السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  26- 4- 2004

الرموز البصرية في نص مسرحية للروح نوافذ أخرى

 صباح الانباري

لا وجود لمسرح بلا صورة فالصورة أداة فاعلة من أدوات العرض الفنية التي تفترض وجود العين المبصرة كشرط أساسي لقراءتها ، ولا يغير من الأمر شيئاً اقتران تلك الصورة بالصمت في حالة (البانتومايم) أو بالنطق في حالة المسرحية الحوارية الصائبة إن كل لحظة تمر على خشبة المسرح تشكل أو توثق صورة تلك اللحظة ,مؤطرة بالإضاءة وقطع الديكور والأزياء والسينوغرافيا والألوان . وعلى وفق هذا تدخر المسرحية الكبيرة عدداً هائلاً من الصور يشتغل المخرج على تكثيفها وبثها إلى المتلقي كرموز بصرية ذات دلالات محددة .

هذه الدلالات هي التي تشكل المعنى العام للمسرحية. وفي المسرح العراقي الكثير من العروض المسرحية التي اعتمدت الصورة كبنية أساسية في توضيح الأفكار وإيصالها ، ومن تلك العروض مسرحية (للروح نوافذ أخرى ) التي سنقوم بقراءة لغة عرضها قراءة بصرية تعتمد الصورة فيه أساسا في القراءة. ففي المسرح الخالي آو المساحة الخالية تصبح الصورة العنصر الأكثر أهمية وأدق دلالة  من العناصر الدرامية الأخرى . أنها مفتاح اللغة البصرية للخشبة .تلك اللغة التي تحول الخشبة الى كتاب تقرأه العين كمجموعة من الصور الدالة التي تدعمها وتعمق دلالتها الإضاءة والموسيقى والموثرات الصوتية والأزياء والمكياج . وفي مسرحية     ( للروح نوافذ أخرى ) التي كتبها الأستاذ قاسم مطرود وأخرجها الفنان احمد حسن موسى صور سمعية وبصرية نجح المخرج في تأطير محتواها بإطار رؤياه الفنية فجعلنا نقرأ ونحن في مقاعدنا ،لغة العرض من خلال الصور آلاتية :

الصورة الأولى:

ظلام تمهيدي ثقيل يغطي الخشبة بضع ثوان يطبع في عين المشاهد سوداوية تنبئ باصطباغ الأحداث آلاتية بصبغتها القائمة، ثم يتوهج الضوء في بقعة كاشفاً عن امرأة موشاة بالسواد : امرأة تنتظر أوبة ابنها  جاعلة من الانتظار مبرراً لوجودها واستمرارها في حياة كل ما فيها مظلم وسوداوي : تتناغم مع هذه الصورة المرئية صورة سمعية لرجل يعلن عن أسماء العائدين من الآسر .

الصورة الثانية

في ثلاث بقع ضوئية ، وضمن مثلث تقليدي ، تظهر صورة الزوجة والأم والملاك وتبدأ أولا الصور الذهنية بالانطلاق من شفتي آلام بتكرار تسويفي لكلمة (يعود) وهي كلمة تمنح الصورة الذهنية إضاءة غامرة تقطعها او تتقاطع معها في تناقض مؤقت .

عبارة الزوجة (لن يعود)

الصورة الثالثة :

تخرج المرأة الملاك من الصورة وتظل الزوجة والأم في بقعتين فترة طويلة نسبيا يتم أثناءها تفريغ الحوار الذي لم يخلو من الاستطرادات التي آثرت في الإيقاع وحولته من السرعة الى البطء .وعلى الرغم من التناقص اللوني الحاد بين زي الزوجة والأم من جهة وزي الملاك من جهة أخرى إلا ان القتامة ظلت باسطة سطوتها على صورة المشهد برمته .

الصورة الرابعة:

تبدأ بظلال ذهنية خفيفة تعمق إيقاع الأمل في ذهن الزوجة فتتحول من الضد إلى الحياة ولكنها مع ذلك لا تستطيع عقلنة عودته فتتحول صورة عودته الذهنية  الوهمية ( سيعود ) الى نوع من الهستريا يتحول فيها فعل الرقص الى الشعور المفرط بالألم والمرارة .لقد استطاعت الفنانة ايمان ذياب ان ترسم بجسدها على الخشبة صورة حية ناطقة معبرة بوضوح وعمق عن حقيقة المراة العراقية في ظروف حرب ضروس ، ولقد ساعدها في رسم هذه الصورة المؤلف الموسيقي سليم سالم الذي جعل الإيقاع يتناغم معها سمعيا وبصريا .

الصورة الخامسة:

يهجم الدود على الزوجة والأم . فتنقضان عليه ضربا وقتلا في حركات مرنة بارعة مؤثرة جعلت اللامرئي مرئيا في عدده وحجمه حتى بتنا نقاتله بصريا دفاعا عن هاتين المستوحدتين ..لقد ملأت أزادوهي صاموئيل وايمان ذياب الفراغ في المساحة الخالية التي عملت كل منهما عليها في هذا المشهد اكثر من أي مشهد آخر .. لقد التحم الفضاء بالفضاء ولم يعد هناك ثمة فضاء للفراغ . ولقد ساهمت الأزياء التي بعثرتها الأم والزوجة في منتصف المسرح بجعل التناغم اللوني شديدا كما ساهمت الموسيقى بشحن المشاهد المتلقي بصورة ذهنية تساوقت مع مجريات المشهد فجعلت صورته اكثر حضورا او تأثيرا من صور المشاهد الأخرى .. تنتهي هذه الصورة عندما تجمع الأم كل ذلك الركام من الملابس في يسار المسرح لتعود إلى  البقعة نفسها التي كانت فيها  من قبل ويعود الظلام ليبسط سطوته على الصورة جاعلا فضاءها اكثر قناعة واضخم حجماً من جسدي الممثلتين الضئيلتين وتفشل حتى الصورة الذهنية للحوار في ملء المساحة الخالية التي اتسعت واتسعت حتى شملت الخشبة كلها .

الصورة السادسة :

في منطقة خيال الظل تظهر الأم وهي تبحث عن ابنها ( هناك ) ثم سرعان ما تدخل (هنا) مع الجثة/ الدمية .تسحبها بمشقة إلى وسط المسرح ..تحتضنها ..ترضعها من صدرها الرؤوم .تسحبها ، الى حافة المسرح بينما انشغلت الزوجة ،طوال ذلك الوقت ، بحفر القبر وتهيئته ليستقبل الجثة الدمية .لقد كان القبر مظلما وكانت الزوجة تؤدي في الظلام حركات لم نستطيع رؤيتها بوضوح بسبب الظلام الذي تعمد مصمم الإضاءة سنان العزاوي والذي نجح أيما نجاح في تصميمه للإضاءة هو الآخر ان يجعل الممثلة تتكلم في الظلام فترة قبل أن يسلط الضوء عليها .

الصورة السابعة:

ترتفع الخشبة الأمامية ويظهر الابن /الزوج ممددا بكفنه على الأرض .. ينهض من الموت .يقف بساق من خشب وذراع مبتورة وتتحول النغمة من ( سيعود ) إلى ( عاد ) ..والثلاثة ألان في ثلاث بقع ضوئية في مثلث مشابه للمثلث التقليدي الأول .يحد من حركاتهم ويحجم أفعالهم. .لقد كانت ايمان ذياب في لحظات الصمت التي ميزت هذا المشهد عن المشاهد الأخرى تعبر بجسدها بطريقة ذكرتنا بالفنانة الكبيرة هيلينا فايكل في مسرحية (الأم  شجاعة وأبناؤها ) وربما درست ايمان صور هيلينا ثم بدأت بتقليد حركاتها وأوضاعها على الخشبة .أما الفنانة القديرة قديسة المسرح العراقي ازادوهي فقد كانت حيوية في ملء الصمت .فعالة في التواصل مع الفعل الدرامي القائم على الخشبة ولم يخلو وجهها ولا ملامحها ، طوال صمتها من تعبير دقيق وانفعال حقيقي .

الصورة الأخيرة :

يتبدد الوهم الذي سيطر على ثلاثتهم .الابن /الزوج يناجي أمه ولم تعد تناجيه واكتفت بدخول قوقعة ال (سيعود )من جديد .والزوجة رحلت الى أفق بعيد في صورة من اجمل صور الرحيل على الخشبة والابن صعد ثانية إلى السماء ليغيب ملاكه أيضا عن المكان الذي (هنا ).وحدها أالأم تبقى على الخشبة منتظرة في صورة المسرحية الأخيرة