السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  27- 3- 2004

رسالة بمناسبة اليوم العالمي للمسرح

احترسوا ..فـ"عودة هولاكو" ستوقظ المارد الطائفي

 اثير السادة .. ناقد مسرحي من السعةدية

(1)

ها قد اخذنا الزمن مرة أخرى الى موعد تخيره المسرحيون في العالم للاحتفاء بميلاد المسرح ونضاله من اجل البقاء، وكما جرت العادة سيحرص الاصدقاء على الاجتماع بجمعية الثقافة والفنون بالدمام للاحتفال على طريقتهم ، تأكيدا على اصرارهم على الحياة في زوايا المسرح رغم كل المنقصات ، يدفعهم التفاءول هذه المرة بمنح العرب الفرصة ثانية لمخاطبة المسرحيين في العالم من خلال كتابة الرسالة السنوية والتي جاءت من نصيب الكاتبة المصرية فتحية العسال.

ولا اجد معنى للاحتفال بيوم المسرح العالمي دون مراجعة لاتجاهات الخطاب المسرحي المحلي وانشغالاته،و فتح باب الاسئلة على مصراعيه حول تمظهرات الوعي الانساني كما يجلوها هذا الخطاب ، حتى لا نفترض دورا تنمويا او طليعيا لهذا الفن قبل اختبار انجازاته ومقولاته على ارض الواقع ، وتحديد حدود حراكه ونضاله ،فالكثرة وحدها ليست مقياسا للتمدد الصحي او الارتقاء في سوية الوعي المسرحي، وانما ما تنجزه الذات المبدعة جماليا ضمن حضورها في سياق الممارسة ، وما تصوغه من تنظيرات معرفية متلازمة.

وحدها المراجعة وفق هذه الرؤية  تملك القدرة على اخراجنا من دوامة الحديث عن قوة المسرح وديمومته ، الى الحديث عن صيرورته وحقيقة وجوده بالنظر الى آثاره وعطاءاته ، عوضا عن البكاء او التغني باطلال لم نشهدها ولا تمثل صورة الحال ، فالعقل المسرحي مازال مأسورا بأمجاد المسرح وابوته الخالدة التي حرصت العسال على الاستهلال بها في الرسالة السنوية، وهو كلام يبدو مخاتلا ولا ينفك عن تصوير الاشياء كما نرغب وليس كما هي عليه.

(2)

من هنا ليست المناسبة فسحة للحديث برومانسية عن "حب مستحيل" او "ابوة تاريخية" بقدر ماهي فرصة لمراجعة الذات والتجربة، ونقد البداهات والمسلمات المسرحية التي نروج لها ونصونها بقصد الحفاظ على الحد الادني من الايمان بالمسرح ، وهذا يستوجب مساءلة لانماط الوعي المسرحي السائدة ، وقراءة للواقع المسرحي في مستوياته المختلفة.

أقول مستوياته المختلفة وانا أشير الى مسائل عدة تتصل بنطاق علاقة المسرح المحلي بالسلطة ، وعلاقته بالواقع/الناس، وعلاقته بتحولات المشهد الانساني والمعرفي عموما، فحركية الخطاب مشروطة بحدود هذه العلائق وانعكاساتها ، وماتنطوي عليه من تأثيرات تصوغ شكل وموضوع هذا الخطاب.

واذا ما اخذنا مقالات المسرحيين المتراكمة حول رسالية المسرح بمحمل الجد ، وانه فعل تحريضي وتحرري يراد منه تحرير الناس من "عوامل القهر والاستغلال وانتهاك الكرامات" بنحو ما تزعم العسال ،  فإننا مدعون لاختبار هذا الوجه والبحث عنه في مواقف وآراء وموضوعات المسرح المحلي، فالعسال تتحدث بالتحديد عن وظيفة اجتماعية من وظائف المسرح تجاوز حدود "التسلية" التي ما عادت هي المائز ما بين المسرح وسواه من اشكال الفرجة والعمل الفني، فثمة "اماكن أخرى هي مدعاة للتسلية اكثر من المسرح" باعتراف موليير.

 

(3)

إن الواقع اليوم لم ينفك يولد اسئلة عن الحراك الاصلاحي في السعودية ، وما يتصل به من وقائع واحداث ومراجعات ساهمت في اعادة التفكير في مفهوم المواطنة والحوار الوطني والخطاب الديني الرسمي ، فالخطاب الآحادي الذي اريد له ان يمارس صياغة الواقع وتكييفه بات مرذولا ومستهجنا وثمة سعي واضح من اصوات وطنية لزحزحته وابداله بخطاب وطني يحترم التعدد في وجوهه المختلفة :الثقافية والسياسية والمذهبية.

شاءت الظروف الاقليمية ان تلقي بتبعاتها وظلالها على الواقع المحلي ، وان تضغط باتجاه الاعتراف بوجود ثغرات في الهياكل السياسية والثقافية والاقتصادية لهذا الوطن ، والذي تمخض عنه مبادرات رسمية بطيئة في ايقاعها ودون الحد الادني من طموحات الاصلاحيين الذين يواجهون الآن مازقهم السياسي الخاص مع السلطة بعد عملية الاعتقال التي طالت عددا منهم

ولنا ان نسأل ها هنا : أين المسرح اليوم من كل هذا المخاض السياسي وهذا الاندفاع صوب تعزيز حالة الحوار الوطني وتجاوز تبعات التنابذ والرفض الاجتماعي بين الفئات المختلفة؟ هل يملك المسرحيون ما يقدمونه في هذا الظرف التاريخي؟ ما نصيب المسرح من حركة الاصلاح والتغيير في النهاية؟ هل اتسع هامش الحرية واندفع لمطاولة المسكوت عنه والمحرم سابقا مثلا؟

أنها اسئلة تلامس عن هذه العلاقة الجدلية بين الحياة والمسرح ، وهنا نسعى باسئلتنا تضييق الاطار لتصبح المسألة مختصة بحياة المسرح في أفقنا المحلي وانماط استجابته لمتغيرات الواقع، في موضوعاته واتجاهاته الفكرية والجمالية..فهي بالتحديد محاولة للاجابه عن طبيعة حضور الشرط السياسي والثقافي والتاريخي في سياق التجربة المسرحية.

(4)

في هذا السياق يمكن ان ننظر الى "عودة هولاكو" التي اختارتها جميعة الثقافة والفنون بالدمام مؤخرا كنمط من انماط الاستجابة لتحولات الواقع وتداعياته ، فهي تطاول حادثة تاريخية مهمة تتمثل في لحظات سقوط الدولة العباسية على يد التتار بقيادة "هولاكو" 

تقوم هذه المسرحية التي كتبها الشيخ الدكتور سلطان القاسمي ،حاكم الشارقة، على اعادة صياغة الحدث التاريخي مسرحيا ، وفيها اشارة واضحة وصريحة الى بشاعة الغزاة وقبح الخيانة التي تمثلت بحسب النص في "ابن العلقمي" الذي سيدعونا في ختام المسرحية الى البحث عنه وطرده من عالمنا.

وتبدو استعادة التاريخ حيلة فنية لتفسير الواقع، وهذا يفسر طبيعة الحماسة التي أخذت الدمام الى هذا النص ، لما ينطوي عليه من قدرة على مقاربة الواقع في صورته الشاخصة في قضية الاحتلال الامريكي للعراق ، وامكانية حمل النص على تعزيز موقف ايدلوجي مناهض للمحتل وتبشيع صورته.

هذه الحادثة التاريخية كانت ايضا مادة لنص مسرحي مهم لسعدالله ونوس حمل عنوان "منمنمات تاريخية" ، الى جانب نصين حديثين ، احدهما لناهض الرمضاني من الموصل بعنوان "بروفة اولى لسقوط بغداد" والآخر لعبدالودود الامين  من بيروت بعنوان "بغداد والدفائن..وعيناها"، وكلها تبحث في دواعي السقوط واسبابه ، ولكن باتجاهات فكرية متباينة الى حد كبير.

الخطير في هذه المسرحية انها تمارس  بانتقائيتها من هذا المشهد التاريخي تحفيز الذاكرة على استعادة واحدة من مرويات الصراع الطائفي، حيث لعبت الانتماءات المذهبية دورا مهما في كتابة تفاصيل هذا الحدث ، وباتت الحكاية في نسختها المعممة تتخلص في خيانة الشيعي ابن العلقمي وتعاونه مع هولاكو كسبب رئيس في سقوط الدولة.

واذا كانت الذات ليست "بريئة في تمثلاتها للعالم والاشياء" كما يروي النقد الحديث ، فإن مانراه ليس بالتحديد ما وقع وانما ما اختزنته "الذاكرة الجمعية" ، وبالتالي نحن معنيون بالالتفات الى استراتيجيات الخطاب وآليات اشتغاله وتكييفه للحقائق حيث ثمة انزياح دائم عن الحقيقة في صورة حذف واستبعاد وانتقاء وحجب.

ما يسكت عنه النص تنطق به ذاكرة المتلقي الذي استطاع المناخ الطائفي المأزوم ان يغذيه برأسمال رمزي كاف لتسعيرها ضد الآخر، فمنطق المسرحية اليوم لن يفترق عن منطق المتشددين الذين يصدحون في الشبكة الالكترونية والصحافة المكتوبة بأن "احفاد العلقمي" -ويريدون بذلك الشيعة- هم من تضافر على اسقاط العراق في قبضة الاحتلال.

إنها ذات اللعبة الطائفية تمارسها الجمعية على حين غفلة وفي وقت حرج ، دون اعتبار لضرورات المرحلة وشعاراتها ، فضلا عن النزاهة والصدق التاريخي...فما ترويه المسرحية من تفاصيل يتواءم مع النظرة المتمذهبة التي تسللت الى كتب التاريخ، ويتغافل عن مساءلة السلطة في مشروعيتها، وعن اكتشاف منطق التاريخ ومنطق القوة الذي كتب نهاية المستعصم ، فالكاتب لا يملك ان يمضي الى هذه المنطقة المحرمة في عرف السلاطين.

 

(5)

باختصار ارى بأن للخطاب الايدلوجي ظلالا في هذا النص ، هي نقيض اتجاهات العمل الاصلاحي ، ونقيض روح المسرح الذي كان يبشرنا سعدالله ونوس في رسالته بأنه سيدربنا على الحوار ويساهم في "رأب الصدوع والتمزقات التي اصابت جسد الجماعة".لا يتعلق الامر بالموقف من المحتل الاجنبي او تجريمه وانما باستتار المسرحية على كثير من تداعيات الصراع الطائفي وانصرافها الى انتخاب تأويلاتها الخاصة المرتبطة برغبات الكاتب واستحساناته ، وتغافل المعنيين في الجمعية عن حساسية هذه الموضوعة التاريخية باعتبارها واحدة من منتجات الوعي الطائفي، هذا الوعي الذي تحلزن على ذاته وامتنع عن مطالعة الرواية في صورها المغايرة ، بل وعمد الى ممارسة سلطة المنع والحجب على المختلفين ، كما في مثال الدكتور سعد بن محمد حذيفة الغامدي من جامعة الملك سعود الذي اصدر كتابا في عام 1401هـ يثبت فيه ان اتهام ابن العلقمي بسقوط الدولة العباسية ليس سوى فرية صنعها التعصب الطائفي ، وتم مصادرة الكتاب وحرقه ومنعه من التداول بعد طبعته الثانية بأوامر من السلطة الدينية.

لا يتعلق الامر بالموقف من المحتل الاجنبي او تجريمه وانما باستتار المسرحية على  المسألة الآن ليست في حقيقة حدوث هذه الرواية التاريخية  من عدمها ، وليس في قبولها او رفضها، وانما في ضرورة اتخاذ موقف ايجابي ومسئول من كل ما يثير النعرات والنزعات الطائفية ، والعمل بجد على المساهمة في تعزيز الحوار الداخلي ودعم عجلة الاصلاح ، وهذا ما يستوجب من جمعية الثقافة والفنون بالدمام ان تعاود النظر في اختيارها غير الموفق لنص القاسمي ، وان تعلن للجميع حسن نواياها وتطلعاتها التي نأمل ان تكون بحجم الموقف واللحظة.