السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  15- 3- 2004

رثاء الفجر
وطلاسم محايثة الواقع

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

 

لست بصدد استذكار مجموع كتابات المسرحي العراقي قاسم مطرود، وهي تستحق التوقف والدراسة لهويةِ ِ تحملـُها... ولكنني هنا بصدد قراءة أولـية في مسرحـيته رثاء الفجر التي قدّم لها الفنان يوسف العاني. وإذا كان السيد العاني قد ركّز على ثيمة الانتظار التي تلمّسها بين سطور المسرحية وخلف أجوائها التعبيرية.. فإنّني أود هنا التذكير بأنَّ رثاء الفجر إنَّما تقدِّمُ نفسها بوصفها محايثة جمالية لواقع مأساوي تحاول أنْ تتقمصه عبر لغة الأسرار وطلاسمها وعبر استبطان لامعقول الواقع وانفلاته وجنون استباحته البشر واستلابهم وجودهم الإنساني..
فحتى الضحكة، وحتى العلاقة الشفافة النزيهة تؤطَّر فتظهر في كنف المأساة وكارثية وقعـِها. فنتلمَّس تبادل الأدوار بين حركة بنائية وقيمة دلالية مضافة. ونقرأ بناء النص المسرحي وما يفصِح عنه من دلالة تنتمي إلى الواقع المعبَّر عنه أو المجسَّد بقراءة الفعل الدرامي.
ونستذكر هنا كون الدراما حركة؛ فأين حركة رثاء الفجر؟ وأينها في ظلال الموت السكون والسكينة؟ والإجابة تردنا سريعاَ َ في تشخيص الحركة بالانتقال بين الموت والحياة وبتبادلهما الأدوار والمواقع. حيث الموت في المسرحية ليس الموت واقعاَ َ أو حقيقةَ َ بدليل تجسّد الحركة فيه.
وفي عالم استلب الشخصيات المختارة لرثاء الفجر حياتـَهم ووجودَهم وإمكان أنْ يتصرفوا ويقرّروا فيها، تنتفي الحركة وجودا وتتحول إلى جمود إلى جثة هامدة ولا فعل مرتجى من وراء مثل هكذا وجود.. في حين في العالم الرمزي للتطهّر تتحرك الشخصيات بعيدا عن سطوة أو سلطة الاستلاب المتوحشة التي وصلت بنا إلى قلب المفاهيم وتداخلها العدمي الإتلافي...
بهذا الوصف نجد الحركة في المسرحية لا تنتهي إلى سكون، ولكنّها تنتهي إلى تطهّرِ ِ حيث المقبرة عالم يعج بالوقائع والأحداث (الحركة) والقبر يتنفس ويتكلم، يسترجع ويناقش فيستنتج ويقرِّر؛ والموت عالم ووجود نفكُّ طلاسمَهُ وشفرة قصديته ليس في المنتهى السلبي بل في المثال الإيجابي حيث يتطهر الفرد من خطايا مآسي العالم الأول.
ما الذي جرى لـِتـُولـَدَ كلّ تلك العبثية وذيّاك اللامعقول؟ يجيبنا عن تساؤلنا التعجبي هذا مقدار الاستلاب والسحق الهائلـَيـْن وطبيعة الاستجابة الإنسانية لهما... ومثالنا الأسبق في هذا الإطار ثيمة الجنون التي أعقبت الحرب الكونية الثانية. فيما نلحظُ مثالـَنا في رثاء الفجر ذاك الانقلاب وتبادل الأدوار الذي أشرنا إليه لتمثـّـُل المذهب الفني طبعا ليس من أجل وضع المسرحية في خانة بل لمساعدتنا على تفكيك رموزها ومفاتيح قراءتها بموضوعية مناسبة.
إنَّ كتابة جيل جديد في مسرحنا تتأسَّس على العمق الفلسفي، ليس من جهة المعالجة والآليات فقط وإنَّما من جهة نتائج الرسالة التي تمنحنا إياها المسرحية. لذا كان لقاؤنا مع جماليات النص المسرحي الذي نحن بصدده يكمن في مزاوجة جدية بين الفن والفكر من دون الوقوع في مأزق التعليمية الوعظية وروح المباشرة التي تلغي القيم الفنية..
ويرشح عن هذه السمة متعة مضاعفة من حيث تنوع القراءات في محمول المسرحية ومن جهة معطياتها و مفرداتها الدلالية ومن ثمَّ طاقات العطاء الكامنة في قراءة آلية الخطاب الدرامي في المسرحية.. فمن جهة المذهب الفني أو الاتجاه المرسحي أجدها كما عادة مبدعينا في التعامل مع مفردات فهمهم وتمكنهم من عدد من المذاهب التي ينحتون منها توجها خاصا وقراءة مميَّزة يتفردون في تقديم موضوعتهم عبرها مع خصوصية لمساتهم فيها...
في تهادي مفردات رثاء الفجر تراجيديا تسمع فيها أنين الفلاح السومري وصرير دولاب رحلة عربة الكلدوآشور وقرقعة الحطابين بين شجيرات الفراتين. هكذا تستدعي الذاكرة الجمعية للمتلقي العراقي تلك الأصوات التي تزدحم في همهمات الشخصيات وتعبيراتها الرومانسية الوتيرة والإيقاع...
وعلى الرغم من القيم الكلاسية للمعالجة ولوقع التراجيدي في تعبيره عن قوة السحق التي تعرض لها الإنسان بأمسه القريب، إلا أنَّ الروح الرومانسي المتمثل في الوتيرة الموظَّفة يأتي اختيارا مقصودا بوصفه احتجاجا ضمنيا وتقاطعا مع سلطة العنف التي تعرضت لها الشخصية العراقية إذ تقف الرومانسية ضد الكلاسية في أصل فلسفتها ومعطيات رؤاها وتحليلاتها...
نحن إذن أمام خيارات ذكية وليس خلطة من التشكيلات المذهبية المتعارضة. ونحن أمام خصوصية التوظيف وتبني الأدوات التي تحث دواخل المتلقي وانفعالاته على التعاطي مع القيم الفنية والاستجابة للتجربة الشعورية بعلاقة وطيدة وفاعلة تهيئ له تقبل المعالجة كونها على تماس مع الإنساني الشفاف الملامِس لشغاف القلب أولا...
هنا نجد أنفسنا أمام قيمة وعظية ولكنها لا تقوم على المحاكمة العقلية الجافة أو البرهانية بقدر ما تقوم على التفاعل مع جماليات الإبداع الدرامي.. فنحن لا نرى الشخصيات ونحاكمها على وفق منطق واقعنا مع أنَّنا نجد أنفسنا معها حيث تتحرك وتستنطق مفردات واقعها...
وأستذكر من النص توجهه لمفردات وجماليات البصري عندما يجعل من أكياس الورق المنثور التي تطغى على المكان وتغطيه لدلالة مقصودة من سطوة تلك الأوراق المتناثرة بوصفها وجودا وسلطة لذلك الوجود.. ويجعل أيضا من العلاقة مع جزئيات الديكور واستنطاقها ومن التفاعل مع البيئة المكانية يجعل من ذلك تفسيرا لعبارات الحوار التي نقرأها كذلك من خلال الارتباط مع ذيّاك المحيط المختار بعناية لدلالة مركزية واضحة متمثلة كما أشرنا بالروح المأساوي الذي أُرِيدَ له أنْ يترسّم واقعا فيعرِّي فيه القوة التي صادرت الجمال الإنساني ففرضت واقعا مرضيا بائسا.. لكنَّ الإنسان يظل مصرّاَ َ مؤكدا حبَّه الجمال وألقه الرائع ومتعته الخالدة مثلما نحن بصدده في مسرحيتنا هذه...
والمسرحية هذه ليست مسرحية الشخصية أو الحوار ومنطقه السمعي ما يجعل المتلقي غير قريب من تفعيل ذاكرة الصوتي السمعي فيبتعد عن ذاكرة المسميات لشخوص المسرحية. ولكنَّ هذا التعتيم على أسماء الشخصيات هو المقدمة التي تصنع لحمة من نمط مختلف بين الذاكرة والشخصية إنَّها لحمة من نمط استبطان المعالجة فكأنَّها تدفع المتلقي للمشاركة في تقمص الحقيقة التي تريد إرسالها مسرحيتنا إلينا...
ومثل هذا التوجه في البناء الدرامي مما يستجيب للعلاقة المباشرة مع الجمهور وموقفه بَدَأَ مع المسرح التغريبي الملحمي وها هي تجد وسائل جديدة للظهور الفني من دون أنْ يسجل النقد ملحمية العمل المسرحي بقدر تسجيله الروح الملحمي الكامن في العمق أو في آلية خطاب النصِّ الدرامي "رثاء الفجر"...
وبفك رموز العمل من سياقه نجد واقعا أشبه بالمقبرة هو الذي جعل رثاء الفجر تحايثه باختيارها بيئتها على هذه الشاكلة. أما صناعة الديكور وملامحه فتوحي ببحث دائب عن حلول ولكن لا حلول في الأفق؟! أبواب وشبابيك ونوافذ ينبعث منها دخان ليلف بصيص الضياء المنبعث من خلف تلك المنافذ بلا طائل "تقول الزوجة لزوجها:...ستبقى الأبواب مقفلة ولا من زائر أو معني حتى تتكسر أقفالها بفعل الصدأ ورتابة الأيام. ولابد من ضوء الشمعة ليزيل عنها وحشة الليل الطويل..."
وينقلنا النص بعد ذلك إلى صوفية أو روحانية جبرية قد تكون سلبية من ناحية خلفيتها العامة ولكنها في سياق النصِّ ليست كذلك لأنَّ المقصود هو انتقال إلى عوالم متخيلة من أجل البحث عن بديل لعالم الواقع المأساوي...
تقول الزوجة "كنت أصنع التمر بالدهن وألفّه بالخبز الحار وأوزعه على الفقراء... ولكنني اليوم لا أستطيع أنْ أوزع حتى النخالة [ويرد الزوج قائلا:] رأيتك تلوكين الخبز المعجون بالرمل والتراب!!" وذلك هو مدخل بسيط لتراجيديا الواقع المرير ومعاناته الإنسانية.. وهذه إشارة من تداعيات جملة من الإشارات المتعاقبة لقراءة الواقع عبر تهدجات صور المسرحية...
أما إشكالية الانتظار التي تتداخل بين ذكريات الزوجين وهما ينتظران الابن وبين انتظارهما حدثا آخر لحظة لقائهما المصنوع هنا بين الزوجة والزوج بين عالـَمـَي الحياة والموت بين عالمي الواقع المأساة الإنسانية ومعاناة البشر من استغلالهم البشع وواقع التطهُّر المرمَّز له بعالم الموت ولكنّه عالم الحياة النظيفة الطاهرة الخالية من الظلم والاستغلال والابتزاز.. أمّا هذه الإشكالية فهي هنا من باب تسجيل ضعف قوة الفعل والتغيير وتسجيل الاستباحة والاستلاب ما أفضى لتلك الحقيقة، حقيقة الاستلاب التي لا تسمح للإنسان الفرد غير الانتظار ولكنه هنا في سياق رثاء الفجر محاولة للسعي والحركة باتجاه الفعل بعد تطهر من سلبية ناشئة عن استلاب ومصادرة... وما يوحي لنا بهذه الفقرة وبمعطياتها الدلالية هو وجود الابن وتبادل الأدوار بما يشير لولادة عالم جديد بزرعة أو نبتة يسقيها حيث لا انتظار بل فعل وتأمل نتائج الفعل.
ومع أنَّنا نتلقى عبارات مبهمة تنتمي لحوارات العبثية أو اللامعقول من جهة الثيمة والطريقة ومن جهة إشكالية الدلالة فإنَّنا لا نتحول إلى آلية هذه المدرسة في حوارها إذ سرعان ما يعود تماسك الحوار من منطلـَقـَي واقعية الدلالة ورمزية الإشارة.. نشهد ذلك كما في الحوار التالي بين قسميه الأول والثاني:
"الدفان الثاني: سأبحث عنه هنا (يبحث في سلته)
الدفان الأول: (يبعثر الأوراق.. يمسك ورقة) ولد.. كلا ليس هو
الدفان الثاني:.... توفي كلا ليس هو
الدفان الأول: كلا ليس هو. ولد. توفي
الدفان الثاني: توفي ثم ولد. ولد ثم توفي
الدفان الأول:وأخيرا (يقرأ الورقة) مات في معركة (يحاول القراءة) لقد أكل عليها الدهر إنها في القرن. الق.......ر......ن
الدفان الثاني: (يشير إلى ورقة بيده) التاسع إنها شهادة وفاة من ذلك القرن"
ويواصلان الحوار لتوصيف الوثائق والسجلات التي تسطو على الحياة وتعلو عليها ولكن بتماسك ووضوح كما في الآتي:
"الدفان الثاني: مات في شبابه
الدفان الأول: مات مسموما
الدفان الثاني: طعن بالرمح
الدفان الأول: طعن بالسكين
الدفان الثاني: مات غدرا
الدفان الأول: طعن بالسيف
الدفان الثاني: أعرفه
الدفان الأول: كلا
الدفان الثاني: اخترقت راسه الرصاصة
الدفان الأول: أعرفه
الدفان الثاني: كلا
الدفان الأول: مات مذبوحا......"
وباستمرار الحوار تتداعى للذاكرة معطيات مأساة العصر وإنْ جاءت عبر ترحيل زمني نحو القرن الفلاني الذي مضى وانقضى ولكنه موجود في يومنا عبر حكاية الرصاصة وإيحائها لزمننا.. والمسرحية بعد ذلك استدعاءات بصرية مهمة بمعنى تداعيات الذاكرة الخاصة بالوجود الجمعي ومن ثمَّ الشخصي...
كل هذه المفردات هي مجرد مفاتيح أولية لاستنطاق غنى النص دلاليا وجماليا ومن الطبيعي أنْ تبقى مثل هكذا نصوص تتحدى القراءات النقدية في توليدية متصلة مستمرة وهو ما يتطلب قراءات تحليلية درامية لاحقة...

أستاذ الأدب العربي والنقد الأدبي تخصص الأدب المسرحي
E-MAIL: TAYSEER1954@naseej.com