السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  12- 4- 2004

المسرح الإماراتي يبحث خصوصية دائمة

حازم سليمان

 

شهدت الحركة المسرحية الاماراتية على مدى السنوات الماضية جملة من التطورات والخطوات المتميزة في سياق بلورة حالة مسرحية إبداعية تدخل في النسيج الاجتماعي وتتجه نحو الوقوف على أرضية صلبة ينهض عبرها المسرح المحلي ويثبت أقدامه كمطلب وقيمة ثقافية إنسانية وطنية وليس كطفرة أو حالة موسمية مؤقتة.

ولعل المتابع للحراك المسرحي في الإمارات سيتلمس العديد من التجارب والمحاولات التي اتسمت بنصيب وافر من النضج والتكاملية الفنية التي تؤكد وتقدم دلائل ملموسة على أن الساحة المحلية باتت قادرة في حال توفرت لها الظروف والمقومات المواتية أن تقدم نفسها من الساحات المسرحية الرئيسة في منطقة الخليج إن لم نقل على مستوى الساحة المسرحية العربية.

هذه التطورات ليست وليدة اللحظة ولاهي اختراع وبطولة فردية ، بل إن ما نشهده اليوم من تجارب وإنجازات على المستوى المسرحي تنتمي إلى مسيرة طويلة نسبيا ، تنوعت فيها الأعمال وتعددت إفرازاتها ، وتناقلت فيها الخبرات والرؤى ، إلى جانب كونها تأثرت كثيرا بالتظاهرات والتجمعات المسرحية الكبيرة كأيام الشارقة المسرحية التي ليس لأحد تجاهل الدور البارز الذي لعبته في سياق هذه التطورات التي وفي خلقها لحالة أفرز بالضرورة مجموعة من التجارب التي يشار إليها بالبنان واستطاعت أن تخرج خارج الحدود المحلية إلى المهرجانات العربية حيث حصدت العديد من الجوائز وتناولتها الصحف والدوريات المتخصصة.

لكن الصورة الإيجابية التي أشرنا إليها ليست بهذه النصاعة ولا هي مكتملة للدرجة التي تجعلنا نتجاهل جملة من المسائل السلبية المرتبطة بهذه الحركة المسرحية والتي تلعب دورا مستمرا في خلخلة الصورة والمعطيات وتجعل من هذه الحركة تراوح مكانها بالرغم من كل الجهود التي تبذل والطاقات والإمكانات التي تهدر من قبل المسرحيين من جهة ومن المؤسسات التي تلعب دور الرعاية والتنظيم من جهة ثانية.

إن نظرة عامة وشمولية على الساحة المسرحية المحلية كافية لتعطينا العديد من الإشارات والحالات التي يتم تجاهلها والتغاضي عنها ومن أهمها أن عموم المسارح والفرق المسرحية وعلى رأسهما جمعية المسرحيين لم تتعاط مع العملية المسرحية من كونها رسالة خلاقة وواجب لابد من القيام به، لنجد أنه وبأحسن الأحوال يقتصر دور هذه الجهات على إنتاج عمل مسرحي يتيم فقط للمشاركة بأيام الشارقة المسرحية أو غيرها من التظاهرات،

أما في الأحوال العادية تظل القضايا عالقة وفي حالة من السكون على امتداد العام وفي أغلب الأحوال لا يكفي هذا العام بطوله وعرضه هذه الفرق من إنجاز عمل مميز نظرا لتشتت الطاقات المسرحية في الإمارات على رغم من قلتها بين هذه المسارح، بمعنى أن وجود مخرج متميز في الفرقة الفلانية لايجدي في ظل غياب مؤلف جيد ، والعكس صحيح ، كما أن وجود هذين القطبين لن يكون له تأثيره إن غاب الممثل المتمكن أو مهندس الإضاءة ومصمم الديكور وغيرها من المتطلبات الفنية العديدة التي يحتاجها العمل المسرحي، وهي في عمومها طاقات موجودة ومتوفرة لكنها كما أشرنا متفرقة ومتشتتة وقلما تجتمع في عمل واحد ، وطبعا فإن اجتماعها هذا أدي في أغلب الأحوال إلى تجارب لاتزال حتى اليوم عالقة في الأذهان.

إن حالة التشتت هذه وصولا إلى الإدارات المسرحية التي لاتزال حتى اليوم مكتفية وراضية على مايبدو بما أنجزته دون العمل على جعل مقرات الفرق المسرحية خلايا عمل دائمة النشاط والعطاء والتفريخ، ودون أن تضع في أولويات عملهاوميزانياتها الشحيحة في الغالب مفهوم الورش والمشاريع التجريبية التي يمكن لها خلق ذلك المناخ الإيجابي الذي تتقاطع فيه الأفكار والخبرات وتطور من أداء وطاقات العاملين في هذا المجال لأن الفرق المسرحية ليست مجرد مكان تزيني بل هي أنوية ومساحات لتنمية مفهوم البحث المسرحي وخاصة في ظل غياب أو تأخر معهد الشارقة عن القيام بالمهام الحقيقية التي أقيم لها وعليها.

وإن كنا أشرنا إلى تقصير قائم من قبل جمعية المسرحيين فإننا وبذات الوقت ليس لنا تحميلها كامل الوزر لأن مفهوم الجمعية كجهة أقرب إلى العمل النقابي حققت مجموعة الخطوات كمجلة كواليس التي تحتاج إلى إعادة النظر في حرفيتها التحريرية وصندوق التكافل الاجتماعي ، مسابقة التأليف المسرحي ومجموعة من المنجزات الأخرى الجيدة نسبيا ، لكن يظل دور الجمعية في سياق حمل هم التطوير المسرحي والإرتقاء به،

يظل في حالة غير متكاملة ولعلنا هنا نتمنى على الجمعية السعي عبر امكاناتها لتأسيس فرقة وطنية أو مايسمى بالمسرح القومي وأن تضم هذه الفرقة كما هي العادة نخبة من الطاقات المسرحية المشتتة هنا وهناك وبالتالي أن يخرج من تحت عباءة هذه الفرقة تجارب وأعمال كبيرة ومتطورة قادرة على أن تكون بصورة دائمة بمثابة الملهم نحو الأمام ، والمكان الذي ينظر اليه وينتظر منه أن يعبر عن الدور الحقيقي لجمعية المسرحيين وهو دور ثقافي مهني وطني.

وما دمنا في سياق الحديث عن المسرح المحلي يمكننا طرح عدة أسئلة حول الدور الذي تلعبه الجهات الرسمية والمسئولة بصورة عامة، وهل لدى هذه الجهات خطة متكاملة لتجويد الحالة المسرحية وهل تضع الأمر في مكانه المناسب على سلم الأولويات وهل الجهات الإعلامية تقوم بدورها النقدي الواعي والاحترافي الذي لايقل قيمة عن بقية الأدوار الأخرى.

إن الإشراقات المسرحية التي أشرنا إليها لم تظهر وللأسف كنتيجة لمشروع مسرحي متكامل أو نتيجة لبرنامج أو خطة مسبقة بل هي في عمومها طفرات تخلقها الظروف بين الحين والآخر، هذه الظروف تتحقق في عام وتغيب في أعوام، الأمر الذي يخلق حالة من التفاوت الغريب وغير المنطقي، هذه التفاوتات هي وليدة عدم الجمع بين الطاقات البارزة والقادرة على العطاء وغياب اللحمة، إلى جانب إفقاد العنصر الرئيسي في هذه العملية المتمثل بالجمهور الغائي والذي يخفف كثيرا من حدة المسئولية التي قد يشعر فيها المسرحيون في حالة وجوده وبالتالي تنعدم حالة الخوف من الفشل وخاصة لأنه أمام إعلام احتفالي يتعامل مع الأعمال المتميزة بذات الطريقة والأسلوبية التي يتعامل فيها مع الأعمال العادية والضعيفة.

إن غياب الجمهور يقودنا بدوره الى طرح سؤال موجهة إلى الجهات التربوية بتنمية الفكرة المسرحية وحضورها في المناهج وبين أروقة المدارس، ويمكننا القول وبكل ثقة أن المسرح في الإمارات لا يحظى بالاهتمام ولا ينظر إليه في المناهج التعليمية وخاصة في المراحل الإبتدائية التي يمكننا عبرها زرع هذه العلاقة المفترضة مع المسرح وبالتالي تنمية حضور شريحة مجتمعية على دراية وذات صلة به وقادرة على التلقي الإيجابي، هذه الشريحة ستصبح وبالضرورة قوة ضغط على المسرحيين أنفسهم وقوة دفع لهم نحو المزيد من التجديد والتجويد.

أحمد راشد ثاني وفي دراسة له عن المسرح في الامارات وخاصة النص المسرحي يخلص الى مجموعة من النقاط الأساسية لعل أبرزها مفاده" أنه لاتوجد أزمة مسرحية مرتبطة بالمسرح بل الخلل يكمن في الإعلام النقدي الرديء والمناهج التعليمي التي لاتلتفت لتنمية الحس المعرفي بالمسرح الأمر الذي يؤدي إلى شريحة مجتمعية رديئة مسرحيا، يضاف إليها شريحة من المقيمين العرب والذين هم في الأساس غير مهتمين أو معنيين في الأمر.

إن هذه العناصر التي أشار إليها أحمد راشد ثاني قائمة وموجودة ولا نحتاج إلى الكثير من دقة الملاحظة، هذه العناصر تمارس دورها السلبي بصورة متواصلة ومستمرة وتلقي بثقلها على المناخ بصورته العامة، والى جانب هذه المعطيات السلبية تبدو للعيان شريحة نخبوية تحكم العملية الثقافية وتدفعها نحو المزيد من التسطيح والأمر المؤسف والمخيف والذي لا يبشر بالأمل أن الحالة توحي باستمرارية، دون وجود بارقة أمل.

إن أية أحلام نهضوية في مجال المسرح يجب أن ترتبط بسياق تكاملي يأخذ بعين الاعتبار أهمية هذا الفن النبيل والراقي، وأن تفتح أمام المسرحيين المحترفين والهواة مساحات رحبة للعمل والإنتاج الفكري القائم على الجودة والحرية والمسئولية، أن هذه الأحلام لابد أن تكون مقترنة بوجود رغبة جماعية تنطلق من الجهات المسئولة بحيث تعمل على وضع المسرح داخل عربة التطوير والتنمية المعمول بها في كل مكان داخل الدولة، وعلى هذه الرغبة أن تنطلق من الإيمان الكامل بأن المسرح هو حاجة ومطلب حضاري وجودي، وبالطبع لا يقتصر الأمر على المسرح وحسب بل على عموم القطاعات الثقافية لأن المشهد الثقافي بصورته العامة يتطلب تكاملية ووضوحاً في الرؤى والتوجه.

المسرح في الإمارات استطاع أن يفرض حضوره ولكن هل تستطيع هذه الجهود الصمودأمام كل التحديات التي تواجهها اليوم تلو الآخر، وهل لهذا الفن النبيل أن يحافظ على قواه في الوقت الذي تنهار فيه القيم الثقافية نحو المزيد من التسطيح، وأخيرا نقول ان المسرح المحلي بأمس الحاجة للدعم والرعاية من قبل الجهات التي تنفق الملايين على عروض تستضيفها من هنا وهناك خلال الفعاليات المعروفة بالوقت الذي توجد تجارب محلية أهم وأرقى وفي حال الموافقة على استقطاب هذه العروض بعد الوساطات يفاوضونها على فتات الأجور، هذه الحالة ليست خيالية بل هي قائمة والدلائل موجوده.