السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث   3- 5 - 2004

حوار مع بيتير بروك

ترجمة : عدنان المبارك

هذا حوار أجرته مجلة ( كولتورا ) الثقافية البولندية مع بيتير بروك يعود الى مطلع التسعينات. ورغم قدمه النسبي نجده يكشف منطلقات بروك التي لم تتعرض الى تبدلات كبيرة. وفي الحوار يتناول الفنان المسرحي الكبير بعض أبعاد وقضايا المسرح المعاصرعامة.
تسأله المجلة في البدء:
المجلة – يرى بعضهم أن بيتير بروك هو إصطفائي
eclectic أي يجمع و يمزج شتى الأصناف، كما أنه بدون برنامج ..
بروك – وما العيب في ذلك ؟. هذه كلها محض شعارات. ومأساة أزماننا أن بعض الكلمات تكون على الموضة ، ويستهلكها الناس الى النهاية. بإعتقادهم تصلح الكلمات لإحتواء وختم وطرح شيء ما ، في حين أنهم يستهلكون الكلمة ككلمة لاغير. وما الذي تعنيه كلمة ( إصطفائي)؟. أنا أقلب السؤال الآن. إذا كان المقصود بها معنى سلبيا فهي قد حققت القصد منها. لكن إذا تمّ فحصها بروية و إختبارها ينشأ حينها هذا السؤال : لماذا يكون هذا المصطلح إزدرائيا؟ حينها تكسب الكلمة تعبيرا جديدا ومعنى جديدا أيضا. وأنا أسأل : لماذا لايكون المرء إصطفائيا؟. نعم أنا إصطفائي ونحن جميعا إصطفائيون. وكما تعرفون كنت قد وضعت كتابا يحوي في عنوانه ( المكان الفارغ ) برنامجي كاملا و هو شبيه ، لدرجة معينة ، بما يحصل في اليابان ، اي أن الهدف الأهم الوصول الى شيء ما في مكان فارغ تماما. ولابد من إيضاح أن الفراغ لايعني اللاشيء – العدم. فهو معنى الحياة الأساسي ، أي بمقدوري القول إنني أبحث أو أن برنامجي هو البحث عن الفراغ ، وكل ما أفعله يتم من خلال الكثير من الأشكال الممكنة. وفي كل مرة يكون هدفي هو الحسم ومحاولة حل مشكلة ما.
المجلة – ألا تجد أن مسرح اليوم يوجد في وضع يتميز بالتكثيف لكنه ليس بالدائم إذ ليس هناك ، ولحسن الحظ ، أيّ استيتيكا معيارية
normative بل الكثير من الفنانين البارزين ، كما ظهر عدد من الشباب الموهوبين ، غير أن أيّ إتجاه لايهيمن في مسرح اليوم ، وهو أمر واضح إنعدام التيار الرئيسي. ما هي تصوراتك عن المستقبل القريب في المسرح العالمي؟.
بروك – أنا أرى السؤال زائفا ، فالمسرح المعاصر مرتبط بصورة وثيقة بالحاضر، وهذا شيء طبيعي وهو واجب أيضا. المسرح يعيش الحاضر، يعيش زمكانه. ولهذه الأسباب لا أقدر اليوم على تقديم مسرحية تتكلم عن الفيتنام مثلا. يوجد العالم اليوم في مرحلة مليئة بالتناقضات المتبادلة وغير المفهومة.. مثلا أين هي الحدود بين نزعات الشرق والغرب ؟. ليس هناك من حد فاصل ، فعلى الدوام نلقى الضد والنقيض ، نقيض تلك النزعات شأن الحال عند تقسيم الناس الى من يريدون السلام ومن يريدون الحرب أو من يريدون التفاهم ومن هم متعصبون عميان. هناك أناس إزداد خضوعهم للدوغمات و آخرون يتحررون منه بشكل متزايد. وهكذا بات أمرا أكيدا أن مسرح اليوم قادر وأكثر من أيّ وقت مضى ، على أمر واحد فقط : أن يكون إنعكاسا للواقع أو رد فعل ضده ، أي أن يعامل هذا الموقف أو ذاك بالإعتماد على الشروط التي هي في حالة تبدل. إذن طالما نحن ،أنا وأنت وأمثالنا من الناس الذين يلحظون في كامل المجتمع الدولي تماسا لهذه الإتجاهات وتلك و إتصالا في نقاط معينة يكون المسرح ، بالتأكيد كلتيا
celtic بصورة جزئية وأمريكيا بصورة جزئية وأفضل بصورة جزئية وأسوأ بصورة جزئية أيضا. وهذا هو قانون الأشياء ..
إن الكتاب والمخرجين خاضعون لتأثيرات معينة. وأكيد أنه بالإمكان القيام بالبحث، وهذا ما أفعله بالضبط. كذلك هناك البعد الميتافيزيقي للمسرح الذي لايكون نتيجة لإتجاهات معينة وحركات إجتماعية أو سياسية. وهي حقيقة أن بالإمكان رؤية قضايا معاصرة ومبهمة و تناقضات لعالم السياسة ونظريات آتية من فرويد أو ماركس ، إلا أن هذا كله يندرج في شيء هو أكبر بكثير ونحن لا نعرف كيف نسّميه ونفهمه وندركه.
إذا أراد المرء أن يحيطه ببصره و بصيرته يصل الى نقطة ثابتة في تأريخ البشرية. إنها مثل هذه النقطة الثابتة التي تسمح بإيضاح وإضاءة جميع الأحداث المتبدلة. وكان شكسبير قد عثر على هذه النقطة و لذلك إستطاع الكتابة ، وبضمن ذلك ، عن الأزمان الكلتية أيضا. فكل مسرحية من مسرحياته هي عن التناقضات ومن موقع رؤية الثبات بالتأكيد ، إلا أن هذا الموقع لايمكن العثور عليه بين نزعات العالم الخارجية فقط. إذن يكون أمرا عقيما البحث عنه هناك أي في المكان الذي لايوجد هو فيه. وهذا ليس بإتجاه للمسرح ، وليس الطريق من هنا.
يمكن القول إننا في هذه اللحظة التي قد تستمر عشر سنوات أو أكثر نعيش نهاية القرن وإن هذه النهاية لاتحل في القرن الحادي والعشرين بل الآن. وفي الغرب ، على الأقل ، تجري الآن التحولات الى أفضل ، والى أسوأ أيضا.. وفي الكرة الأرضية ككل تطرأ تبدلات تعمل على تقوّض آراء ومناهج معينة وصيرورتها غريبة على الموضات. وحينما بدأت العمل في المسرح كان ما هو بال يتمثل في آراء وقيم القرن التاسع عشر ، وحاليا تكون بالية آراء وقيم قرننا رغم أن بعضها في حالة جيدة ، ونحن ما نفعله في بعض اللحظات يعود حقا الى القرن القادم. إنها لحظة متميزة ومثيرة للإهتمام حين نتمكن من القول ونحن ما زلنا عائشين في القرن العشرين إنه قرن بال. أنا أجد الأمر رائعا!.
المجلة - أنت تتكلم عن تبدل موقع الرؤية. ألا تخشى أن يصبح مسرحك الباحث طيلة عقود والمكافح والتجريبي والجاذب ، فأعمالك رائجة ماليا أيضا ، مسرحا تجاريا؟.
بروك – نعم . مثل هذا الخطر هو أكيد. إلا أن كل شيء هو الخطر.. وهذا أمر لايخصني. أنا أقوم بعملي فقط. إنني مدرك لهذه الأخطار لكن لا أقوم بتقييم أو تصنيف حدّي لما هو جيّد وما هو سيء. و لنطرح المسألة على هذا الصعيد: حين أعددت في باريس التقديم الأول ل( تيمون الأثيني) حقق هو نجاحا كبيرا. وهذه حقيقة موضوعية شأن الأخرى وهي أن التقديم أعجب النقاد جميعا ، وقد جاء إليّ الممثلون الشباب اليساريون من فرقتنا شاكين من أن شيئا ليس على ما يرام طالما أن الناس من اليمين واليسار يتلقون هذا العمل المسرحي بذات الصورة و الإعجاب. بإعتقادي أن هذا هو رد فعل زائف. وأنت حين تفعل شيئا و يصبح نجاحا كبيرا إنما تسبب حالة تشويش إذ تنشط حينها بعض النماذج المسبقة و القوالب السلوكية الجامدة. فإذا كانت جموع كبيرة من الناس تتوجه لمشاهدة عرض مسرحي ما ، تبدو هذه الحقيقة لبعضهم مريبة وكأنها أعراض سيئة. أما إذا كان التقديم لايجذب الجموع الكبيرة يأخذ الناس بمواساة المخرج والممثلين. إن كل شيء يعمل وفق مبدأ: هذا ليس بعمل جيد طالما يشاهده هذا العدد الكبير من الناس. إلا أن على المرء أن يكون واقعيا. فهذه هي الحياة. الناس يواسونك حين تفشل و تصيبهم الغيرة حين تلقى النجاح لكن ليس الكل يسلك بهذه الصورة.. وما ينبغي عمله عليه أن يبقينا أناسا بسطاء ونزيهين وفنانين وخالقين. أنا مدرك تماما الآن بأن هناك ضغوطا كي أقدّم عملا أكبر من تقديم ( ماهابهاراتا) ، شأن الحال مع المخرجين السينمائيين الذين يعملون فلما تكون كلفته عشرة ملايين دولار وبعدها عشرين مليونا ثم ثلاثين وهلم جرا. إنه شيء شبيه بالمصيدة النفسية ، وهو ضغط على الفنان. أجد أن عليّ التصدي له. يسألني الناس : أيّ شيء ستفعله بعد ( ماهابهاراتا ) وأجيب بالقول : ( الحرب والسلام ). إلا انها ليست الحقيقة.. أنا لا أريد أن أكون سجينا لنزعات وضغوط معينة. ورغم ما قلته عن الخطر المخيم على مسرحي ، خطر النزعة التجارية فأنا لا أريد أن أكون سجينا..