|
تداعيات الغربة والألم
عواطف إبراهيم
أرسل لي صديق قريب جدا من نفسي.. قصيدة.. كانت القصيدة تتحدث عن التصحر..
التصحر في كل شيء.. في المشاعر، الأحاسيس، الحياة والعلاقات الإنسانية..
بل وحتى بالأفكار..
قرأت القصيدة.. أصابني شيء من الاستيقاظ الشعوري.. كمن كان نائما وفجأة
صحا.. صحا على أصوات صاخبة جعلته يفيق.. وبعد أن أفقت وجدت أمام عيني
صورة وجهي.. تلمسته أحسسته كالقناع الذي لا تعبير فيه.. وجدت نفسي حائرة
في الرد على قصيدة هذا الصديق، أم مشاهدة الأخبار في التلفاز.. لم أستطع
الفصل بين عيني وذهني وذهني.. رحت إلى الأخبار وتركت الرد على القصيدة
إلى وقت آخر.
وجدت الأخبار متصحرة أيضا والمحطات العربية التي شاهدتها جافة.. كصحراء
صديقي.. الصحراء معنا جميل لحياة خاوية.. لحياة جافة.. لحياة للا حياة.
وجدت العراق غائر في رمال صحراء القنوات الفضائية العربية.. رأيته يبكي
رغم الفرح.. رأيته يموت عطشا.. رغم تدفق أنهار الأمل والحرية في عروقه..
عراقنا صار مثل لوحة سريالية لا يفهمها إلى المتخصصون.
سمعت أكثر من مرّة: استعمار.. وهناك أصوات تقول: محررين.. وهناك أصوات
تقول: كفار .. وأصوات أخرى تقول أنهم آلهة الإنسانية. وفي رأسي أسئلة
متناقضة لا أجوبة لها.
أنا
لا أفقه شيئا في السياسة.. لكنه بلدي.. علي أن أعرف ماذا يحدث هناك.. لم
أكن أعرف أن في العراق صحراء كبيرة جرداء حارة جدا و زادت من حرارتها
النيران التي لم تنطفئ لسنوات طويلة.. سنوات والنار تحرق صحراءنا..
واليوم.. رأيت النار نفسها تحرق ذات الصحراء.. ومخلوقات الصحراء الخائفة
المذعورة تهرب هنا وهناك.
تألمت لأني بعيدة.. أطفأت التلفاز.. التقطت مجلة فيها موضوع عن الكاتب
عبد الرحمان منيف (رحمه الله).. غربته تختلف عن غربتي, قبل وفاته.. كان
يشعر بالغربة خارج الوطن وداخله.. هل كتبت الغربة على كل المبدعين.. هل
يجب أن يعيش المبدع في غربة دائمة؟ ويسألوني لماذا أنت باقية في الغربة..
لماذا لا تذهبين إلى الوطن الحر؟.. استوقفتني كلمة "وطن حر".. فهل هو حر
وطننا أم مستعمر؟
لم
أعرف وطننا حر منذ سنين طويلة.. لو كان وطننا حر ما لما بقينا ضائعين.
ما
زال يتلبس بعض أصدقائي الخوف.. منهم من يقول بلدنا حر ولكنه يؤمن بأنهم
مستعمر.. ويقولون لي قولي هذا ولا تقولي ذاك.. أنا أعرف أن الدافع هو
حبهم لي، لقد تعودنا على الخوف وتعود الخوف علينا..
أما
أنا.. فقلت لا.. يجب أن يصل صوتي إلى أبعد من ذاتي.. كفاني حديثا عن
نفسي.. فأطلقت صوتي وكتبت..
أه
يا صديقي.. ماذا فعلت بي صحراءك.. كم أحيت في داخلي شجون وذكرتني بحب
العراق والحقد على من يحاول فصل ذرات الرمال السمراء في أرضي.. أرض
أحلامي.. أصديق هذا الذي يحرق رمل بلادي؟ محرر؟ أسئلة بلا أجوبة..
دوامة.. متاهات بلا حدود.. حياة قلقة.
ويسألوني عن المسرح والفن.. أين ولمن أقدم مسرحي؟
المسرح يعني الحياة.. الضمير.. الإنسان
الإنسان: محطم لا يعرف أين يجد نفسه، فهو في بحث دائم عن الذات التي
دمروها وسحقوها.. والإنسان العراقي يبحث عنها في عز الظهر وهو يحمل
فانوسا
والحياة: جوع وتعب وهم وغم.. ترقب وخوف.. فهل للمسرح والفن عموما مكان
فيها.
الضمير: مجمد مجرد.. فهل من مشاهد مسرح بدون ضمير؟ ضمير حاضر ضمير غائب..
لا يهم.. المهم أن يكون هناك ضمير. ليكون هناك إنسان مبدع يقدم فنا راقيا.
وإن
فكرت أن أقدم مسرح.. كيف وكل المسارح أصبحت ثكنات عسكرية أو قاعات
إجتماعات.. فماذا أفعل.. سأفكر بمسرح الشارع.. هل سأجد طريقا أمنا بلا
دبابات.. بلا جنود.. بلا قنابل تتساقط على رؤوس الناس.. تعبت وتعبت كل
لحظات التأمل والتفكير معي.. خلجات نفسي وإرهاصاتها مثل قصيدة صديقي..
خالية من الحبيب.. بل الحبيب فيها رمز لم يخلق بعد.. الفرق بيني وبينه هو
شاعر يبحث عن حب في صحراء وأنا فنانة أبحث عن شاعر يحب الصحراء..
عزيزي وصديقي.. سنصمد معا حتى تعود صحراءك مسرحي.. ونبحث عن الحب معا في
أرضنا.. وطننا.. بلا حرائق وسنموت معا.. وتتداخل أحلامنا وتداعياتنا
لتعكس الشمس ضوءها عبر صحراءنا.
|