السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  26- 4- 2004

حداثة الشكل والمضمون في مسرح فؤاد الشطي

ظافر جلود

يعد مسرح المخرج المسرحي الكويتي الطليعي فؤاد الشطي اتجاها وتركيبة تؤسس تناقضات الواقع بخطاب عنيف وبثيمات لا تخلو من الهزات التنويرية التي تعكس جذوره المتصلة بهموم انحيازه الكامل للانسان فمنذ ما يقارب اكثر من ربع قرن مع المسرح تجلت قدرته على تمرسه في اتجاهات جمالية حسية وبسيادة الحداثة الشكلية التي غالبا ما ترتقي بالفكرة الى توهج انفعالي وبتدرج عقلاني ينسجم مع كل المساحات الفكرية التي تتأسس على مبدأ الاختلاط الثقافي بين متلق واخر يجمعهم عرض ومكان واحد فيما يسمو باللغة الى مصاف الشعر في تتويج لفظي قائم على النطق السليم للاحرف الصوتية وقوة في الاداء تصل احيانا الى حد الاندماج ما بين الواقع والمتجسد مع انه غالبا ما يميل الى تغريب شخصياته وينتهج اسلوبا ملحميا في منظومة افعاله الاخراجية التي تتلبس الاحداث دون ان تغيب الوعي وتترك للمشاهد الحكم النهائي بعد ملامسة الواقع.

لقد انهمك المخرج فؤاد الشطي منذ رحيل صقر الرشود باعتباره الوريث الشرعي لتجربة مسرحية عميقة في الحفاظ على المنجز المسرحي الذي تحقق للكويت منذ منتصف الستينيات خاصة بعد ان اسست بنيانا راسخا من المعرفة والحداثة في التطور على يد العديد من الخبراء العرب الذين عملوا في الكويت في فترة الستينيات من القرن الماضي مما وضع مسرحها بدرجة متقدمة وبموازاة اهم المسارح العربية كالقاهرة وبيروت ودمشق وبغداد من حيث تناول الموضوعة والقدرة على محاكاة التطور في صناعة التجربة المسرحية من حيث الشكل والمضمون بالاضافة الى وجود العناصر القادرة على التعبير في الاداء والمبادرة في تأسيس وظهور العديد من الفرق المسرحية التي اخذت بزمام المبادرة نحو مسرح حقيقي كانت من ابرز ظواهره هذه النخبة من الاسماء المسرحية التي حفرت في الذاكرة المسرحية ومنها بالتأكيد فنانا الباحث والمجرب والمكتشف فؤاد الشطي الذي وقف مع فرقته العتيدة (المسرح العربي) طوال هذه الفترة بعيدا عن منزلق هاوية سقوط المسرح الى الفراغ وتغيب وجوده الحضاري والثقافي والانساني حيث صمد رصينا تجاه هذه الموجات العابثة بمقدرات الآخرين فقدم العديد من المسرحيات الناجحة ذهنيا وفنيا سعيا الى خلق جمهور متذوق للعمل المسرحي الخالص.

لقد انتمى الفنان المخرج فؤاد الشطي الى قضايا امته العربية منذ ان بدأت بواكير اتجاهاته الفكرية في التعمق نحو قضايا الانسان فهو وان يقدم بعض الحلول في معظم اعماله المسرحية التي يقدمها سواء في الكويت او في اغلب العواصم العربية لكنه يواجه الواقع بكثير من الاسئلة الجادة لكنها في حقيقة الامر سوداوية ذات معالجات متعددة وهي سمة مشتركة في اغلب اعمال الشطي الاخراجية فانك وللوهلة الاولى تجد نفسك امام متنفس حقيقي يفتح اساريرك المنغلقة من هموم شتى لكنك لا تدرك انه يستدرجك ببطء نحو المعادلة التي يريد ان يحققها في عرضه المسرحي انه اذن لا يستغفل المتلقي بقدر ما هو يلعب بذكاء نحو التغلغل في وجدان المتلقي وربما لان فؤاد الشطي من جيل امتلك ادواته الفكرية والسياسية التي احاطت بسلسلة من المواقف القومية ارادت ان يكون للمثقف دور في استدراك هذه المؤشرات عبر ايجاد رأي واضح في تعرية الواقع وكشف بواطن الامور فيتصدى في مسرحية رحلة حنظلة (1985) ليقدم ترجمة نقدية لرؤياه وقراءته الجيدة للنصوص التي تتوافق ومنهجيته واسلوبه في التوافق بين المسرح كلغة تأثير كفن قائم بجماليته وحسيته وبين القيمة السياسية والاجتماعية الذي يريد توصيلها

وهذا الخلط من النباهة والقدرة بحيث يكون للمسرح تأثير سياسي بالضرورة وفق التحليل المنطقي للشخصيات والاحداث التي تجري مباشرة امام النظارة فهو يمسك الخيط الرفيع الذي يفصل بين الشحذ والتنفيس عند حرفوش بحيث يضع المقاس النفسي لهذا التفاعل عندالصالة التي تستوعب الحدث تدريجيا وتنهمك في التعرية التي تبدأ من الداخل وربما تكون الصرخة الاخيرة للمشاهد هي الفعل الرابع في المسرح بعد الممثل والمخرج والمؤلف وهنا مربط الفرس في المسرح الذي يهتم بالسياسة مباشرة وبين المسرح الذي تتخلله السياسة وهي لعبة تقنيات فكرية واعية وراصدة تتحرك بكامل وعيها على هذه المساحة فحنظلة يمثل الرمز الواقع تحت الضغوط التي تعيشها المجتمعات العربية حيث يتلاشى كل شيء تحت ركام الجبروت

والغفلة بانتظار المصير المجهول.

هذا بحدود النص اما الشكل فان المخرج الشطي تعامل مع القضية بحدود مفتوحة استدراكا لابعادها الانسانية الشاملة لينتقل بكامل الحرية بين هذه الاوجاع والآلام وكأنه يدرك سلفا ان رداءي الغربة والتغريب يزحفان عليه بشيء من التوجس واستدراك الاشياء قبل وقوعها فنجح في تقديم نسق قائم على الوحدة الداخلية للكل من خلال العلاقة المتبادلة بين الاتجاه البريختي والواقعية الرمزية حيث التناقضات والتوتر والصراع ببنية جمالية وبأدوات بسيطة على الخشبة انه التفاعل الجمعي ازاء التكوين الفكري للسينوغرافيا والديكور.

ولا يبتعد المخرج الشطي كثيرا عن هذا المتناول الفكري في مسرحيته قضية خارج الملف التي قدمت عام (1989) في الكويت وهي معدة عن مسرحية الدراويش يبحثون عن الحقيقة لمصطفى الحلاج فهو يقدم سيلا من الاسئلة في لحظات انسانية متعددة تتبنى الخلاص من الوعي الذي يأتي بصاحبه الى الهلاك الذي يتجرد من شخصيته لينتحل اخرى تحوم حولها الشكوك تحت وطأة التعذيب الوحشي والقمع الفكري ولذة السلطة بالتفرج على مسخ الانسان ليحولها الى خلية فاقدة الحس لكن هذا التحول يولد العنف المقابل ويفجر لحظة الانتماء الى المواجهة ويرتقي بالحدس الانساني البريء الى حالة من الوعي الجمعي الذي يخرج من اطار الغربة الى المجموع بمعادل موضوعي وبخطاب غير مباشر الى ثورة التحول على الذات نفسها من اجل الحرية والحياة.

اذن فالهم الفكري عند الشطي لا يتقاسم في مسرحياته بل يزيد عليها اعتبارات جديدة مع تحديث الافكار والشروع في بناء فلسفي قائم على رصد الظاهرة وتحليلها فالواقع حزين ساخط وغير ساخط والموقع محاصر بفضاء معتم والرغبة في التخلص من السجن الداخلي للشخصية المتأزمة والبحث عن مكنونات وجودها قابل لتغير الزمن ضمن فضاء المكان والاحداث اي بمعنى تبني دلالة التوق للحرية والخلاص من خلال افعالها وتجاوز سلطان الخوف والحيرة.

وطبيعي ان نص مثل هذا يتميز بثراء واضح وينطلق من موضوعة تلامس الاغلبية بتحليله العميق وحواراته الطويلة يحتاج الى لغة اخراجية قادرة على الاثارة والاندهاش ومسك المشاهد منذ الوهلة الاولى مع الاحداث فان الشطي تخلى عن السكون ولحظات الصمت واستدرك لعبة حركة السينوغرافيا فكل شيء على الخشبة يوحي بدلالات الفكرة كالحبال والدمى والفوانيس والسوط اضافة الى الحركة المحورية للشخصيات لكي لا يبقى الزمن سرديا بل اضاءة على رؤية المستقبل وقراءة الواقع بشكل تنوري.

من نظرة فاحصة نجد ان المخرج النبيه والمؤثر في مجمل حركة المسرح العربي المعاصر الفنان فؤاد الشطي في نهاية المطاف انه ذات رؤية استراتيجية في اختيار النصوص فهو لا يذهب للسهل او يلجأ الى العنف في اللغة التي قد تعصي الفهم عند المتلقي بل الى ايجاد ارضية وفعل مشترك يقتسم فيه الفضاء العام للفكرة اينما تواجد عرضه وفي اي مكان او زمان رغم انه يميل في بعض الاحيان الى ايجاد نوع من المقارنة الزمنية حيث نكتشفها في اعماله الاخيرة مثل مسرحية (احذروا) للمؤلف محفوظ عبدالرحمن فهو يقدم نموذجا للخراب الذي اطاح بالحضارة العربية ويضع هنا دلالة تاريخية بمعناها البسيط المجرد كسد مأرب الذي تآكل بفعل الفئران التي استطاعت ان تقوض المعنى الفكري لصياغة رؤية الحدث في استعارة رمزية مزدوجة تأتي بالماضي وبكثافة اخبارية ايحائية لسياق الحاضر تؤدي الى تعدد المعنى والشمول كالتحذير من العواقب بسبب حالة التشرذم والتمزق التي اصبحت من سمات وملامح الامة العربية.

ان هذا الخوض في اعمال فؤاد الشطي لا يترك فسحة للتخيل بل يغوص في عمق الواقع فالجرذان الذين يتسربون من شقوق الخشبة للصالة يحملون هذا الجذام الفكري العسير بعد احكام طوق الاستلاب على الجمهور فالشخصيات التي تأتي من عمق الزمن ليست قادرة على صياغة الرد والقضاء على هذه الطاعون فهي ساكنة كالاشباح وليس ثمة تغير يلوح في الافق سوى المواجهة بالوعي الاجتماعي وهي لازمة يكررها الشطي في اغلب اعماله الاخراجية فالوعي هو المرادف الموضوعي للخلاص من مشاكل الانسان المستديمة.

وعلى هذا الاساس يذهب بنا الشطي الى شواطيء اكثر امنا بشرط امتلاكنا للوعي القادر على استضاءة هذه الانفاق التي حفرت لنا فيقدم دراما نقدية اجتماعية بعنوان (هالشكل يا زعفران) مع فرقة مسرح الشارقة الوطني يرصد عبرها مواقف اجتماعية لكثير من السلبيات التي تتوافق مع ما يذهب اليه انه الوعي كظاهرة مركبة ومتكاملة لا تنفصل عن اعماله السابقة فهو يأخذ الشكل من المضمون مع التأكيد على العنصر الفكري في هذه المتواليات من الاحداث التي تؤكد المواقف الانسانية والانواع المتغيرة في سلوكها تحت الضغوط واشكاليات علل شفرات الحياة.