليثبتوا رجولتهم، يعلقون بين السماء والأرض يواجهون الخوف والقلق والموت، بحثاً عن أمل في نجاة. ورغم أن الممثلين هواة لا يملكون الخبرة الكافية للعمل في هذا النوع من العروض التي تنتمي لمسرح القسوة، وتحسب لهم هذه التجربة واندفاعهم لخوضها، كما يحسب للمخرج تمكنه من مفردات العرض خاصة على المستوى التقني الصوت والاضاءة التي حصلت على جائزة أفضل تقنية مسرحية.

 

العرض الأخير من عروض المسابقة كان (شيطان الحب) تأليف عبد الله الفريح وإخراج جابر المحمدي، والحكاية تدور حول حبيبين يفرق بينهما نحات يعشق الفتاة بإيعاز من الشيطان بشخصيته النمطية، حيث يهبه القوة ليبث الروح في التماثيل التي ينحتها، لتصبح جيشاً يعلق الحبيب على المشنقة فيتحول الحب البريء إلى وازع للقتل والشر. الحكاية تميل إلى الرومانسية خاصة وأن لغتها مغرقة في الشعرية، إلا إن اختيار النصوص الشعرية لم يكن موفقاً فلم تنسجم مع طبيعة الحكاية، فأنشودة المطر للسياب وقصيدة لقاسم حداد هما نصان ينضحان بالسياسة.أراد المحمدي أن ينحو للتفرد بعرض ارتكز على الأداء الحركي ولغة الجسد، إلا أنه وقع في خلط واضح بين الباليه الذي كانت تؤديه ديما الأنصاري المتحصلة على جائزة افضل ممثلة واعدة، والرقص التعبيري والأداء الحركي، ورغم الجمالية التي سعى إليها المخرج من خلال الرسم التشكيلي للصورة المسرحية والتي وفقت بشكل كبير مما أهل العرض للحصول على جائزة افضل عرض، إلا أن الممثل لم يكن موجوداً فالأداء الدرامي للحوارات وإلقاء الشعر المرتبك بدا غير متسقٍ مع جمالية العرض، فالجسد بدون قدرة على الأداء الدرامي هو جسد لرياضي وليس لممثل. على مستوى الديكور فقد استحق الجائزة عن جدارة لأنه جاء معبراً عن المسرحية ومنسجماً مع التشكيل البصري وكان حياً مفعلاً في الحدث المسرحي.

وبالنسبة للعروض الموازية فإن عرض (انت لست جارا) تأليف عزيز نسين،واخراج ... يستحق الإشادة، جسد شخوص المسرحية كل من، عبد الله غلوم، فيصل العماري، و...، تناسبت الرؤية الاخراجية مع بساطة أدب نسين وعمقه في آن، فالديكور غير متكلف، وأداء الممثلين جاء متسقاً متوازياً، واستطاعوا أن ينزعوا الضحك دون اسفاف أو تهريج، فحكاية البطل المزيف جارا هي حكاية تبعث على الضحك، فجارا الذي غادر إلى الحرب هرباً من زوجته، يقتل في الجبهة فتكتب الجرائد عن شجاعته ويستغل رئيس البلدية الأمر لإقامة نصب له، لكنه يظهر فجأة، فيكتشف أمره بأنه كان هارباً عن جبن، وما موته سوى شائعة، ولأجل الخوف من انهيار مشروع النصب يتخلص رئيس البلدية منه لتموت الحقيقة ويظل الزيف.عرض يشي بإمكانات خلاقة لمخرج ومجموعة ممثلين أكاديميين، وتبشر بأن المسرح في الكويت لا زال بخير إذا لم تنجر هذه المجموعة لإغراءات المسرح التجاري.العرض حصل على جائزة أفضل عرض موازٍ.

خيبت نتائج المسابقة آمال وتقديرات الكثير، إلا إن للجنة التحكيم التي خلت من المحكم المحلي لإضفاء حيادية وصدقية على قراراتها، حسابات تتجاوز الأحكام الانطباعية حيث أن معايير التحكيم جاءت على أسس أكاديمية حسب رئيس لجنة التحكيم الدكتور أحمد عبد الحليم، وما نتائج المهرجان إلا نتاج للبحث العلمي المتخصص في ما قدم طوال مدة المهرجان.وقد أصدرت اللجنة عدد من التوصيات، من بينها إقامة مهرجانين منفصلين للهواة والمحترفين، والتركيز على سلامة النطق بعربية سليمة، وتشكيل لجنة لتقييم العروض قبل المشاركة في المهرجان حتى