السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  12- 4- 2004

(حدث في ريغا)

د فاضل الجاف

 أقل ما يكن أن يقال عن مسرحية (حدث في ريغا), عنوانها الأصلي( كوميديا قديمة) للكاتب الروسي ألكسي أربوزوف في عرضها على المسرح الشعبي في كوبنهاغن,  إنها مسرحية رقيقة تمس ألأحاسيس العميقة وتحرك وجدان الانسان بتناولها الجدي هموم الإنسان وأسئلته المتعلقة بالزمن والشيخوخة,  بالحب والموت والفراق والحنين, وبمعاناته بسبب الحرب وفقدان الآخرين. وتحتل هذه المسرحية مكانة متميزة بين مسرحيات أربوزوف لعمق طرحها الإنساني ولسلاسة لغتها الشاعرية, وأجوائها الرومانسية في أغلب مشاهدها, وبتصويرها الدقيق لبطلي المسرحية, رجل وإمرأة وهما في أوج الشيخوخة.

يعتبر ألكسي أربوزوف(1908- 1986)  من ألمع كتاب الرووس بعد أنطوان تشيخوف,  ممن حظيت مسرحياتهم بإهتمام بالغ في المسارح الأوربية. ومرد ذلك كما يرى النقاد أن أعماله المسرحية مشحونة بشحنات إنسانية عميقة وصادقة, حتى أن بعضا من النقاد الانجليز يميل إلى مقارنته بالكاتب المسرحي انطوان تشيخوف ويرى فيه إمتدادا فنيا لأسلوب تشيخوف السلس  وعذوبة شاعريته أجواءً ولغةً. وما يبرر عقد مثل هذه  المقارنة أوجه التشابه القائمة في إسلوب الكاتبين.

ولد ألكسي  أربوزوف في موسكو عام  1908من أب رووسي وأم يونانية.  بعد موت والديه وهو لم يزل في العاشرة من عمره, قضى الطفل ألكسي سني طفولته في إضطراب و تشرد ومعاناة مرة,  تركت آثارها على أعماله المسرحية, فأكسبتها شفافيةً ورقةً ودفئا إنسانيا. و ماأن بلغ أربوزوف الرابعة عشرة حتى وجد له عملا صغيرا له, كممثل ثانوي في مسرح مارينسكي بسانت بطرسبيرغ. في السادسة عشرة من عمره خاض  ورشة مسرحية لتطوير قدراته التمثيلية. وفي عام 1927 كان أربوزوف قد اكمل دراسته المسرحية متخرجا من المعهد المسرحي بتفوق. بعد تخرجه تسلم أربوزوف إدارة فرقة مسرحية جوالة تقدم عروضها في مدينة سانت بطرسبيرغ, حصل بعدها على وظيفة المشرف الدراماتورجي في مسرح سوفخوز. في هذه الفترة بالذات بدأ أربوزوف, وهو لم يزل في الثانية والعشرين من عمره ينشر كتاباته النقدية في مجلة نادي المسرح الصادرة في موسكو.

و مع إندلاع الحرب العالمية الثانية أسس أربوزوف مع المخرج فالنتين بلوتشيك فرقة مسرحية كانت تقدم أعمالها في جبهات القتال.

كتب اربوزوف ثلاثين مسرحية منها (مسرحية تانيا- 1939) حول إمرأة تمر بعد ترملها,  بتحولات جذرية في شخصياتها وتغيير شامل في تفكيرها ونمط حياتها. بعدها أعد للمسرح  قصة في العشاء للروائي الرووسي إيفان تورجينيف.

 أما مسرحيته التشيخوفية الحقيقية ( الساعة الثانية عشرة- 1959) فقد كانت اول انتاج له, تقدم على مسرح (بلاي هاوس) باللغة الانجليزية. وفي مطلع الستينات كانت مسرحيات أربوزوف تقدم على سبع وسبعين مسرحا في جميع أرجاء الإتحاد السوفيتي, لكن شهرة أربوزوف الحقيقية في العالم  بدأت مع نجاح مسرحية( الوعد أو عزيزي مارات المسكين – 1965) التي تدور حول علاقة فتاة وفتيين في سن المراهقة أثناء حصار لينيغراد في الحرب العالمية الثانية, و في مشاهد مسرحية محكمة يتابع المؤلف مجرى حياتهم ومراحل نضجهم وتطورهم بعد الحرب. كان النجاح الذي حققته المسرحية منذ العرض الأول على الصعيدين الفني والشعبي  هائلا, ففي العام الاول  فقط من نشرها عرضت على ستة وستين مسرحا على إمتداد الإتحاد السوفيتي, وفي عام 1965 وحده حظيت المسرحية ب 1636 عرضا مسرحيا. ولاتزال مسرحية الوعد أكثر مسرحيات أربوزوف عرضا على المسارح البريطانية, فهي أحب مسرحيات أربوزوف إلى قلب الجمهور الإنجليزي ويذكر ان الممثل الإنجليزي البارع (إيان مكمليان) مثل إحدى الشخصيتين الرجاليتين في العرض الأول للمسرحية في لندن.

 خلال عقد كامل,في فترة 1971-1981 قاد اربوزوف استوديو المؤلفين الدراميين الشباب, وهو أول محترف من نوعه في إلاتحاد السوفيتي لتأهيل الراغبين من المبتدئين  في التأليف المسرحي. منشغلا بالكتابة والعمل في المراكزالإدارية المختلفة,كان آخرها نائبا لرئيس المعهد العالمي للمسرح,  قضى أربوزوف الردح الأكبر من حياته في موسكو وهو أب لإبنة وإبن. 

 ولكن ماذا عن أوربوزوف في المسرح العربي؟  يمكن القول بأن الجمهور العربي تعرف على أعمال أربوزوف لأول مرة في السبعينات, وكانت مسرحيته المفعمة

بالشاعرية  (حدث في إرتسكوك 1959) قد عرضت في بغداد السبعينات, وهي من مسرحياته الطويلة التي تشبه في حبكتها مسرحية الكاتب الاميركي ثورنتون وايلدر (بلدتنا). أما مسرحية الوعد, فقد ظهرت في سلسلة من المسرح العالمي الصادرة في الكويت  بإسم (عزيزي مارات المسكين). وفي السبعينات إيضا ظهرت في مجلة الأقلام العراقية ترجمة  للمسرحية التي نحن بصددها الآن, وقد قام بترجمتها ترجمة سلسة رشيقة, من إلإنجليزية سامي محمد بإسم( كوميديا قديمة) وهو العنوان الأصلي للمسرحية.

ما حدث في ريغا يمكن أن يحدث في أي مكان, آخر أعمال أربوزوف كتبها في جزيرة يالطة, وهي مسرحية تؤكد على أن الحب ينبع من المقاومة وعدم الإستسلام للموت. إنها قصة حب خريفية بين طبيب و طبيبة في عز الشيخوخة. الطبيب روديون مدير إحدى المصحات تلتقي بالمريضة ليديا العاملة في السيرك سابقا والتي تعاني من التصلب في الشرايين.في اللقاء الأول يفصح الطبيب عن استيائه من سلوك ليديا الذي أصبح مصدرا لشكاوى نزيلي المصحة. فهي تنشد الشعر ليلا بصوت جهوري دون الإكتراث بغيرها من المرضى الذين يخلدون الى الراحة. وهي تبدو للطبيب شخصا غريب الأطوار, فهي تسترسل ليلا في قراءة الشعر بصوت جهوري وتستغرب من عدم قدرة الناس تذوق الشعر بل والأنكى من ذلك إنهم يفضلون صوت الشخير عليه.

مع تعاقب المشاهد ينمو ولع الطبيب بهذه المرأة الغير عادية خصوصا عندما ينكشف له شيئا فشيئا, عالمها الخاص وماضيها الأليم بعد فقدان إبنها في الحرب. فتنمو الاحاسيس وتتأجج العواطف  بين الإثنين. فيتحول الجفاء حبا دافئا يعيدهما الى الماضي لوعة الشباب.

 

جسد أربوزوف شخصية ليديا تجسيدا

 مسرحيا غنيا لا تقل غناً وعمقاً ووضوحا عن الشخصيات النسائية الخالدة في المسرح الحديث من امثال هيدا غابلر (إبسن) والآنسة جوليا (ستريندبيرغ). ولا عجب في أن الممثلة الإنجليزية نالت جائزة أحسن ممثلة لعام على أدائها دور ليديا.